عاجل

باحث: "الناسخ والمنسوخ" توظيف سياسي عباسي عطل قيم التسامح والتعايش بالقرآن

جانب من اللقاء
جانب من اللقاء

قال الدكتور صابر مولاي أحمد، الباحث الأكاديمي، إن مفهوم "الناسخ والمنسوخ" لم يكن موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الصحابة، وإنما هو اجتهاد بشري تشكل في زمن التدوين، خاصة في القرن الثاني والثالث الهجريين في ظل الدولة العباسية.

وأضاف الدكتور صابر، مع الإعلامي إبراهيم عيسى  خلال حلقة من بودكاست "تكوين"، أن النسخ يعني "رفع حكم شرعي بحكم شرعي آخر"، أي أن تنزل آية بحكم معين ثم تأتي آية أخرى تبطله، لكن هذا الفهم لم يكن معروفًا على عهد النبي، حيث كان يتلقى القرآن ويعلمه أصحابه، وكانت الحياة اليومية والاجتماعية تفصل في النصوص دون الحاجة إلى علوم التفسير والنحو والحديث كما هي معروفة اليوم.

وأوضح أن جميع علوم القرآن من ناسخ ومنسوخ، وأسباب النزول، والمكي والمدني، ما هي إلا "معطى ثقافي" دخل إلى الإسلام من سياقات سابقة، مشيرًا إلى أن أهل الكتاب كانوا يستخدمون فكرة النسخ قديمًا ثم تراجعوا عنها، مؤكدًا أنه من الصعب نسب فكرة النسخ لشخص بعينه، إذ لا يوجد مرجع تاريخي دقيق يحدد أول من طرحها، وإن كان البعض يشير إلى عبد الله بن عباس أو الإمام الشافعي كرواد لها.

ولفت الباحث إلى أن مفهوم النسخ في اللغة العربية يحمل معنى "الإثبات" وليس "النفي"، مستشهدًا بقوله تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}، مما يعني أن الأصل في النسخ هو التدوين والتسجيل، وليس الإلغاء والإبطال، لكن علماء التفسير والعلوم القرآنية حوّلوا هذا المفهوم إلى أداة لإبطال أحكام سابقة بحكم لاحق، وهو ما يراه الدكتور صابر انحرافًا عن المعنى اللغوي والدلالي الأصلي للكلمة في القرآن الكريم.

وأكد أن المشكلة ليست في الطبري أو الشافعي، بل فيمن يقنعون الشباب بأن التراث قد اكتمل وانتهى ولا يحتاج إلى مراجعة، مشددًا على ضرورة العودة إلى قراءة القرآن قراءة كلية بنيوية، بدلًا من القراءة التجزيئية التي أوقعت الفقهاء في إشكالات كبيرة عند التعامل مع النصوص المتشابهة أو المتعارضة ظاهريًا.

وأوضح الدكتور صابر مولاي أحمد أن ظهور نظرية الناسخ والمنسوخ يرجع إلى عاملين رئيسيين، الأول هو "الفراغ المعرفي" الناتج عن غياب الرؤية الكلية للنص القرآني، حيث كانت القراءة تُمارس بشكل تجزيئي دون النظر إلى البنية المتكاملة للقرآن، مما جعل المفسرين يلجأون إلى النسخ لحل ما اعتبروه تعارضًا بين الآيات.

أما السبب الثاني والأكثر تأثيرًا، وفقًا للباحث، فهو "المطلب السياسي والثقافي"، حيث كانت الدولة الإسلامية في عصر بني العباس تتوسع وتزداد قوة، فاحتاجت إلى فقه يبرر التوسع والغلبة، ويقدّم أحكامًا أكثر تشددًا تُلبي احتياجات الإمبراطورية في ذلك الوقت، وهنا وُظّف الناسخ والمنسوخ لتقديم آيات السيف والقتال على حساب آيات المسالمة والتسامح، مما غيّب روح القرآن الأصلية القائمة على المحبة والتآخي والاعتراف بالآخر.

وأشار الدكتور صابر إلى أن القرآن الكريم لم يذكر كلمة "سيف" ولو مرة واحدة، ولم يقسم العالم إلى "دار حرب ودار إسلام" كما فعل الفقهاء لاحقًا، فهذه التقسيمات اجتهادات سياسية لا تمت للنص بصلة، كما لفت إلى أن أسباب النزول نفسها ليست ملزمة، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهي محاولة من الفقهاء للهروب من التحدي الزمني والتاريخي.

وخلص الباحث إلى أن فكرة النسخ كانت "استجابة لظروف زمنية" وليست حقيقة ثابتة في الدين، مؤكدًا أن الظروف التي صنعت هذا المفهوم قد زالت، ولم يعد من المنطقي التمسك به في عصر مختلف تمامًا عن العصر الذي نشأ فيه.

تم نسخ الرابط