رجل دين من عائلة خامنئي يعلن «خطة استبدال النظام» في إيران
في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن مستقبل النظام السياسي في إيران، خرج رجل دين بارز على صلة بالعائلة الحاكمة عن طريق الزواج، بخطاب غير مسبوق في حدته، معلنًا أن الجمهورية الإسلامية وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على الاستمرار بصيغتها الحالية، وكاشفًا عن وجود ما وصفها بـ«حكومة ظل» جاهزة للتحرك، وفقا لموقع «إيران إنترناشيونال».
وقال محمد باقر خرازي، رئيس حزب الله الإيراني، في تسجيل مصور مدته نحو خمس دقائق نُشر الأربعاء، إن مجموعته أعدت منذ سنوات خططًا تفصيلية لما وصفه بتطبيق «نظام الولاية»، وصولا إلى تحويل الجمهورية الإسلامية إلى «حكومة إسلامية».
وأضاف أمام حشد ديني أن الحركة تمتلك، بحسب قوله، «60 مجلدًا ضخمًا» تتضمن خططًا تغطي تفاصيل عمل مختلف أجهزة ومؤسسات الدولة.
وقال خرازي إن «الجمهورية الإسلامية وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها تعمل بهذا الشكل»، معتبرًا أن عدم الانتقال إلى الصيغة التي يريدها أدى إلى ما وصفه بـ«انتزاع الجمهورية الإسلامية» من أنصارها.
خطة لتشكيل شبكة من 250 ألف شخص
ولم يكتف خرازي بانتقاد النظام، بل طرح خلال كلمته تصورًا تنظيميًا لتشكيل شبكة بشرية واسعة يمكن استخدامها، بحسب وصفه، للضغط على مؤسسات الدولة.
وقال إن كل تابع ينبغي أن يجند 17 شخصًا، على أن يقوم كل واحد من هؤلاء بتجنيد 17 شخصًا آخر، مقترحًا تنظيم ما لا يقل عن 250 شخصًا في كل مدينة، للوصول إلى شبكة قوامها نحو 250 ألف شخص في ألف مدينة.
ووعد بتمويل التجمع الأول على نفقة حزب الله، متحدثًا عن إمكانية تنظيم تجمع يضم 100 ألف شخص، وقال إن الشبكة ستكون قادرة على «محاصرة جميع الوزارات».
وفي موضع آخر من حديثه، حدد خرازي رقمًا مختلفًا هو 530 منظمًا لكل مدينة، رابطًا الرقم باعتبارات دينية وعددية خاصة به.
أما المرحلة النهائية من الخطة، فوصفها بأنها ستبدأ بـ«إعلان واحد» يدفع المشاركين إلى التوجه إلى طهران، معتبرًا أن هذا التحرك سيكون كافيًا لإنهاء المهمة.
وقال إن على المرشد الأعلى والحكومة أن يدركا أن منظمة تضم 250 ألف شخص ستكون «على أهبة الاستعداد للتحرك».
هجوم على رؤساء إيران
ووجه خرازي انتقادات حادة إلى النظام الجمهوري داخل الجمهورية الإسلامية، مستعرضًا أسماء عدد من الرؤساء الذين تولوا الحكم خلال العقود الماضية، بينهم أكبر هاشمي رفسنجاني، ومحمود أحمدي نجاد، وحسن روحاني، والرئيس الحالي مسعود بيزشكيان.
وبدا من حديثه أن اعتراضه لا يقتصر على أداء رئيس بعينه، وإنما يمتد إلى طبيعة منصب الرئاسة والانتخابات التي تأتي بالرؤساء إلى السلطة.
وكان بيزشكيان الهدف الأبرز لهجوم خرازي، إذ استخدم بحقه عبارات مهينة، واتهمه بعدم فهم شؤون الحكم، كما هاجم الطبيب الذي قال إنه كان وراء وصوله إلى الرئاسة.
وانتقد خرازي أيضًا مجلس صيانة الدستور بسبب السماح بمشاركة مرشحين قال إنهم لا يمثلون النهج الذي يريده، في مفارقة لافتة، إذ إن المجلس نفسه استبعد خرازي من الانتخابات الرئاسية عام 2013.
«مجتبى أكثر راديكالية من والده»
لكن أكثر أجزاء خطاب خرازي حساسية كانت تلك المتعلقة بالمرشد الأعلى الحالي مجتبى خامنئي، وزعم خرازي أن لديه علاقة وثيقة به تمتد إلى أربعة عقود، مشيرًا إلى لقاءات خاصة جمعتهما، وقال إن مجتبى خامنئي «أكثر راديكالية بكثير من والده» الراحل علي خامنئي.
كما قدم ما وصفه بأنه معلومات من داخل دائرة المرشد، مدعيًا أن مجتبى خامنئي تعرض في وقت سابق للتهميش داخل مكتب والده، وأن دوره اقتصر لفترة على نقل رسائل استخباراتية.
وزعم خرازي أيضًا أنه تدخل لحماية حركة حزب الله خلال تلك المرحلة، قائلًا: «لقد أرادوا اقتلاع حزب الله من جذوره. لم أسمح لهم بذلك»، لكن هذه الروايات، بما فيها تفاصيل العلاقة بين الرجلين وما يتعلق بدور مجتبى خامنئي، لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
تصريحات متضاربة بشأن القيادة
وتكتسب تصريحات خرازي أهمية إضافية بسبب جدل سابق اندلع حول ادعاءات منسوبة إليه بشأن مجتبى خامنئي، فقد نفى مكتب المرشد الأعلى مؤخرًا تصريحات سابقة لخرازي تحدث فيها عن قبول استقالة الرئيس مسعود بيزشكيان، واعتبرها غير موثقة وكاذبة، محذرًا من أن مثل هذه المواد تخدم، بحسب المكتب، مصالح خصوم إيران، كما نفى بيزشكيان نفسه تقديم استقالته.
ورغم ذلك، قال خرازي إنه يقبل النفي احترامًا للقيادتين الراحلة والحالية، لكنه أضاف أنه يأمل أن يظل النفي قائمًا بعد «التغييرات المهمة القادمة» في المناصب القيادية.
تنبؤات بتغييرات في قمة السلطة
ولم يتوقف خرازي عند الحديث عن مستقبل النظام، بل ذهب إلى الإعلان عن تغييرات قال إنها ستطال مواقع أمنية وسياسية بارزة، وزعم أن القيادة الجديدة تعتزم إقالة محمد باقر ذو القدر من منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وتعيين محسن رضائي خلفًا له.
كما قال إن وزير الخارجية عباس عراقجي أُبلغ بعدم التدخل في المفاوضات، في تصريحات تمثل، إذا صحت، تدخلاً مباشرًا في دوائر صنع القرار الخارجية.
ولم يقدم خرازي في المادة المتاحة أدلة مستقلة تثبت أن هذه التغييرات اتُخذت بالفعل أو أنها تعكس قرارات رسمية صادرة عن القيادة الإيرانية.
رجل من داخل العائلة الحاكمة
ويحظى خرازي بموقع بارز داخل دوائر النخبة الدينية والسياسية الإيرانية، فوالده، آية الله محسن خرازي، عضو في مجلس خبراء القيادة، فيما كان عمه كمال خرازي شخصية بارزة في الدبلوماسية الإيرانية وترأس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية لسنوات.
كما أن شقيقه صادق خرازي دبلوماسي إيراني مخضرم، بينما ترتبط العائلة بعائلة خامنئي من خلال زواج شقيقة خرازي من مسعود خامنئي، أحد أبناء علي خامنئي.
وتشير المادة إلى أن وكالة «رويترز» سبق أن أفادت بأن شركة «نوبيتكس» للعملات المشفرة، التي فرضت واشنطن عقوبات عليها بدعوى مساعدتها الحرس الثوري الإيراني في التحايل على العقوبات، تعود ملكيتها إلى عائلة خرازي.
طموحات رئاسية وسجل مثير للجدل
وكان خرازي قد خاض محاولة للترشح للانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2013، قبل أن يستبعده مجلس صيانة الدستور، وخلال حملته آنذاك، تعهد برفع العقوبات خلال فترة قصيرة، واستعادة ما وصفها بـ«الأراضي المنفصلة عن إيران»، من طاجيكستان إلى أذربيجان، إلى جانب مضاعفة قيمة العملة الإيرانية وإعادة سعر الدولار إلى مستويات منخفضة للغاية مقارنة بسعره آنذاك.
كما شهدت تلك الفترة تبرؤ مجلس تنسيق حزب الله في محافظة أذربيجان الشرقية من مجموعته، متهمًا إياه باستخدام اسم الحركة واسم المرشد الأعلى بصورة غير مصرح بها.
وتشير المادة إلى أن خرازي أثار خلال العام الحالي جدلًا واسعًا أيضًا بعد ظهور مقاطع مصورة له تحدث فيها عن أفكار تتعلق باستخدام سلاح نووي وإشعال اضطرابات عرقية داخل الولايات المتحدة.
كما درس خرازي على يد محمد تقي مصباح يزدي، أحد أبرز منظري التيار الديني المتشدد في إيران، الذي انتقد في مراحل سابقة الدور الذي تؤديه الانتخابات والمؤسسات الجمهورية داخل نظام الحكم الديني.
ماذا يعني صمت السلطات؟
اللافت في تصريحات خرازي ليس فقط مضمونها، وإنما استمرار صدورها رغم حدتها، ففي أسبوع واحد، تحدث عن المرشد الأعلى، وهاجم الرئيس، وتحدث عن تغييرات مرتقبة في مؤسسات الدولة، وكشف عن خطة تنظيمية تستهدف الوصول إلى مئات الآلاف من الأشخاص، من دون أن تشير المادة إلى اتخاذ إجراءات علنية بحقه.
ويطرح ذلك عدة احتمالات بشأن موقعه الحقيقي وقدرته على التحرك، فالاحتمال الأول أن مكتب المرشد قد يتجه إلى تشديد موقفه تجاه خرازي ووقف تصريحاته، خصوصًا بعد صدور نفي رسمي سابق لتصريحات نسبها إلى مجتبى خامنئي.
أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في أن صمته السلطات قد يعكس ضعفًا داخل مؤسسات الحكم أو غياب قيادة قادرة على فرض الانضباط على جميع التيارات المؤثرة.
وهناك احتمال ثالث، يتمثل في أن خرازي لا يتحدث بالضرورة باسم القيادة الحالية، وإنما يحاول بناء قاعدة تنظيمية وشعبية خاصة به استعدادًا لمعركة مستقبلية حول شكل النظام ومن يقوده.
وبغض النظر عن صحة هذه الاحتمالات، تكشف تصريحات خرازي، وفقا لموقع «إيران إيران إنترناشيونال»، عن صراع أعمق داخل التيار المحافظ الإيراني بشأن مستقبل الجمهورية الإسلامية، وحدود الدور الذي ينبغي أن تلعبه المؤسسات المنتخبة، مقابل توسيع سلطة النظام الديني.



