عاجل

النيران تلتهم أوروبا.. حرائق واسعة تجبر 200 ألف على مغادرة منازلهم

حرائق أوروبا
حرائق أوروبا

اضطر ما يقارب 200 ألف شخص إلى إخلاء منازلهم في جنوب غرب فرنسا ووسط إسبانيا، بعدما خرجت حرائق غابات هائلة عن السيطرة وسط موجة حر شديدة، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء الجماعي التي يشهدها البلدان منذ سنوات. 

وقد دفع اتساع رقعة الحرائق الحكومتين إلى إعلان حالة الطوارئ واستدعاء الجيش لدعم رجال الإطفاء، فيما طلب البلدان مساعدة عاجلة من الاتحاد الأوروبي.

حرائق الغابات في أوروبا تلتهم مساحة بحجم لوكسمبورغ، ويبدو أن عام 2025 سيكون عاماً "استثنائياً" | يورونيوز

فرنسا: النيران تقترب من بوردو

اندلع الحريق الرئيسي يوم الأربعاء بالقرب من شبه جزيرة كاب فيريت السياحية على ساحل المحيط الأطلسي، على بعد نحو 60 كيلومترا من مدينة بوردو، وسرعان ما تحول بعد تغير اتجاه الرياح إلى "حريق هائل ومستدام يصعب السيطرة عليه"، بحسب وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، متجها شرقا نحو المنطقة الحضرية لبوردو.

قال رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو إن عدد الذين تم إجلاؤهم من محافظتي جيروند ولاند ارتفع إلى أكثر من 141 ألف شخص، وكتب على منصة إكس: "لقد وصلت الحرائق التي تجتاح بلادنا إلى مستوى لم نشهده من قبل".

فرنسا تُجلي 20 ألف شخص مع انتشار حرائق الغابات في جنوب غرب البلاد - بي بي سي نيوز

في جيروند وحدها، أُجلي نحو 110 آلاف شخص، من بينهم قرابة 1500 شخص فرّوا من شبه جزيرة كاب فيريت عبر البحر على متن قوارب أجرة مائية وعبّارات، ووصلوا إلى مدينة أركاشون. 

ودمر الحريق هناك 53 منزلا وموقع تخييم، وأصيب 42 من رجال الإطفاء. أما في محافظة لاند المجاورة، فقد أُجلي نحو 23-31 ألف شخص بسبب حريق منفصل غير مسيطر عليه امتد على مساحة 25 كيلومترا مربعا.

وقال أحد سكان بلدة آريس، لوران موريتي: "إنه لأمر مثير للإعجاب ومخيف في الوقت نفسه. لم يحدث إجلاء بهذا الحجم من قبل. كل ما نأمله حقاً هو أن يتمكن رجال الإطفاء من السيطرة على الوضع بسرعة".

وأفادت السلطات المحلية بأن الحريق الرئيسي التهم نحو 140 كيلومترا مربعا من الأراضي، فيما طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من رئيس الوزراء تفعيل وحدة الاستجابة للأزمات الحكومية، وأمر القوات المسلحة بالتعبئة لتعزيز خدمات الطوارئ المدنية، كما فعّل ماكرون آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي.

وبحسب نونيز، تشهد فرنسا حالياً 32 حريق غابات نشطا، وقد احترق أكثر من 50 ألف هكتار منذ بداية العام، أي ما يقارب أربعة أضعاف إجمالي العام الماضي في التاريخ نفسه، وأصيب نحو 50 من رجال الإطفاء يوم الجمعة وحده. 

وتعتقد السلطات أن حرائق فرنسا اندلعت بشكل عرضي، فيما جاءت هذه الحرائق بعد أن عانت البلاد من ثلاث موجات حر متتالية تقريباً منذ شهر مايو.

صور: حرائق غابات تجتاح جنوب غرب أوروبا - ذا أتلانتيك

إسبانيا: حالة طوارئ وطنية للمرة الأولى بسبب حرائق الغابات

أعلنت الحكومة الإسبانية مساء الخميس حالة الطوارئ الوطنية بسبب حرائق الغابات، وهي المرة الثانية فقط التي تُعلن فيها هذه الحالة التي تمنح الحكومة المركزية صلاحيات كاملة عادة ما تكون بيد الأقاليم ذاتية الحكم بعد انقطاع الكهرباء الذي شهدته البلاد على مستوى وطني في أبريل 2025.

اندمج حريقان كبيران غرب مدريد في حريق واحد التهم بسرعة نحو 30 كيلومتراً مربعاً، ما استدعى إجلاء 18 ألف شخص، ووصفته رئيسة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو بأنه "أسوأ حريق في تاريخ المنطقة". 

وفي مدينة آفيلا القريبة، التهم حريق آخر 90 كيلومتراً مربعاً وأجبر 1500 شخص على الفرار. 

وصدرت لاحقاً أوامر إجلاء إضافية شملت 7000 شخص من منطقتين جديدتين، ليصل إجمالي من تم إجلاؤهم أو أُمروا بالبقاء في منازلهم في مدريد وآفيلا إلى نحو 60-63 ألف شخص.

أفادت مصادر مراقبة أن حرائق الغابات القياسية التي شهدتها أوروبا عام 2022 تسببت في ارتفاع حاد في انبعاثات الكربون. (راديو فرنسا الدولي)

وحذر وزير البيئة الإقليمي في مدريد، كارلوس نوفيلو، من أن الحريق وصل إلى "مرحلة حرجة" تتجاوز قدرة فرق الإطفاء، مضيفاً أن الأولوية باتت حماية الأرواح ومساعدة من تم إجلاؤهم. 

وأكد ممثل الحكومة المركزية في مدريد، فرانسيسكو مارتين، أن الأولوية أيضاً حماية بلدة سان لورينزو حيث يقع دير وقصر الإسكوريال التاريخي الذي بناه الملك فيليب الثاني في القرن السادس عشر.

ترأس رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز اجتماعا طارئا في قصر مونكلوا، وقال إن الحكومة نشرت "جميع الموارد المتاحة"، متعهدا بالوقوف إلى جانب المتضررين خلال الطوارئ والتعافي، وشكر فرق الطوارئ العاملة ليل نهار. وكتب على منصة إكس رسالة دعم لـ"آلاف العائلات التي تواجه ليلة صعبة"، ومن المقرر أن يزور المنطقة المنكوبة.

من جانبه، روى أحد سكان قرية تشابينيريا، خواكين إسبينوزا (33 عاما)، تجربته قبل إجلائه: "كان الدخان والنيران منتشرة في كل مكان حول المدينة، كنت خائفاً. كان كل شيء عبارة عن نار ودخان، وكان الناس متوترين".

حرائق هائلة تجتاح أوروبا - منظمة مراقبة الحرائق في أوروبا (OBCT) - لا يمكن التنبؤ بها ولا يمكن إيقافها

أسوأ حرائق في تاريخ إسبانيا

شهدت إسبانيا خلال أسبوع واحد أسوأ حرائق مسجلة في تاريخها في إقليمي قشتالة لا مانتشا ومدريد، ولا يزال رجال الإطفاء يكافحون لإخماد ثاني أكبر حريق في تاريخ البلاد، في محافظة جوادالاخارا (حريق لا ميرلا)، الذي التهم نحو 320 كيلومترا مربعا خلال أسبوع، رغم أنه بدأ بالانحسار تدريجيا، كما لقي 13 شخصا حتفهم في حريق اندلع جنوب إسبانيا مطلع الشهر، وهو الأكثر دموية في الذاكرة الحديثة للبلاد.

وأعلنت وزيرة الانتقال البيئي سارة آغيسن أن مساحة الأراضي المحترقة في إسبانيا هذا العام بلغت 1140 كيلومترا مربعا، أي أكثر من خمسة أضعاف ما احترق خلال النصف الأول من عام 2025.

وتفاقمت الحرائق بفعل موجة حر تجاوزت فيها درجات الحرارة 39 درجة مئوية، ورياح قوية ساهمت في تأجيجها. 

إجلاء أكثر من 200 ألف شخص في فرنسا وإسبانيا مع اجتياح حرائق الغابات لجنوب أوروبا | صحيفة الإندبندنت

وألقت الشرطة القبض على رجل في إقليم قشتالة وليون بتهمة إشعال حريق باستخدام آلات زراعية خلال فترة الحظر، كما اعتُقل شخص آخر في آفيلا بشبهة استخدام آليات ثقيلة في منطقة محظورة، وتشتبه الشرطة بأن شرارة كهربائية تسببت في حريق آفيلا.

وأرجع محلل حرائق الغابات راؤول كويلز اتساع رقعة الحرائق إلى تغير المناخ إلى جانب هجر الأراضي الزراعية التي كانت تشكل تقليديا مناطق عازلة حول القرى، ما جعل الأشجار والنباتات الكثيفة تصل مباشرة إلى المنازل، وقال إن ذلك "يشكل مزيجا مثاليا" لحرائق من هذا النوع.

مساعدات أوروبية ودولية

طلب البلدان مساعدة عاجلة من الاتحاد الأوروبي. فستتلقى فرنسا طائرتي "كانادير" كرواتيتين لإخماد الحرائق، وطائرتي "إير تراكتور" برتغاليتين، ومروحيتي "بلاك هوك" للنقل الثقيل من جمهورية التشيك وسلوفاكيا. 

أما إسبانيا فستتلقى طائرتي "كانادير" من إيطاليا وأخريين من اليونان، إضافة إلى دعم من نظام كوبرنيكوس الأوروبي للأقمار الصناعية، فيما ساهم نحو ألف جندي إسباني في جهود المكافحة.

كما تأثرت جزيرة صقلية الإيطالية بحرائق الغابات، حيث أدت درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية إلى عمليات إجلاء متفرقة، وأودت بحياة أحد رجال الإطفاء في مدينة كالتانيسيتا.

الحرارة والحرائق تُسببان مشاكل متداخلة في معظم أنحاء جنوب أوروبا | سي إن إن

منظمة الصحة العالمية: الحرائق تزداد تواترا وشدة

أعلنت منظمة الصحة العالمية في أوروبا أن حرائق الغابات باتت أكثر تواترا وشدة في القارة، مشيرة إلى أن إسبانيا والبرتغال سجلتا زيادة بنسبة 100% في حرائق الغابات هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وأن عدد الحرائق ارتفع بنسبة 57% في إقليم أوروبا التابع للمنظمة منذ عام 2022.

وبحسب نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي (EFFIS)، احترق نحو 2.2 مليون هكتار في المنطقة الأوروبية عام 2025 وحده، مقارنة بـ1.4 مليون هكتار عام 2022، بينما دُمر بالفعل 254,388 هكتارا حتى 22 يوليو من هذا العام.

وقالت المنظمة في بيان: "تدمر حرائق الغابات المنازل وسبل العيش، وتجبر السكان على الإخلاء، وتضع ضغطا هائلا على خدمات الطوارئ والأنظمة الصحية. ومن المأساوي أنها تحصد الأرواح أيضا"، مرجعة تفاقم الحرائق وزيادة وتيرتها إلى تغيّر المناخ، جراء ارتفاع درجات الحرارة وازدياد الجفاف والتوسع الحضري الذي يطيل موسم الحرائق.

وحذرت المنظمة من أن الدخان الناتج عن الحرائق يفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي، لا سيما لدى كبار السن والأطفال والحوامل والمصابين بأمراض مزمنة، وتساهم جسيماته الدقيقة في الإصابة بأمراض الرئة والكبد والتهابات العين، إضافة إلى ضعف الإدراك وفقدان الذاكرة، فضلا عن تعطيل الوصول إلى الرعاية الصحية والتأثير على الصحة النفسية.

ونصحت المنظمة سكان المناطق المتأثرة بمتابعة التعليمات الرسمية، والابتعاد عن الحرائق النشطة عند الإمكان، وتجنب السفر غير الضروري، وارتداء كمامة واقية مناسبة عند الاضطرار للخروج، داعية الحكومات إلى تقديم تنبيهات جوية فورية ونصائح صحية واضحة ورعاية طبية أولية وطارئة يسهل الوصول إليها، مع دعم خاص للفئات الأكثر عرضة للخطر.

صور: حرائق غابات تجتاح جنوب أوروبا - ذا أتلانتيك

الأزمة مستمرة

حتى مساء السبت، لم تظهر الحرائق المحيطة ببوردو أي مؤشرات على الانحسار، حيث واصلت السلطات الفرنسية إجلاء آلاف السكان من ضواحي المدينة، بينما لا تزال فرق الإطفاء في إسبانيا تعمل على السيطرة على الحرائق النشطة وسط تحذيرات رسمية من استمرار ارتفاع مخاطر اندلاع حرائق جديدة.

وعلى الرغم من حجم الدمار وأعداد المصابين من رجال الإطفاء في البلدين، لم يُبلغ عن أي وفيات جراء الحرائق الأخيرة في فرنسا أو إسبانيا حتى الآن، رغم مشاهد الذعر التي شهدتها البلدات المتضررة، حيث فر السكان بسياراتهم وقامت الشرطة بالطرق على الأبواب من منزل إلى منزل لحث الناس على المغادرة، مع تصاعد أعمدة الدخان من الغابات المجاورة.

تم نسخ الرابط