عاجل

هل تظنونني بابا نويل؟.. كواليس مكالمة حادة بين بايدن ونتنياهو بسبب غزة

نتنياهو وبايدن
نتنياهو وبايدن

كشف بريت ماكغورك، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن لشؤون الشرق الأوسط، تفاصيل جديدة عن واحدة من أكثر الفترات توترًا في العلاقة بين بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، موضحًا أن الرئيس الأمريكي وصل في ربيع عام 2024 إلى مرحلة كان فيها مستعدًا لاتخاذ خطوات حادة ضد الحكومة الإسرائيلية بسبب طريقة إدارتها للحرب في قطاع غزة.

ويروي ماكغورك، في كتابه الجديد «على حافة الهاوية»، الصادر هذا الأسبوع، أن بايدن كان غاضبًا للغاية من نتنياهو خلال اجتماع في المكتب البيضاوي، إلى حد بدا معه وكأنه على وشك الانفجار غضبًا.

ونقل ماكغورك عن تلك الفترة أن وجه بايدن كان «أحمر كالبنجر»، وأنه «بدا وكأنه على وشك الانفجار»، بينما كان مستشاروه يناقشون كيفية التعامل مع الأزمة المتزايدة بين واشنطن وتل أبيب.

وبحسب رواية ماكغورك، كان بايدن يشعر بالغضب من الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين، ومن تأخر وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، إلى جانب تعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن.

وفي إحدى المكالمات الهاتفية مع نتنياهو، واجه بايدن رئيس الوزراء الإسرائيلي بلهجة حادة، وقال له، وفق رواية ماكغورك: «بيبي، يا رجل، ما الذي تفعله بحق الجحيم؟ أتظنني بابا نويل؟ لا يوجد بابا نويل في إسرائيل يا صديقي».

وتكشف رواية ماكغورك، الذي كان أحد أبرز مسؤولي إدارة بايدن في ملف الشرق الأوسط، عن مدى اقتراب العلاقة بين الرجلين من قطيعة كاملة، في مرحلة أصبحت فيها حرب غزة واحدة من أكثر الملفات استنزافًا للرئيس الأمريكي خلال ما تبقى من ولايته.

ويقدم الكتاب، وفق ما أوردته تقارير عن مضمونه، سردًا داخليًا للمسار الذي بدأ بهجوم 7 أكتوبر 2023، وصولًا إلى اتفاق وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن الذي تم التوصل إليه في الأيام الأخيرة من ولاية إدارة بايدن.

غزة.. الأزمة الأصعب في سياسة بايدن الخارجية

ويقول ماكغورك إن قضية غزة كانت أكثر الأزمات تعقيدًا وصعوبة بالنسبة إلى بايدن خلال مسيرته السياسية، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي تعرض لضغوط وانتقادات من اتجاهات سياسية متناقضة؛ إذ رأى منتقدوه من اليسار أنه لم يمارس ما يكفي من الضغط على نتنياهو، بينما اتهمه منتقدون من اليمين بأنه ذهب بعيدًا في الضغط على إسرائيل.

أما ماكغورك نفسه، البالغ من العمر 53 عامًا، والذي أمضى أكثر من عام متنقلًا بين عواصم الشرق الأوسط في محاولة لدفع المفاوضات إلى الأمام، فيصف الأزمة بأنها «الأكثر تعقيدًا وصعوبة وفظاعة» التي شهدها في حياته.

وأشار إلى أن الضغوط المرتبطة بالعمل على الملف انعكست عليه شخصيًا، موضحًا أنه أصيب بفتق نتيجة الإجهاد وكثرة السفر خلال تلك الفترة.

وبحسب روايته، ظهر التحول الكبير في العلاقة بين بايدن ونتنياهو خلال الأشهر الأولى من عام 2024، ففي الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2023، تحدث الرجلان 20 مرة، لكن عدد المكالمات بينهما انخفض إلى مرتين فقط خلال الربع الأول من عام 2024، في مؤشر على تصاعد الخلافات بينهما.

وكان بايدن يشعر، وفق ماكغورك، بغضب متزايد بسبب الأضرار التي لحقت بالمدنيين الفلسطينيين، وبطء دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، إلى جانب عدم إحراز تقدم كافٍ في مسار التوصل إلى اتفاق بشأن وقف إطلاق النار والرهائن.

مقتل عمال الإغاثة يشعل الخلاف

بلغ التوتر ذروته في الأول من أبريل 2024، عندما استهدفت القوات الإسرائيلية عن طريق الخطأ قافلة تابعة لمنظمة «وورلد سنترال كيتشن» (WCK)، ما أدى إلى مقتل سبعة من عمال الإغاثة.

وأثار الحادث غضبًا واسعًا في واشنطن، وأصبح نقطة تحول في تعامل إدارة بايدن مع الحكومة الإسرائيلية.

وكتبت السيدة الأولى آنذاك، جيل بايدن، في مذكراتها أنها شعرت بغضب شديد عقب الحادث، إلى درجة أنها تركت لزوجها رسالة على مرآة الحمام تقول: «يجب أن يتوقف نات»، في إشارة إلى نتنياهو.

وبعد ثلاثة أيام من الضربة، كان من المقرر أن يتحدث بايدن مع نتنياهو هاتفيًا.

ويقول ماكغورك إنه عندما دخل المكتب البيضاوي في ذلك اليوم، كان بايدن «راضيًا تمامًا عن كل شيء» و«مستعدًا» في تلك اللحظة، بحسب وصفه، للقول لنتنياهو: «لقد انتهى الأمر، وانتهى الأمر معك».

وكان بعض مستشاري بايدن قد دفعوا باتجاه استخدام ورقة المساعدات العسكرية والتهديد بقطع الدعم الأمريكي عن إسرائيل، في محاولة للضغط على نتنياهو لتغيير نهج حكومته في الحرب.

لكن مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وليام بيرنز، جادل بأن التوصل إلى اتفاق مع حماس يظل الطريق الوحيد لتحرير الرهائن، وأن ذلك يتطلب استمرار دعم إسرائيل في تلك المرحلة.

«لست بابا نويل».. مواجهة مباشرة بين بايدن ونتنياهو

خلال المكالمة الهاتفية، واجه بايدن نتنياهو مباشرة، وقال له، بحسب ما أورده ماكغورك: «بيبي، يا رجل، ما الذي تفعله بحق الجحيم؟ أتظنني بابا نويل؟ لا يوجد بابا نويل في إسرائيل يا صديقي».

وعندما سأل نتنياهو عن المقصود، أوضح بايدن أنه يستطيع وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل «بلمح البصر»، وتركها تعتمد على نفسها في الدفاع عن نفسها.

ورد نتنياهو، وفق الرواية، بأن إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها حتى من دون الولايات المتحدة.

وحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد ذلك شرح ملابسات الهجوم على عمال الإغاثة، وقدم الحادث باعتباره سوء فهم مؤسفًا، لكن بايدن قاطعه قائلًا: «لا أريد سماع ذلك يا بيبي».

وبحسب رواية ماكغورك، عاد بايدن إلى النقاط التي كان يستعد لطرحها، مطالبًا إسرائيل باتخاذ خطوات بشأن المساعدات الإنسانية وفتح مزيد من المعابر أمام وصول الإغاثة إلى شمال قطاع غزة.

وفي نهاية المواجهة، أكد بايدن أنه سيواصل مساعدة إسرائيل في مواجهة التهديد الإيراني، لكنه أبلغ نتنياهو بأن الولايات المتحدة ستتحرك بعد ذلك لإنهاء الحرب والعمل على إطلاق سراح الرهائن، قبل أن ينهي المكالمة.

وتشير الرواية إلى أن نتنياهو خرج من المكالمة معتقدًا أن الولايات المتحدة قد تكون بالفعل بصدد وقف بعض شحنات الأسلحة. وبالفعل، علقت واشنطن لاحقًا شحنة واحدة من القنابل زنة ألفي رطل، بينما استمرت بقية المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل حتى نهاية ولاية بايدن.

خلافات متصاعدة.. لكن القطيعة لم تقع

وعلى الرغم من شدة الخلاف بين بايدن ونتنياهو، يقول ماكغورك إن أي حادث منفرد لم يكن كافيًا لتدمير العلاقة بين الرجلين بصورة نهائية.

وكانت الخلافات قد امتدت إلى ملفات سياسية أخرى، من بينها خطاب زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي آنذاك، تشاك شومر، الذي دعا فيه إلى إجراء انتخابات في إسرائيل، وهو الموقف الذي أثار غضب نتنياهو.

كما أوقف بايدن في مرحلة لاحقة شحنة من القنابل الثقيلة إلى إسرائيل، وهي الخطوة التي يرى ماكغورك، بحسب روايته، أنها لم تحقق الهدف المقصود منها، بل ربما أدت إلى تعقيد مفاوضات الرهائن.

ويقول ماكغورك إن هذا النوع من الضغط جعل حماس تعتقد أنها قادرة على تحقيق مكاسب، ورسخ موقفها في المفاوضات، وهو تقييم يقدمه في إطار مراجعته لأداء إدارة بايدن خلال تلك المرحلة.

هجوم إيران يغيّر مسار الأزمة

وفقا للإعلام العبري، جاء الهجوم الإيراني المباشر على إسرائيل في أبريل 2024 ليغير حسابات إدارة بايدن، فبينما كانت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تمر بواحدة من أصعب مراحلها، كانت إيران تستعد لشن هجوم واسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل.

وعندما وقع الهجوم، انحاز بايدن فورًا إلى جانب إسرائيل، وشاركت الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل ودول أخرى في التصدي للهجوم الإيراني، الذي جرى اعتراض الجزء الأكبر منه.

وبحسب رواية ماكغورك، عقد بايدن ومستشاروه اجتماعًا في غرفة العمليات بالبيت الأبيض لمتابعة الهجوم، قبل أن يفكر الرئيس الأمريكي في الطريقة التي سيتحدث بها مع نتنياهو بعد انتهاء الهجوم.

وسأل بايدن فريقه عما إذا كان نتنياهو يدرك أن الولايات المتحدة أنقذته للتو، وبحسب ماكغورك، قال بايدن: «لقد أنقذته للتو، هذا ما سأقوله. سنضع حدًا لهذا الأمر هنا».

واقترح مستشار الأمن القومي آنذاك، جيك سوليفان، صياغة أكثر دبلوماسية للرسالة، وهي: «اعتبروا النصر حليفكم» أو «خذوا الانتصار».

وكان الهدف من موقف بايدن، وفق الرواية، منع نتنياهو من الرد على إيران بطريقة تؤدي إلى توسيع نطاق الحرب وتحويل المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة.

وفي البداية، قاوم نتنياهو فكرة الاكتفاء بالرد المحدود، وقال إن «هؤلاء المجانين يجب تلقينهم درسًا»، لكنه انتهى إلى عدم شن هجوم مضاد كبير، وهو ما اعتبره ماكغورك أحد أهم المنعطفات التي حالت دون اتساع نطاق الصراع في ذلك الوقت.

مفاوضات الرهائن.. «ممر مليء بالأبواب المغلقة»

أما مفاوضات وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن، فيصفها ماكغورك بأنها كانت عملية شديدة التعقيد، أشبه بمحاولة عبور «ممر مليء بالأبواب المغلقة»، إذ إن حل مشكلة كان يقود في كثير من الأحيان إلى ظهور مشكلة أخرى تعرقل الاتفاق.

وعلى مدى أشهر، تنقلت المفاوضات بين واشنطن والدوحة والقاهرة وإسرائيل، وسط خلافات بشأن شروط وقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد الحرب والإفراج عن الرهائن.

ويرى ماكغورك في كتابه أن الضغوط الأمريكية على إسرائيل خلال ربيع 2024 لم تحقق النتائج التي كانت واشنطن تأملها، بل إن حماس شددت مواقفها التفاوضية خلال تلك الفترة، بينما ظل نتنياهو متمسكًا باستمرار الضغط العسكري.

وفي المقابل، لا يعفي ماكغورك نتنياهو من المسؤولية عن تعثر المفاوضات، إذ يروي أنه سافر إلى القدس المحتلة في أوائل عام 2024 لمحاولة دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى قبول اتفاق يتضمن وقفًا لإطلاق النار لمدة ستة أسابيع والإفراج عن رهائن، لكن نتنياهو كان أكثر تركيزًا على استمرار الحملة العسكرية.

اتفاق في نهاية ولاية بايدن بمشاركة فريق ترامب

وفي نهاية المطاف، تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن قبيل مغادرة بايدن البيت الأبيض، بمشاركة الرئيس الأمريكي المنتخب آنذاك دونالد ترامب ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.

ويقر ماكغورك بدور ترامب وويتكوف في إتمام الاتفاق، قائلًا إن الاتفاق «لم يكن ليتحقق لولا ترامب وويتكوف».

لكنه يضيف في الوقت نفسه أن الاتفاق ما كان ليتحقق أيضًا من دون العمل الذي قامت به إدارة بايدن على مدى شهور، معتبرًا أن الإدارة السابقة هي التي مهدت الطريق عبر أشهر طويلة من المفاوضات والاتصالات والجهود الدبلوماسية.

تم نسخ الرابط