عاجل

لم تعد ظاهرة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية مجرد محاولات فردية للبحث عن الثراء، بل تحولت إلى قضية تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاقتصادية والبيئية، بعدما كشفت البيانات الرسمية عن اتساع نطاق النشاط غير المرخص في مناطق سفاجا والقصير ومرسى علم وحلايب وشلاتين.

ويُطلق مصطلح «الدهابة» على الأشخاص الذين يعملون في البحث عن الذهب واستخراجه بطرق تقليدية أو دون تراخيص، إلا أن الظاهرة تطورت بمرور الوقت إلى منظومة تضم المنقبين وناقلِي الخام وأصحاب الكسارات والطواحين وتجار الذهب، بما أوجد اقتصادًا موازيًا يعمل بعيدًا عن الرقابة الرسمية.

وفي 5 نوفمبر 2026، أعلن المتحدث العسكري نتائج المراحل الثلاث الأولى من حملة «درع الجنوب»، التي نُفذت خلال الفترة من 14 يونيو حتى 29 أكتوبر، وأسفرت عن ضبط 691 شخصًا، بينهم 151 مصريًا و540 أجنبيًا، إلى جانب إعلان تسليم 6614 شخصًا أنفسهم طواعية إلى نقاط التأمين قبل بدء العمليات في المناطق المستهدفة.

وشملت المضبوطات 317 مركبة، و916 معدة هندسية وفنية، و73 جهازًا للكشف عن المعادن، و433 مولد طاقة، و34 قطعة سلاح، وأكثر من 6300 طلقة ذخيرة، فضلًا عن 15 حوضًا للسيانيد و29 عبوة من المواد الكيميائية، و860 طنًا من المواد المحجرية المحتوية على خام الذهب، وليس الذهب الخالص.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم المعدات والإمكانات المستخدمة في التنقيب غير المشروع، كما تشير إلى تداخل بعض المواقع مع أنشطة إجرامية أخرى، وهو ما يجعل القضية مرتبطة بتأمين الحدود ومواجهة شبكات التهريب، وليس فقط بمخالفات التعدين.

ولا تتوقف خطورة الظاهرة عند استنزاف الثروة المعدنية، بل تمتد إلى الأضرار البيئية والصحية الناتجة عن الاستخدام غير الآمن للسيانيد والزئبق، فضلًا عن مخاطر انهيار الأنفاق وغياب إجراءات السلامة المهنية، وتأثير بعض الأنشطة العشوائية على المجتمعات المحلية والقطاع السياحي في البحر الأحمر.

ومع أهمية المواجهة الأمنية وتطبيق القانون، فإن استمرار الظاهرة يفرض معالجة أوسع لأسبابها الاقتصادية والاجتماعية. فهناك ضرورة للتمييز بين الشبكات التي تحقق أرباحًا من أنشطة غير قانونية، والعمال الذين قد تدفعهم ظروف المعيشة والبطالة إلى الانخراط في التنقيب العشوائي.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة تنظيم أنشطة التعدين الأهلي والحرفي، وفق ضوابط قانونية وفنية وبيئية واضحة، وتوفير فرص عمل مشروعة، وتعزيز دور الشركات المرخصة، وإحكام الرقابة على تداول الذهب ومصادره.

إن حماية الثروة المعدنية لا تتحقق بالمواجهة الأمنية وحدها، رغم ضرورتها، وإنما تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تجمع بين سيادة القانون والتنمية والاستثمار المسؤول وحماية البيئة.

فالذهب الذي تختزنه جبال مصر ليس ثروة لمن يسبق إلى استخراجها، وإنما ملك للمجتمع كله، وحق للأجيال القادمة، يجب أن تتحول عوائده إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وفرص حقيقية للتنمية والعمل والإنتاج.

تم نسخ الرابط