في عز الحر.. لماذا نشعر ببطء التفكير وتراجع التركيز؟
يلاحظ كثيرون مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف تراجع مستوى التركيز وبطء التفكير، وقد تبدو بعض المهام اليومية أكثر صعوبة من المعتاد، إذ لا يرتبط الأمر بالشعور بالحرارة فقط، وإنما يبذل الجسم والدماغ مجهودًا إضافيًا للحفاظ على درجة حرارة الجسم ضمن معدلاتها الطبيعية.
وأوضح دان بورجاردت، محاضر علم النفس والأعصاب بجامعة بريستول، في تقرير نشرته مجلة “ذا كونفيرزيشن”، أن الدماغ والجسم يعملان باستمرار على تنظيم درجة الحرارة، موضحًا أن مستقبلات الحرارة الموجودة بالقرب من سطح الجلد تستشعر التغيرات في البيئة المحيطة وترسل إشارات إلى منطقة تحت المهاد “الهيبوثلاموس” في الدماغ، وهي المسؤولة عن تنظيم حرارة الجسم.
وأضاف أن ارتفاع أو انخفاض درجة الحرارة بشكل ملحوظ يدفع الهيبوثلاموس إلى تنسيق مجموعة من الاستجابات التي تساعد على إعادة حرارة الجسم إلى معدلها الطبيعي، الذي يبلغ نحو 37 درجة مئوية، وهو أمر ضروري للحفاظ على كفاءة عمليات الأيض والإنزيمات والوظائف الحيوية المختلفة.

كيف يؤثر ارتفاع الحرارة على التركيز؟
عند ارتفاع درجات الحرارة، ينشط الجسم عددًا من الآليات للتخلص من الحرارة الزائدة، من بينها زيادة تدفق الدم إلى الجلد والتعرق، وتخضع هذه العمليات لمسارات عصبية تربط الدماغ بالأوعية الدموية والغدد العرقية، بما يساعد على تنظيم كمية الحرارة التي يفقدها الجسم.
وأوضح بورجاردت أن تشغيل هذه الآليات يتطلب مجهودًا إضافيًا، وقد يؤثر في الموارد التي يحتاج إليها الجسم لأداء المهام الإدراكية التي تتطلب تركيزًا وانتباهًا مستمرين.
ويصبح هذا التأثير أكثر وضوحًا عند ممارسة الرياضة أو بذل مجهود بدني، إذ تنتج العضلات والعمليات الأيضية حرارة إضافية، مما يزيد الضغط على أنظمة تبريد الجسم.
ولا يقتصر تأثير الحرارة على آليات تنظيم درجة حرارة الجسم، بل يمكن أن يمتد إلى عمل الخلايا العصبية نفسها.

وتعتمد هذه الخلايا على إشارات كهربائية ونواقل كيميائية للتواصل، وهي عمليات تتأثر بالإنزيمات والبروتينات وحركة الأيونات داخل الخلايا وخارجها، وجميعها حساسة للتغيرات الحرارية.
وفي الظروف الطبيعية، يستطيع الدماغ التعامل مع هذه التغيرات والحفاظ على التوازن المطلوب، لكن عند تجاوز درجات الحرارة مستويات معينة، قد تتأثر طريقة عمل الخلايا العصبية وتواصلها، وهو ما قد ينعكس على الذاكرة واتخاذ القرارات والقدرة على التركيز.
الجفاف يزيد ضباب الدماغ
ويمثل الجفاف عاملًا إضافيًا قد يزيد من الشعور بما يعرف بـ"ضباب الدماغ" خلال الطقس الحار، إذ يفقد الجسم كميات من السوائل عبر التعرق، وعدم تعويضها يضع ضغطًا إضافيًا على الجهاز القلبي الوعائي، الذي يعمل على إيصال الدم إلى الجلد والأعضاء المختلفة، بما فيها الدماغ.
ويحتوي الدماغ على نسبة كبيرة من الماء، لذلك قد يؤثر حتى الجفاف البسيط في بعض الوظائف العقلية، مثل الانتباه وسرعة الاستجابة والذاكرة قصيرة المدى.
كما يمكن أن يؤدي نقص السوائل إلى التأثير في تدفق الدم إلى الدماغ وأداء الخلايا العصبية، فضلًا عن اضطراب توازن الإلكتروليتات الضرورية لعمل الجهاز العصبي بصورة طبيعية.

ارتفاع الحرارة يؤثر على النوم
ولا تتوقف آثار الطقس الحار عند ساعات النهار، إذ يمكن لارتفاع درجات الحرارة أن يجعل النوم أكثر صعوبة، كما قد يقلل من الوقت الذي يقضيه الشخص في مراحل النوم العميق والمرمم.
وينعكس اضطراب النوم بدوره على الأداء العقلي، إذ تؤدي قلة النوم إلى ضعف الانتباه والذاكرة والقدرة على التفكير، مما قد يزيد من تأثير ارتفاع الحرارة في التركيز خلال اليوم التالي.
الحرارة لا تؤثر على الجميع بنفس الدرجة
وأشار بورجاردت إلى أن تأثير ارتفاع الحرارة يختلف من شخص إلى آخر، نتيجة الاختلافات الفردية في فسيولوجيا الجسم وقدرة كل شخص على تحمل الحرارة.
كما قد يؤثر إدراك الشخص لأدائه في شعوره بتراجع قدراته العقلية، إذ يمكن أن يصبح الانخفاض البسيط في سرعة معالجة المعلومات أو مستوى التركيز أكثر وضوحًا عندما يلاحظ الشخص أنه يواجه صعوبة في إنجاز مهمة اعتاد القيام بها بسهولة.



