باحث: "الناسخ والمنسوخ" شوه حقوق المرأة والإرث وغذى خطابات التطرف والإرهاب
توقف الدكتور صابر مولاي أحمد في لقاءه مع الإعلامي إبراهيم عيسىى خلال حلقة من بودكاست "تكوين" عند أخطر تداعيات العمل بنظرية الناسخ والمنسوخ، مؤكدًا أنها أثّرت بشكل جذري في ثلاثة محاور رئيسية في الفقه الإسلامي: فقه المرأة، وفقه الإرث، وفقه الحرب والسلام، فرغم أن القرآن الكريم قدّم رؤية متكاملة حول هذه القضايا، إلا أن آليات النسخ قلبت الموازين وفرضت قراءات مغايرة تمامًا للروح الأصلية للنصوص.
وفيما يخص فقه الإرث، أشار الدكتور صابر إلى أن القرآن نص على الوصية للوالدين والأقربين في آيات واضحة، لكن الفقهاء اعتبروها منسوخة بآيات المواريث التي حددت الأنصبة، مما أدى إلى إلغاء الوصية بالكامل، رغم أن بعض الفقهاء حاولوا إنقاذ الموقف عبر ما سموه "الوصية الواجبة" كحل توفيقي.
أما في فقه المرأة، فقد أسهم الناسخ والمنسوخ في تقييد حقوقها وتهميش دورها الاجتماعي، رغم أن القرآن منحها مكانة متقدمة في العديد من النصوص، لكن أخطر الإشكاليات تتجلى في فقه الحرب والسلام، حيث جعلت آليات النسخ القتال هو الأصل والمسالمة استثناءً، وهو ما أسهم بشكل مباشر في تغذية خطابات التطرف والإرهاب.
وأوضح "مولاي" أن جماعات مثل داعش والقاعدة تعتمد بشكل كبير على آلية الناسخ والمنسوخ لتبرير العنف، مستوردة أحكامًا تشكلت في ظروف تاريخية مختلفة تمامًا عن زماننا، ثم تُسقطها على واقع مغاير، مشيرًا إلى أن بعض القدماء بلغ بهم الأمر إلى "التجرؤ على القرآن" حيث كانوا يناقشون النص ويُسقطون أحكامًا ويُثبتون أخرى بجرأة، لكن المشكلة اليوم أننا نقدّس التراث ونغلق باب النقاش.
ودعا “مولاي” إلى تجاوز فكرة الناسخ والمنسوخ تمامًا، واعتماد قراءة كلية بنيوية للقرآن الكريم، بدلًا من القراءة التجزيئية التي أوقعت الفقهاء في إشكالات كبيرة، مؤكدًا أن القرآن كتاب محكم، يقول عن نفسه: {كتاب أحكمت آياته}، فكيف يمكن أن يكون فيه ناسخ ومنسوخ؟
وشدد الباحث على ضرورة إعادة تعريف المفاهيم الأساسية في القرآن، مثل "الآية" التي ليست فقط النص القرآني، بل تشمل الآيات الكونية في الأنفس والآفاق، و"الكتاب" الذي يشمل الوجود بأكمله، وليس فقط المصحف، واستشهد بقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}، موضحًا أن معنى "ننسخها" في هذا السياق هو "نثبتها ونسجلها" لا نلغيها، وذلك في إطار الحديث عن السنن الكونية التي أخبر بها القرآن.
وأكد الدكتور صابر أن العلماء القدامى أنفسهم ليسوا ملزمين لنا، بل هم نتاج سياقهم الزماني، ولو عاشوا اليوم لغيروا آراءهم، وقال: "الطبري لو ظهر في زمننا لكتب تفسيرًا آخر، وربما صحح ما كتب"، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست في الطبري أو الشافعي، بل فيمن يقنعون الشباب بأن التراث قد اكتمل وانتهى.
واختتم الباحث بأن المطلوب اليوم هو "الاستيعاب والتجاوز"، لا القطيعة مع الماضي ولا التقديس الأعمى، مع ضرورة غربلة التراث من الشوائب التاريخية والإسرائيليات التي تسللت إليه، داعيًا إلى تأسيس "علوم قرآن جديدة" تقوم على المنهجية والتكامل، وتخرج القرآن من دائرة التعبد المحض إلى دائرة الإرشاد الحضاري.



