سيناريوهات انهيار الكوكب وشروط النجاة.. أين نذهب بعد نهاية العالم؟
إذا تحول العالم فجأة إلى مسرح لكارثة واسعة النطاق، فأين يمكن للإنسان أن يجد ملاذًا أكثر أمانًا؟، قد يبدو السؤال وكأنه سيناريو لفيلم من أفلام الخيال العلمي، لكنه كان محور دراسة علمية حاولت تحديد الأماكن الأكثر قدرة على الصمود أمام مجموعة واسعة من الكوارث العالمية.
وشملت السيناريوهات التي بحثتها الدراسة الحرب النووية، واصطدام الكويكبات، والثورات البركانية، والهجمات السيبرانية، والعواصف الجيومغناطيسية، إضافة إلى الأوبئة العالمية.
ونشرت الدراسة في مجلة "غلوبال تشالنجز"، وقادها فلوريان أولريش يين من جامعة غوته في فرانكفورت، حيث راجع الباحثون الأدبيات العلمية المتعلقة بالمخاطر الكارثية العالمية، وقارنوا العوامل التي يمكن أن تساعد المجتمعات على البقاء والحفاظ على وظائفها الأساسية بعد وقوع كارثة واسعة النطاق.
أستراليا.. "ملجأ داخل ملجأ"
برزت أستراليا باعتبارها الدولة الأكثر قدرة على الصمود أمام سيناريوهات الكوارث التي تناولتها الدراسة، بفضل مزيج من العزلة الجغرافية، والقدرة الكبيرة على إنتاج الغذاء، وتنوع المناخ، ووفرة موارد الطاقة، إلى جانب امتلاكها قاعدة صناعية وبنية تحتية يمكن أن تساعدها على مواصلة الحياة في حال انهارت سلاسل الإمداد العالمية.
وتبرز تسمانيا بصورة خاصة، باعتبارها جزيرة منفصلة عن البر الأسترالي، وتتمتع بمناخ معتدل وقطاع زراعي قوي، وهو ما يجعلها عمليًا بمثابة "ملجأ داخل ملجأ".
كما أن موقع أستراليا في نصف الكرة الجنوبي يبعدها نسبيًا عن مناطق الصراع النووي الرئيسية في النصف الشمالي، في حين يمنحها اتساع أراضيها خيارات إضافية لإعادة توزيع السكان والأنشطة الإنتاجية إذا تعرضت منطقة معينة لكارثة.
لكن الدراسة لا تقدم أستراليا باعتبارها مكانًا خاليًا من المخاطر، إذ تواجه البلاد تهديدات من حرائق الغابات والفيضانات وتغير المناخ، كما أن اعتمادها على الخارج في بعض الأدوية والمعدات والسلع الصناعية يمكن أن يحول عزلتها الجغرافية من عامل حماية إلى نقطة ضعف في حال تعطلت التجارة العالمية.
ولا تقتصر قائمة الدول التي تمتلك مقومات للصمود على أستراليا، إذ ظهرت نيوزيلندا والأرجنتين والبرازيل أيضًا بين الدول التي تتمتع ببعض هذه المقومات، فيما برزت أوروغواي وتشيلي بدرجات متفاوتة.
لكن لكل دولة نقاط ضعفها؛ فنيوزيلندا معرضة للزلازل والبراكين وأمواج تسونامي، بينما تواجه البرازيل والأرجنتين تحديات مرتبطة بعدم المساواة والاستقرار السياسي.
العزلة وحدها لا تكفي
وقد يبدو الابتعاد عن بقية العالم الخيار الأكثر منطقية عند تصور سيناريو انهيار الحضارة، لكن الدراسة تكشف مفارقة مهمة، مفادها أن العزلة الجغرافية يمكن أن تكون ميزة في مواجهة بعض الأخطار، لكنها قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا انهارت التجارة الدولية.
وتعتمد المجتمعات الحديثة على إمدادات مستمرة من الأدوية والوقود والأسمدة وقطع الغيار والمعدات الصناعية، وهي احتياجات يصعب على دولة واحدة إنتاجها بالكامل.
ولهذا، فإن قدرة الدولة على إنتاج الغذاء والطاقة محليًا تمنحها فرصة أفضل للصمود، لكنها تظل بحاجة إلى قدر من التواصل مع العالم الخارجي للحفاظ على اقتصادها وصناعتها ونظام الرعاية الصحية فيها.
وحدد الباحثون أربعة عوامل رئيسية لتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، هي العزلة الجغرافية، والاكتفاء الذاتي، ولا سيما في مجال الغذاء، وجودة الحوكمة مع انخفاض مستويات الفساد وعدم المساواة، إلى جانب اللامركزية التي تحد من خطر انهيار المجتمع بأكمله بسبب تعطل منشأة أو شبكة حيوية واحدة.
وبحسب الدراسة، قد تتحول المدن الكبرى إلى نقاط ضعف في بعض السيناريوهات، نتيجة اعتماد أعداد ضخمة من السكان على تدفق مستمر من الغذاء والوقود والمياه والسلع الأساسية.
وفي حال انقطعت طرق الإمداد، يمكن أن تتحول الكثافة السكانية، التي تمثل في الظروف الطبيعية ميزة اقتصادية، إلى عبء خطير على قدرة المجتمع على البقاء.
روسيا وبريطانيا.. مفارقات النجاة
في المقابل، تبرز روسيا باعتبارها أكثر تعرضًا للمخاطر في بعض السيناريوهات، بسبب احتمال استهدافها خلال حرب نووية، فضلًا عن نقاط ضعف مرتبطة بالحوكمة وعدم المساواة.
ويشير يين إلى أن هذه العوامل تؤدي دورًا أساسيًا في قدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه في ظل ضغوط استثنائية، ما يعني أن امتلاك الموارد الطبيعية أو المساحة الجغرافية وحدهما لا يكفيان لضمان الصمود.
أما بريطانيا، فتقدم صورة أكثر تعقيدًا؛ فكونها دولة جزيرية يمنحها حماية جغرافية نسبية، كما يمثل نظامها الصحي وقاعدتها العلمية ميزة مهمة، خصوصًا في مواجهة الأوبئة.
لكن بريطانيا تظل هدفًا نوويًا محتملًا، وتعتمد بدرجة كبيرة على سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما قد يزيد هشاشتها إذا انهارت حركة التجارة الدولية.
كما حذرت الدراسة من أن العواصف الجيومغناطيسية الشديدة يمكن أن تضرب شبكات الكهرباء والاتصالات والأنظمة الرقمية، بما يعني أن الدول الأكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية ليست بالضرورة الأكثر أمانًا أمام جميع أنواع الكوارث.



