عاجل

أوروبا تستعد لشتاء صعب.. فاتورة الطاقة تقفز 100 مليار يورو بسبب الحرب

مضيق هرمز
مضيق هرمز

لا تواجه أوروبا هذا الشتاء خطر نفاد النفط والغاز بقدر ما تواجه ارتفاع كلفة الحصول عليهما، بعدما دفعت دول الاتحاد الأوروبي، منذ نهاية فبراير الماضي، أكثر من 100 مليار يورو إضافية مقابل واردات الطاقة، من دون الحصول على كميات إضافية من النفط أو الغاز.

وتأتي الزيادة الكبيرة في فاتورة الطاقة الأوروبية في وقت أدى فيه إغلاق مضيق هرمز واضطراب أسواق الطاقة العالمية إلى إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، ما يفرض ضغوطًا إضافية على الحكومات الأوروبية مع اقتراب أشهر الشتاء.

وفي دبلن، اجتمع وزراء الطاقة الأوروبيون، أمس الثلاثاء، لبحث تداعيات أزمة الطاقة والاستعداد لفصل الشتاء، فيما حذر مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن من أن أوروبا تتجه إلى «شتاء صعب».

ورغم عدم توقع حدوث نقص حاد في الإمدادات، فإن مستويات المخزونات والأسعار تضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة معقدة، تتمثل في كيفية حماية الأسر والصناعة من صدمة جديدة في فواتير الطاقة، في وقت لا تزال فيه القارة معرضة لاضطرابات سوق النفط والغاز.

«شتاء صعب»

أكد يورغنسن أن الاتحاد الأوروبي لا يتوقع مشكلات كبيرة في الإمدادات، لكنه يتوقع في المقابل أسعارًا «مرتفعة جدًا» للنفط والغاز، قائلًا: «لا شك أننا متجهون نحو شتاء صعب».

وأضاف: «في شتاء عادي، يعجز نحو 50 مليون شخص في أوروبا عن تدفئة مساكنهم بشكل كافٍ. هذا الشتاء قد يكون أسوأ. لذلك نأخذ الوضع على محمل الجد الشديد، ناهيك عن صناعتنا التي تخضع بدورها لضغط».

ومنذ نهاية فبراير، ومع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، قفزت فاتورة واردات المحروقات للدول الأعضاء الـ27 بشكل حاد.

ويُقدّر المفوض الدنماركي هذه «التكلفة الإضافية للطاقة» بأكثر من 100 مليار يورو، مؤكدًا أنها جاءت من دون الحصول على «أي جزيء إضافي واحد من الغاز أو النفط».

مخزونات منخفضة

ولا يتوقع يورغنسن نقصًا حادًا في الإمدادات، لكنه أشار إلى أن مستويات تخزين الغاز أصبحت «منخفضة بشكل استثنائي».

وبلغ متوسط التخزين في الاتحاد الأوروبي نحو 70%، مقابل 82% في فرنسا، في حين لا تتجاوز النسبة 57% في ألمانيا وهولندا.

وتتابع مجموعة من الخبراء تطورات احتياطيات الغاز والنفط، كما اجتمعت أمس الثلاثاء لتقييم وضع سوق النفط، مشيرة إلى ارتفاع أسعار الديزل ووقود الطيران.

ولاحظت المجموعة أن المخزونات التجارية في مركز أمستردام-روتردام-أنتويرب أقل من متوسطها على مدى خمس سنوات، لكنها تبدو مستقرة خلال الأسابيع الأخيرة.

ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه المصافي الأوروبية بالقرب من طاقتها القصوى، وهو ما لا يترك هامشًا كبيرًا لزيادة المعروض أو تخفيف الأسعار.

وفي المقابل، تتمثل النقطة الإيجابية في أن مخزونات الطوارئ لا تزال عند مستوى مرتفع، ويمكن اللجوء إليها في حال حدوث اضطراب في السوق.

دعوات إلى خفض الاستهلاك

وفي رسالة وجهها إلى وزراء الطاقة قبل نهاية الأسبوع، أشار يورغنسن إلى أن الوضع الحالي لا يزال أقل خطورة مما كان عليه عقب جائحة كوفيد-19 أو في بداية الحرب في أوكرانيا، مستندًا في ذلك إلى تنويع أوروبا لمصادر إمداداتها وتوسعها في تطوير مصادر الطاقة المتجددة.

ويرى يورغنسن أن الهدف المناسب لمستويات تخزين الغاز يمكن خفضه إلى 80%، بما يساعد على «تخفيف الضغط الفوري على الأسعار».

وفي الوقت نفسه، حث المفوض الدول الأعضاء على اتخاذ إجراءات لخفض استهلاك الطاقة، خصوصًا خلال ساعات الذروة، وتحسين قياس الاستهلاك، وتقليل تدفئة المباني العامة، فضلًا عن الحد من استخدام الإنارة في الشوارع.

الكهرباء كخيار طويل الأمد

واتفق وزراء الطاقة الأوروبيون على ضرورة مواصلة خفض الاعتماد على المحروقات من خلال كهربة الاحتياجات، في إطار مساعي القارة لتقليل تعرضها لتقلبات أسواق النفط والغاز.

وأشارت وزيرة الطاقة الفنلندية ساري مولتالا إلى أن بلادها أصبحت مستقلة بنسبة 95% في إنتاج الكهرباء، بفضل الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية.

أما يورغنسن، الذي يبدي حماسًا أقل تجاه الطاقة النووية، فيرى أن الهدف النهائي يظل تحقيق ما وصفه بـ«الاستقلال الطاقوي النظيف».

وفي السياق نفسه، وافق الاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، على صرف مساعدة حكومية استثنائية بقيمة 25 مليون يورو لدعم الصيادين الفرنسيين المتضررين من ارتفاع أسعار الوقود نتيجة أزمة الشرق الأوسط.

وبينما تطالب عدة دول أعضاء، بينها إيطاليا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وبولندا والنمسا، المفوضية الأوروبية باتخاذ موقف بشأن فرض ضريبة أوروبية موحدة على الأرباح الفائضة لشركات النفط والغاز، ذكّر يورغنسن بإمكانية اتخاذ إجراءات على المستوى الوطني.

ولم ينتقد المفوض مبادرات دول مثل إيرلندا، التي تدرس خفض الضرائب على الوقود، لكنه حذر في الوقت نفسه من «عدم إهدار المال العام».

تأجيل قواعد الميثان وتخفيف معايير الديزل

وأبدى يورغنسن، إلى جانب المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة فاتح بيرول، تأييده لتأجيل تطبيق لائحة أوروبية لمدة عام، تلزم مستوردي المحروقات بتوثيق تسربات الميثان المرتبطة بعمليات الإنتاج.

ويأتي ذلك وسط مقاومة من المنتجين الأمريكيين لهذا الالتزام الأوروبي، كما تدرس المفوضية الأوروبية طلبًا آخر تقدمت به فرنسا لتخفيف صرامة معايير جودة الديزل، من خلال السماح بإدماج مزيد من الوقود الزراعي في مكوناته.

ويثير هذا التوجه مخاوف لدى المنظمات البيئية غير الحكومية التي تعارض تخفيف معايير الوقود.

ويضاف إلى أزمة الطاقة والاضطرابات في أسواق النفط والغاز قلق أوروبي جديد يتعلق بهشاشة البنى التحتية الكهربائية أمام ما تصفه أوروبا بالحرب الهجينة التي تشنها روسيا ضدها، وهو ملف تعمل الدول الأعضاء حاليًا على التعامل معه.

وترى صحيفة «لوموند» أن اجتماع دبلن كشف عن معادلة أوروبية صعبة، إذ لا تتوقع القارة نقصًا حادًا في الإمدادات، لكن ارتفاع الأسعار وتراجع المخزونات في دول محورية، مثل ألمانيا وهولندا، يجعلان الشتاء المقبل اختبارًا حقيقيًا للحكومات الأوروبية.

وفي الوقت الذي تراهن فيه المفوضية الأوروبية على مزيج من خفض الاستهلاك وتسريع الاستثمار في الطاقة النظيفة لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، تظل فاتورة الطاقة الإضافية البالغة أكثر من 100 مليار يورو منذ إغلاق مضيق هرمز نهاية فبراير الماضي مؤشرًا على امتداد التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط إلى خارج المنطقة.

وتظهر هذه الكلفة في صورة ضغوط مباشرة على أسواق الطاقة الأوروبية وفواتير التدفئة التي تواجهها الأسر، بالتزامن مع استعداد الحكومات لفصل شتاء تقول المفوضية إنه قد يكون «صعبًا».

تم نسخ الرابط