دماء ضحايا قطارات العياط لم تبرد .. ووزارة الصحة في «غرفة التوعية»! من يدير معركة التواصل وقت الأزمات؟
في الوقت الذي كانت فيه أنظار المصريين معلقة بتطورات حادث تصادم قطاري العياط، وكانت الأسئلة تتوالى حول أعداد الضحايا والمصابين، وحالة المصابين داخل المستشفيات، وما إذا كانت حصيلة الضحايا قد ارتفعت، اختارت الصفحة الرسمية لوزارة الصحة والسكان أن تواصل يومها بصورة طبيعية تمامًا، وتنشر محتوى توعويًا عن الفرق بين الولادة الطبيعية والقيصرية، والحالات التي تستدعي التدخل الجراحي، وفترة التعافي والرعاية بعد الولادة.
من حيث المضمون، لا خلاف على أهمية التوعية الصحية، ولا أحد يعترض على حق الوزارة في نشر المعلومات الطبية التي تفيد المواطنين، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل كان هذا هو المحتوى الأكثر أولوية في توقيت كانت فيه البلاد تتابع واحدة من الحوادث المؤلمة، وكانت وزارة الصحة نفسها في قلب الاستجابة الطبية لها؟
المشهد يحمل قدرًا من المفارقة التي يصعب تجاهلها؛ فبينما كان المواطن يبحث عن بيان يجيب عن سؤال «كم عدد الوفيات والمصابين؟»، كانت الصفحة الرسمية تدعوه إلى معرفة الفرق بين الولادة الطبيعية والقيصرية! وبينما تتجه الأنظار إلى مستشفيات العياط والواسطى وأطفيح، وإلى سيارات الإسعاف وفرق الطوارئ، بدا المحتوى المنشور وكأنه صادر عن جدول نشر لم يتلقَّ أي إشارة بأن هناك أزمة تستدعي تغيير الأولويات.
الأزمة ليست في منشور عن الولادة.. بل في غياب إحساس التوقيت!
إدارة الاتصال الإعلامي داخل المؤسسات الحكومية لا تعني مجرد نشر البيانات والمواد التوعوية وفق جدول محدد سلفًا، بل تعني القدرة على قراءة اللحظة، وفهم احتياجات الجمهور، وإعادة ترتيب الرسائل وفقًا لطبيعة الحدث وتطوراته.
ففي أوقات الحوادث الكبرى، لا يبحث المواطن عن المحتوى المعتاد، ولا ينتظر منشورات التوعية الدورية، وإنما يريد معلومات دقيقة وسريعة: كم عدد الوفيات؟ كم عدد المصابين؟ أين جرى نقلهم؟ ما المستشفيات التي استقبلتهم؟ هل توجد حالات حرجة؟ وهل طرأ أي تغيير على الحصيلة المعلنة؟
هذه ليست أسئلة هامشية أو فضولًا عابرًا، بل احتياجات إنسانية ومعلوماتية مشروعة، خصوصًا مع وجود أسر تبحث عن ذويها، ومواطنين يتابعون مصير أقاربهم، وآلاف يحاولون التحقق من المعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
والأرقام المعلنة خلال الساعات الأولى للحادث شهدت تطورات متلاحقة؛ إذ أعلنت وزارة الصحة في تحديث لاحق ارتفاع الحصيلة إلى 7 وفيات و112 مصابًا، مع خروج 45 مصابًا بعد تحسن حالتهم، بينما أوردت النيابة العامة في تقديراتها المبدئية إصابة 114 شخصًا ووفاة 7، مع استمرار حصر الأعداد النهائية. وهذا التفاوت بين الأرقام المعلنة في التحديثات المختلفة يجعل الحاجة إلى بيان موحد ومحدث أكثر إلحاحًا، لا أقل.
من ينظم تدفق المعلومات وقت الأزمة؟
المشكلة التي تكشفها الواقعة تتجاوز منشورًا واحدًا، وتفتح نقاشًا أوسع حول آليات إدارة الحسابات الرسمية للوزارات والمؤسسات الحكومية وقت الطوارئ. هل توجد خطة اتصال إعلامي تتحول تلقائيًا إلى وضع الطوارئ عند وقوع حادث كبير؟ وهل هناك فريق يتولى متابعة ما ينشر على الصفحات الرسمية، وإيقاف أو تأجيل المحتوى المجدول الذي لم يعد مناسبًا للحظة؟
وهل تعمل الصفحة الرسمية لوزارة بحجم وزارة الصحة باعتبارها مجرد نافذة لنشر الأخبار والمواد التوعوية، أم باعتبارها قناة اتصال عامة تتحمل مسؤولية تقديم المعلومات الموثوقة في توقيت يحتاج فيه المواطن إلى المعلومة أكثر من أي وقت آخر؟
فالصفحة الرسمية للوزارة ليست لوحة إعلانات إلكترونية، وإنما واحدة من أهم قنوات التواصل المباشر مع المواطنين، خصوصًا في الأزمات الصحية والحوادث الجماعية. ومن ثم فإن توقيت الرسالة، وطبيعة مضمونها، وسرعة تحديثها، لا تقل أهمية عن صحة المعلومة نفسها.
الاستجابة الطبية شيء.. والاستجابة الإعلامية شيء آخر
ومن الضروري هنا التمييز بين جهود الأطقم الطبية والإسعافية التي تعاملت مع المصابين، وبين الأداء الإعلامي للوزارة. فانتقاد توقيت منشور أو غياب تحديث كافٍ لا يعني التشكيك في جهود الأطباء أو المسعفين أو المستشفيات التي استقبلت المصابين، وإنما يعني أن نجاح الاستجابة الميدانية ينبغي أن يصاحبه نجاح مماثل في إدارة المعلومات.
بل إن التواصل الإعلامي الجيد جزء من إدارة الأزمة نفسها؛ لأنه يحد من الشائعات، ويمنع تضارب المعلومات، ويمنح أسر الضحايا والمصابين مصدرًا رسميًا يمكن الاعتماد عليه بدلًا من البحث بين عشرات المنشورات والتحديثات غير المؤكدة.
وكان من الأولى أن تتحول الصفحة الرسمية إلى غرفة أخبار مصغرة تتابع تطورات الحادث لحظة بلحظة، وتنشر بيانات متتابعة بأعداد المصابين والوفيات، وتوضح المستشفيات التي استقبلتهم، وحالات الخروج والتحسن، وتعلن أي تطورات جديدة فور التحقق منها، مع تأجيل المحتوى التوعوي غير العاجل إلى وقت لاحق.
هل تحتاج الوزارات إلى مراجعة سياساتها الإعلامية وقت الأزمات؟
ما حدث يطرح تساؤلًا لا ينبغي أن يمر باعتباره مجرد خطأ في ترتيب المنشورات: هل تمتلك المؤسسات الحكومية منظومة اتصال قادرة على التحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها فرق الإنقاذ والطوارئ؟
فإدارة الأزمة لا تنتهي عند إصدار بيان أولي، ولا عند إعلان عدد من سيارات الإسعاف المشاركة، وإنما تمتد إلى إبقاء المواطن على اطلاع مستمر بما يحدث، وتقديم إجابات واضحة عن الأسئلة التي تشغله، وتحديث البيانات كلما ظهرت معلومات جديدة.
وفي النهاية، لا أحد يطلب من وزارة الصحة أن توقف رسالتها التوعوية، ولا أن تتخلى عن دورها في نشر الثقافة الصحية، لكن المطلوب أن تدرك أن لكل رسالة توقيتها، وأن لكل أزمة أولوياتها، وأن المواطن الذي ينتظر معرفة مصير ضحايا حادث قطار لا يمكن أن يكون منشور عن الولادة القيصرية هو الرسالة الأبرز التي تستقبله على الصفحة الرسمية للوزارة.
ففي يوم الحادث، لم يكن السؤال الأهم لدى الجمهور: ما الفرق بين الولادة الطبيعية والقيصرية؟ بل كان: من نجا؟ ومن أصيب؟ ومن رحل؟ ومن يتابع حالة المصابين؟
وفي إدارة الأزمات، لا يكفي أن تكون المعلومة صحيحة.. يجب أيضًا أن تكون في وقتها.