جيل كامل لا يعرف من يراقب المسؤول ولا من يحاسب التنفيذي.. فمن يعيد بناء مدرسة القيادات المحلية؟
منذ حل المجالس الشعبية المحلية عام 2011، تعيش مصر فراغًا مؤسسيًا ممتدًا في أحد أهم مستويات الإدارة العامة، فراغ لم تتوقف آثاره عند غياب الانتخابات المحلية أو تأخر صدور قانون جديد ينظم عمل هذه المجالس، وإنما امتد ليطرح تساؤلات أعمق حول مستقبل المشاركة الشعبية، والرقابة على الأجهزة التنفيذية، وقدرة الدولة على إعداد كوادر شابة تمتلك المعرفة والخبرة اللازمتين لإدارة الملفات المحلية والمشاركة في صناعة القرار داخل المحافظات والمراكز والمدن والقرى.
فالمحليات ليست مجرد مجالس منتخبة تتولى متابعة الخدمات اليومية أو نقل شكاوى المواطنين إلى المسؤولين، وإنما تمثل أحد الأعمدة الرئيسية لمنظومة الحكم والإدارة في الدولة الحديثة، باعتبارها المستوى الأقرب إلى المواطن والأكثر اتصالًا باحتياجاته الفعلية، بدءًا من مياه الشرب والصرف الصحي والطرق والإنارة والنظافة، وصولًا إلى متابعة تنفيذ خطط التنمية والاستثمارات العامة، ومراقبة كفاءة استخدام الموارد المخصصة لكل وحدة محلية.
ومن هنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف أمامها: كيف يمكن لدولة تتوسع في مشروعات التنمية العمرانية والبنية التحتية، وتعمل على تطوير القرى والمدن وإعادة تشكيل خريطتها الاستثمارية، أن تستمر كل هذه السنوات دون مجالس محلية منتخبة تمارس دورها الدستوري في متابعة خطط التنمية ومراقبة أداء الأجهزة التنفيذية؟
والأكثر أهمية أن غياب المحليات لم يحرم المواطنين فقط من إحدى قنوات المشاركة والرقابة، بل ترك أجيالًا كاملة من الشباب دون تجربة عملية منتظمة في العمل المحلي، ودون مدرسة سياسية وتنفيذية يتعلمون من خلالها كيفية إدارة الملفات الخدمية، ومتابعة الموازنات المحلية، ومساءلة المسؤولين، وتحويل احتياجات المواطنين إلى مقترحات وخطط قابلة للتنفيذ.
66 ألف مقعد تنتظر أصحابها.. لكن أين الكوادر التي ستشغلها؟
القضية هنا لا تتعلق بعدد المقاعد التي يمكن أن تشهدها المجالس المحلية عند عودتها، بقدر ما تتعلق بجاهزية المجتمع لإنتاج قيادات تمتلك القدرة على شغل هذه المواقع بكفاءة. فوجود مقاعد مخصصة للشباب داخل المجالس لا يعني تلقائيًا وجود كوادر مؤهلة، كما أن فتح باب الترشح لا يصنع وحده تجربة محلية ناجحة ما لم يسبقه إعداد حقيقي يشرح طبيعة الدور الرقابي والتشريعي والخدمي، وحدود العلاقة بين المجلس المحلي والسلطة التنفيذية.
ويزداد هذا الملف أهمية في ضوء المادة 180 من الدستور، التي تنص على انتخاب المجالس المحلية بالاقتراع العام السري المباشر لمدة أربع سنوات، وتخصص ربع المقاعد للشباب دون 35 عامًا، وربعها للمرأة، مع اشتراط ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن 50% من إجمالي المقاعد، إلى جانب التمثيل المناسب للمسيحيين وذوي الإعاقة.
وهذه النسب الدستورية تفتح الباب أمام مشاركة واسعة لجيل جديد في إدارة الشأن المحلي، لكنها تضع في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة أمام الأحزاب السياسية والمؤسسات التدريبية والجهات المعنية بالتأهيل، حتى لا تتحول المشاركة الشبابية إلى مجرد استيفاء لنسب التمثيل، دون امتلاك أدوات المعرفة والخبرة والقدرة على ممارسة الدور الرقابي.
فعضو المجلس المحلي ليس مجرد وسيط لتوصيل طلبات المواطنين، ولا ممثلًا لمنطقته في المناسبات العامة، وإنما يفترض أن يكون قادرًا على قراءة الموازنة المحلية، وفهم أولويات الإنفاق، ومتابعة معدلات تنفيذ المشروعات، ورصد أوجه القصور، واستخدام الأدوات الرقابية التي يمنحها له القانون، بما يحقق التوازن المطلوب بين السلطة التنفيذية والرقابة الشعبية.
غياب المحليات.. هل فقدت مصر مدرسة إعداد القيادات المحلية؟
أحد أكثر الجوانب التي تستحق النقاش في هذا الملف هو غياب المسار المؤسسي الواضح لإعداد جيل جديد من القيادات المحلية. فخلال السنوات الماضية، تراجعت فرص الاحتكاك المباشر للشباب بتجربة المجالس المنتخبة، وأصبح كثيرون لا يعرفون الفارق بين الدور التنفيذي للمحافظ ورئيس المدينة ورئيس الحي، وبين الدور الرقابي للمجلس المحلي، ولا يدركون كيف يمكن تحويل شكوى المواطن إلى مساءلة مؤسسية أو متابعة لمشروع متعثر.
وهنا لا بد من التمييز بين التدريب السياسي العام والتأهيل المتخصص للعمل المحلي؛ فإعداد عضو مجلس محلي يحتاج إلى برامج مختلفة تتعامل مع طبيعة الملفات التي سيواجهها على أرض الواقع، مثل التخطيط العمراني، وإدارة المرافق، والمالية العامة المحلية، والتعاقدات الحكومية، ومكافحة الفساد، والحوكمة، وقياس الأداء، وآليات التواصل المجتمعي.
كما أن بناء هذه الكوادر لا ينبغي أن يبدأ مع إعلان موعد الانتخابات، وإنما يجب أن يكون عملية ممتدة تتيح للشباب التعرف على طبيعة الوحدات المحلية، وزيارة مواقع المشروعات، وفهم دور الإدارات التنفيذية، والمشاركة في محاكاة جلسات المجالس المحلية، والتدرب على إعداد طلبات الإحاطة والأسئلة ومناقشة الموازنات ومتابعة تنفيذ الخطط.
فالدولة لا تحتاج فقط إلى شباب راغب في خوض تجربة المحليات، وإنما تحتاج إلى شباب يعرف ماذا سيفعل بعد الفوز بالمقعد، وكيف سيمارس اختصاصاته، وما حدود سلطته، وكيف يحاسب المسؤول دون أن يتحول إلى جزء من الجهاز التنفيذي الذي يفترض أن يراقبه.
قانون المحليات.. لماذا طال انتظار الاستحقاق الدستوري؟
وعلى المستوى التشريعي، ظل قانون الإدارة المحلية الجديد أحد أبرز الملفات المؤجلة، رغم تعدد مشروعات القوانين والمناقشات البرلمانية التي شهدها الملف على مدار سنوات. فمشروع القانون الحكومي الذي أُحيل إلى البرلمان في نوفمبر 2016 لم يصل إلى مرحلة الإقرار النهائي، كما شهد الملف نقاشات ومراجعات متعددة، كان من بينها طرحه ضمن جلسات الحوار الوطني عام 2023.
إلا أن التطورات البرلمانية خلال عام 2026 أعادت الملف إلى واجهة النقاش، مع بدء مجلس النواب مناقشة مشروع القانون الحكومي ومشروعات النواب، وتشكيل لجنة فرعية لدراسة الصياغات المطروحة والوصول إلى مشروع تشريعي قابل للتطبيق.
وشهدت المناقشات اتجاهًا لتقسيم الملف إلى مشروعين منفصلين؛ الأول ينظم وحدات الإدارة المحلية ومكوناتها واختصاصاتها، والثاني ينظم انتخابات المجالس المحلية، في محاولة للفصل بين البناء المؤسسي والإداري للمنظومة وبين قواعد تشكيل مجالسها المنتخبة.
كما عقدت اللجنة الفرعية جلسات استماع خلال أكتوبر 2026، من بينها جلسات للاستماع إلى رؤية وزارة الإسكان وعدد من المحافظين، وهو ما يعكس استمرار العمل على معالجة التشابكات القائمة بين الجهات التنفيذية، وتحديد الاختصاصات والمسؤوليات، خصوصًا في المدن الجديدة وعلاقة إدارتها بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
لكن السؤال الذي يظل مطروحًا: متى تتحول هذه المناقشات إلى نص تشريعي نهائي وجدول زمني واضح لإجراء الانتخابات؟ وما الضمانات التي تمنع استمرار الملف لسنوات أخرى داخل دوائر المراجعة والصياغة؟
فالمشكلة لم تعد في إثبات أهمية المحليات، إذ إن الدستور حسم هذه المسألة، وإنما في الوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين اللامركزية الإدارية والمالية، ووضوح الاختصاصات، والرقابة الفعالة، والقدرة الحقيقية للوحدات المحلية على إدارة مواردها ومواجهة احتياجات المواطنين.
هل تخشى الدولة عودة المحليات القديمة؟
وراء التأخر الطويل في إعادة بناء منظومة المحليات يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل يرتبط جانب من التردد بالتخوف من إعادة إنتاج التجارب السلبية التي ارتبطت ببعض ممارسات المحليات في فترات سابقة، وما شهدته من اتهامات بالفساد والمحسوبية وتضارب المصالح واستغلال النفوذ؟
هذا السؤال لا ينبغي التعامل معه باعتباره اتهامًا لمنظومة لم تعد قائمة بصورتها المنتخبة، وإنما باعتباره اختبارًا لمدى قدرة التشريع الجديد على معالجة أوجه القصور التي كشفت عنها التجارب السابقة.
فعودة المجالس المحلية دون قواعد واضحة لتعارض المصالح، وإعلان الذمة المالية، وشفافية الموازنات، وإتاحة المعلومات، ونشر محاضر الجلسات، وتفعيل الرقابة على القرارات والتعاقدات، قد تجعلنا أمام إعادة إنتاج لمشكلات قديمة بأسماء وأشكال جديدة.
أما إذا جرى بناء المنظومة على قواعد الحوكمة والشفافية والمساءلة، فإن المحليات يمكن أن تتحول إلى واحدة من أهم أدوات مكافحة الفساد، من خلال وجود رقابة منتخبة قريبة من مواقع تقديم الخدمات، وقادرة على رصد أوجه الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات كبيرة.
وهنا تظهر أهمية التحول الرقمي، وإتاحة بيانات المشروعات المحلية وموازناتها ومعدلات تنفيذها للمواطنين، وإنشاء قنوات رسمية لتلقي الشكاوى ومتابعتها، بحيث لا تصبح الرقابة حبيسة جلسات المجالس، وإنما تتحول إلى عملية مستمرة يشارك فيها المجتمع.
التنمية تبدأ من الشارع.. واللامركزية ليست شعارًا
لا يمكن فصل مستقبل المحليات عن مستقبل التنمية في مصر؛ فالمشروعات القومية الكبرى تحتاج إلى منظومة محلية قادرة على تحديد الاحتياجات الفعلية لكل منطقة، وترتيب أولويات الإنفاق، ومتابعة جودة التنفيذ، والتأكد من أن الاستثمارات العامة تحقق عائدًا مباشرًا على حياة المواطنين.
فاحتياجات قرية تختلف عن احتياجات مدينة، وأولويات مركز صناعي تختلف عن أولويات منطقة زراعية أو سياحية، وهو ما يجعل الإدارة المحلية القادرة على اتخاذ القرار في نطاق اختصاصها عنصرًا أساسيًا في رفع كفاءة الإنفاق وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات والموارد.
كما أن اللامركزية لا تعني غياب الدولة أو إضعاف دورها، وإنما تعني توزيعًا أكثر كفاءة للمسؤوليات، ومنح الوحدات المحلية الصلاحيات والموارد التي تمكنها من التعامل مع مشكلاتها، مع وجود قواعد للمساءلة والرقابة تضمن عدم الانحراف بالسلطة أو إساءة استخدام الموارد.
ومن هنا تصبح عودة المجالس المحلية جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بكفاءة الإدارة العامة، وقدرة الدولة على الانتقال من إدارة مركزية لكل التفاصيل إلى منظومة أكثر مرونة، تستفيد من المعرفة المحلية وتمنح المواطنين دورًا حقيقيًا في متابعة أولويات التنمية.
من يعيد بناء مدرسة القيادات المحلية؟
المطلوب اليوم لا يتوقف عند الانتهاء من قانون الإدارة المحلية أو تحديد موعد الانتخابات، وإنما يمتد إلى إطلاق مشروع وطني متكامل لإعداد القيادات المحلية الشابة، تشارك فيه الأحزاب السياسية والجامعات ومؤسسات التدريب والجهات الحكومية المعنية، بما يضمن وجود قاعدة واسعة من الكوادر القادرة على خوض التجربة وممارسة مسؤولياتها بكفاءة.
ويجب أن يتضمن هذا المشروع برامج تدريب عملية على إدارة الموازنات المحلية، والرقابة على المشروعات، والتخطيط العمراني، وإدارة المرافق، والتواصل مع المواطنين، ومكافحة الفساد، فضلًا عن إنشاء نماذج تدريبية للمجالس المحلية تتيح للشباب ممارسة الأدوار الرقابية والتعرف على آليات العمل قبل دخول التجربة الانتخابية.
كما ينبغي ألا يقتصر إعداد الشباب على المنتمين للأحزاب السياسية، وإنما يمتد إلى المستقلين وأصحاب الخبرات المجتمعية والمتخصصين في مجالات التنمية والإدارة والاقتصاد، بما يضمن أن تكون الكفاءة والقدرة على خدمة المجتمع معيارًا أساسيًا في تكوين المجالس المقبلة.
إن مصر لا تحتاج إلى مجرد عودة المجالس المحلية، وإنما تحتاج إلى عودة مختلفة في الفلسفة والأدوات والكوادر؛ عودة تجعل من المجلس المحلي مؤسسة رقابية وتنموية حقيقية، لا مجرد حلقة إضافية في سلسلة الإجراءات الإدارية.
وفي النهاية، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: متى تجرى انتخابات المحليات؟ وإنما: هل نمتلك الإرادة التشريعية والمؤسسية والسياسية لإعداد جيل قادر على إدارة الشأن المحلي ومراقبة السلطة التنفيذية وحماية المال العام؟
فبعد سنوات طويلة من الغياب، لا تواجه مصر تحدي استعادة المجالس المحلية فحسب، بل تواجه تحدي استعادة ثقافة المشاركة والمسؤولية والرقابة من جذورها. وإذا كانت التنمية الحقيقية تبدأ من احتياجات المواطن في قريته وحيه ومدينته، فإن بناء الإنسان القادر على إدارة هذه الاحتياجات ومراقبة تنفيذها يجب أن يسبق أو يصاحب عودة المؤسسات المحلية.
فالمحليات ليست مجرد مقاعد شاغرة تنتظر الانتخابات.. إنها مدرسة غابت طويلًا، وحان الوقت لإعادة بنائها، ليس من أجل ملء المقاعد، وإنما من أجل صناعة جيل يعرف كيف يراقب، وكيف يحاسب، وكيف يشارك في بناء الدولة.