عاجل

حرب إيران وغلاء المعيشة يهددان الجمهوريين بخسارة الكونجرس الأمريكي

ترامب
ترامب

لطالما ارتبطت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة بالمؤشرات الاقتصادية والأوضاع المعيشية والقضايا المحلية، فيما نادرا ما احتلت السياسة الخارجية موقعا حاسما في تحديد خيارات الناخبين، لكن الانتخابات المرتقبة تبدو مرشحة لكسر هذه القاعدة التقليدية، مع تزايد التداخل بين القرارات الدولية لواشنطن والضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر الأمريكية في حياتها اليومية.

وأدى انخراط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران، بالتزامن مع التوسع في فرض الرسوم الجمركية، إلى زيادة الضغوط على الأسعار وتكاليف الطاقة والسلع الأساسية، ما جعل تداعيات السياسة الخارجية تمتد إلى الداخل الأمريكي، وتضع الأغلبية الجمهورية في الكونغرس أمام خطر التعرض لعقاب انتخابي قد يكلفها السيطرة التشريعية.

وفي ظل تصاعد الاستياء من تكاليف المعيشة، لم تعد المواجهات الخارجية والقرارات التجارية مجرد ملفات سياسية بعيدة عن اهتمامات الناخبين، بل باتت جزءا من النقاش بشأن القدرة الشرائية للأسر ومستقبل الاقتصاد الأمريكي، في تطور قد ينعكس على فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بمقاعدهم خلال انتخابات التجديد النصفي.

تضخم تغذيه الصراعات الخارجية

وتشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى تزايد الربط بين السياسة الخارجية والأعباء المعيشية، إذ كشف استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس» أن نحو 78% من الأمريكيين يحملون سياسات ترامب مسؤولية الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع القوة الشرائية لدخولهم.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان انتخابات عام 2006، عندما خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونجرس خلال رئاسة جورج دبليو بوش، وسط استياء شعبي من حرب العراق وما ترتب عليها من استنزاف عسكري وسياسي.

ويرى كريستوفر بريبل، الزميل الباحث في مركز «ستيمسون» بواشنطن، أن الناخبين الأمريكيين باتوا يشعرون بالتكلفة المباشرة لهذه السياسات في نفقات التسوق اليومي وفواتير البقالة وأسعار الوقود، وهو ما قد يدفعهم إلى استخدام أصواتهم لمعاقبة الحزب الحاكم.

ويعكس هذا التحول اتساع تأثير القرارات المتعلقة بالصراعات الدولية في الحياة اليومية للأمريكيين، بعدما أصبحت تكاليف الطاقة والسلع الأساسية من أبرز المؤشرات التي يقيس الناخبون من خلالها أداء الإدارة ومدى قدرتها على إدارة الاقتصاد.

تحركات لخفض أسعار الوقود قبل الانتخابات

ومع تراجع شعبية ترامب، لجأت إدارته إلى اتخاذ تدابير تستهدف تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.

وشملت هذه التحركات رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسي بهدف زيادة المعروض العالمي، إلى جانب ممارسة ضغوط على كييف لوقف استهداف مصافي النفط الروسية.

وأثارت هذه الخطوات انتقادات داخل واشنطن، إذ اعتبرها معارضون مؤشرا على تقديم الإدارة هدف خفض أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة على اعتبارات دعم أوكرانيا، في وقت تواجه فيه السياسة الخارجية لترامب تداعيات اقتصادية متزايدة على الصعيد الداخلي.

وفي موازاة التحركات الرامية إلى احتواء أسعار الطاقة، يظل احتمال تجدد التصعيد العسكري مع إيران أحد أبرز مصادر القلق بشأن مستقبل الأسواق قبل الانتخابات وبعدها.

فعلى الرغم من تعهد رئاسي بعدم إصدار أوامر بشن هجمات كبرى جديدة على طهران قبل الانتخابات، تشير تقارير متطابقة، بحسب المادة، إلى وجود استعدادات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لاحتمال تنفيذ تصعيد واسع بعد إغلاق مراكز الاقتراع.

وفي المقابل، تواصل إيران ممارسة ضغوط مضادة من خلال استهداف سفن الملاحة في مضيق هرمز، بما يهدد حركة إمدادات النفط العالمية ويزيد احتمالات استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة، وهو ما قد يفاقم الضغوط الاقتصادية على الإدارة الأمريكية ويؤثر في فرص الجمهوريين الانتخابية.

«إنه الاقتصاد يا غبي» تعود إلى الواجهة

وعلى الرغم من أن النزاعات الخارجية تأتي عادة في مرتبة متأخرة ضمن أولويات كثير من الناخبين الأمريكيين، فإن انعكاساتها الاقتصادية جعلت انتخابات التجديد النصفي المرتقبة أقرب إلى استفتاء على تكلفة السياسات الدولية لإدارة ترامب.

ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة العبارة الشهيرة المرتبطة بالحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون: «إنه الاقتصاد يا غبي»، في إشارة إلى أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية تظل عاملا حاسما في تحديد اتجاهات التصويت، حتى عندما تطغى على المشهد ملفات السياسة الخارجية.

وأظهر استطلاع أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية أن أغلبية الأمريكيين باتت ترى أن سياسات الإدارة الخارجية لم تضر بمكانة الولايات المتحدة الدبلوماسية فحسب، بل انعكست أيضا على مدخرات الأسر ومستويات معيشتها.

وفي ظل هذه الأجواء، يسعى بعض المرشحين الجمهوريين إلى الابتعاد عن مواقف ترامب أو النأي بأنفسهم عن بعض سياساته، في محاولة لتقليل الخسائر الانتخابية والحفاظ على مقاعدهم في الكونغرس.

وتضع هذه التطورات الحزب الجمهوري أمام معادلة صعبة، تتمثل في الدفاع عن سياسات الرئيس من جهة، والاستجابة لمخاوف الناخبين بشأن الأسعار والوقود وتكاليف المعيشة من جهة أخرى، خصوصا في الدوائر التي قد تحسم نتائجها بفوارق ضئيلة.

الكونجرس أمام احتمال عرقلة أجندة ترامب

وعلى الصعيد السياسي، ترجح المؤشرات إمكانية استعادة الديمقراطيين الأغلبية في مجلس النواب، بينما يتواصل التنافس على مقاعد مجلس الشيوخ، في سباق قد يحدد قدرة الإدارة على تمرير تشريعاتها خلال العامين المتبقيين من الولاية الرئاسية.

وإذا خسر الجمهوريون السيطرة على أحد مجلسي الكونجرس أو كليهما، فقد يواجه ترامب قيودا تشريعية أكبر على أجندته الداخلية، مع تصاعد احتمالات التعطيل والمواجهة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية.

غير أن هذه القيود قد لا تنعكس بالقدر نفسه على تحركات الرئيس في السياسة الخارجية، إذ يرجح خبراء أن يظل ترامب قادرا على ممارسة نفوذ واسع على الصعيد الدولي حتى في حال تعرض حزبه لانتكاسة انتخابية.

ويرتبط هذا الاحتمال بدخول الرئيس مرحلة «البطة العرجاء»، وهو تعبير سياسي يشير إلى تراجع النفوذ السياسي للرئيس عندما تتقلص فرص حزبه في الانتخابات أو يصبح انتقال السلطة وشيكا، وقد يجد الرؤساء في هذه المرحلة مساحة أوسع للتحرك خارجيا، مع تراجع الضغوط المرتبطة بالحسابات الانتخابية المباشرة.

وأوضح جون ألترمان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن الرؤساء الذين يواجهون شللا سياسيا وضغوطا داخلية قد يجدون في السياسة الخارجية والتحركات التنفيذية المنفردة مجالا لممارسة نفوذهم، بعيدا عن القيود التي يفرضها الكونغرس.

تم نسخ الرابط