مؤتمر دولي لـ"هيئات الإفتاء" لمواجهة "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى"
أعلنت الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، عن تنظيم مؤتمرها الدولي الحادي عشر، المقرر انعقاده في أغسطس 2026، تحت عنوان "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية".
ويأتي المؤتمر في توقيت حساس تشهد فيه الأسرة المعاصرة تحولات متسارعة على المستويات الرقمية والتقنية والقيمية والاقتصادية، مما يستدعي وقفة علمية جادة تقدم رؤى شرعية مؤسسية قادرة على حماية تماسك الأسرة وصيانة هويتها، مع استشراف مستقبلها في ضوء المتغيرات العالمية، وفق رؤية المؤتمر التي تقوم على ثلاثة مستويات تحليلية متكاملة: المستوى التشخيصي لرصد التحولات المؤثرة، والمستوى الإفتائي لتطوير الخطاب المعاصر، والمستوى الاستشرافي لبناء رؤى مستقبلية تستبق المتغيرات.
السياق والمبررات العلمية
وأوضحت الأمانة العامة في الورقة التصورية للمؤتمر، أن الأسرة المعاصرة تواجه جملة من التحولات البنيوية المرتبطة بتسارع التغيرات الرقمية والثقافية والاقتصادية، وهو ما انعكس على أنماط التفاعل داخلها وعلى بعض وظائفها التقليدية، حيث تشير الدراسات إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف للتقنيات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي وتراجع بعض أنماط التواصل المباشر داخل الأسرة، إضافة إلى بروز أنماط جديدة من التفاعل الافتراضي، كما أسهم تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إتاحة أشكال محاكاة للتفاعل الإنساني، مما يثير تساؤلات بحثية حول طبيعة هذه التفاعلات وحدودها وتأثيرها في العلاقات الأسرية.
وعلى مستوى آخر، تتأثر بنية الأسرة بتحولات قيمية وثقافية في إطار العولمة، حيث تطرح بعض الأدبيات والنماذج المعاصرة تصورات متعددة لمفهوم الأسرة ووظائفها، قد تتباين في بعض جوانبها مع المرجعيات الدينية في المجتمعات الإسلامية، كما تشير المؤشرات الإحصائية إلى وجود تغيرات في أنماط تكوين الأسرة، من بينها ارتفاع متوسط سن الزواج في عدد من الدول العربية، إلى جانب ارتباط بعض مظاهر التفكك الأسري بعوامل اقتصادية متعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة.
ثلاثة محاور استراتيجية
ويهدف المؤتمر إلى ثلاثة محاور استراتيجية متكاملة، أولها التشخيص العلمي الدقيق من خلال رصد وتحليل التحديات الأسرية المعاصرة في سياق الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، استناداً إلى دراسات ميدانية وإحصاءات موثقة، وثانيها الإسهام الإفتائي المنهجي من خلال تطوير إجابات إفتائية منضبطة تستند إلى أدوات علم المقاصد وأصول الفقه، لمعالجة الإشكاليات الأسرية المستجدة، وثالثها بناء الرؤى الاستشرافية لإعداد رؤية مستقبلية تُسهم في تهيئة المؤسسات الإفتائية للتعامل مع التحولات المتوقعة في بنية الأسرة ووظائفها.
سبعة محاور تغطي أبرز قضايا الأسرة
وجاءت محاور المؤتمر السبعة لتغطي أبرز القضايا المستجدة التي تواجه الأسرة، حيث خُصص المحور الأول للتأصيل المقاصدي للأسرة وبناء المرجعية الشرعية المعاصرة، ويتناول فقه الأسرة بين الثابت والمتغير، ومعايير الاجتهاد المقاصدي في القضايا الأسرية المستجدة، وتوظيف مقاصد الشريعة في معالجة النوازل الأسرية، وإعادة تعريف الأسرة في المواثيق الدولية.
أما المحور الثاني فيتناول التحولات الرقمية والتقنية وأثرها على الأسرة، مع التركيز على النوازل التطبيقية والإشكالات الفقهية المستجدة، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي والقيم الأسرية، والذكاء الاصطناعي التوليدي والعلاقات الوجدانية الاصطناعية، والإفتاء الرقمي في قضايا الأسرة، وفقه التنشئة الرقمية للأبناء، والأمن الرقمي للأطفال، بالإضافة إلى البعد الطبي الحيوي والتقني مثل الهندسة الوراثية ومستقبل النسل، وتجميد الأجنة واختيار الجنس والإجهاض.
ويتناول المحور الثالث عولمة القيم والتيارات الفكرية وتحديات الهوية الأسرية، من خلال تحليل التيارات الفكرية العالمية والخطابات القيمية المؤثرة في مفهوم الأسرة، مع تقديم معالجة إفتائية نقدية منضبطة، بما في ذلك إعادة تعريف الأسرة في المواثيق الدولية، ومفهوم الأسرة في أجندات حقوق الإنسان، والمعالجة الإفتائية للتحولات المرتبطة بالهوية الجنسية، والإلحاد في البيئة الرقمية وتأثيره في التماسك الأسري، والفردانية الحديثة وتحولات مفهوم الأسرة.
وخصص المحور الرابع لدور الفتوى المؤسسية في معالجة الأزمات الأسرية والسياسات العامة، من خلال تحليل آليات تدخل المؤسسات الإفتائية، وتقييم فاعلية نماذجها التطبيقية، مع التركيز على سبل تطوير هذا الدور بما يعزز انتقال الفتوى من الإطار الفردي المناسباتي إلى مستوى مؤسسي يسهم في دعم السياسات الاجتماعية، ويتضمن نماذج الإفتاء الأسري المؤسسي، والفتوى وصناعة السياسات الأسرية، وإعداد المفتي المعاصر لقضايا الأسرة الرقمية.
ويتناول المحور الخامس التحديات الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها على الأسرة، من خلال رصد مظاهرها ودراسة تأثيراتها في تكوين الأسرة واستمرارها، مع ربطها بالمعالجات الشرعية والسياسات الاقتصادية، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الزواج وسياسات التيسير، والعزوف عن الزواج، ودور الزكاة والوقف في دعم الأسرة المعاصرة، والضغوط الاقتصادية ومعدلات الطلاق.
ويركز المحور السادس على التحولات القيمية والنفسية في العصر الرقمي، حيث برزت ظاهرة الفجوة القيمية بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه الأسرة، وأسهمت في إحداث حالة من "السيولة الأخلاقية" التي تتسم بتعدد المرجعيات وتراجع الثوابت، مع التركيز على جيل Z وتحولات المرجعيات القيمية، والسيولة الأخلاقية والفجوة بين الأجيال، والصحة النفسية والأسرة في العصر الرقمي، ودور الفتوى في ترميم المنظومة القيمية للأسرة المعاصرة.
أما المحور السابع فيتناول الرؤية الاستشرافية لمستقبل الأسرة والمؤسسات الإفتائية، من خلال بناء السيناريوهات المستقبلية وتطوير أدوات الاستشراف المؤسسي، بما في ذلك سيناريوهات مستقبل الأسرة في ظل التحولات العالمية، والمؤسسة الإفتائية في أفق 2050، والفتوى الاستشرافية وفقه الاستباق، وآليات تطوير الكفايات المستقبلية للمفتين.
ورش عمل وجلسات تدريبية
وسعيًا لتعزيز الربط العملي بين الفتوى والسياسات الأسرية، تتضمن الندوة عدداً من الجلسات التدريبية وورش العمل التفاعلية، منها ورشة "من الفتوى الأسرية إلى السياسة الأسرية العامة" بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للطفولة والأمومة، وورشة "قياس أثر الفتوى في تماسك الأسرة" بالتعاون مع المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وورشة "الإعلام الرقمي والأسرة" بالتعاون مع الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.
الفئات المستهدفة
ويستهدف المؤتمر مجموعة من الفئات ذات الصلة المباشرة بمحاوره، من بينهم العلماء والمفتون في المؤسسات الإفتائية الرسمية، والباحثون الأكاديميون في مجالات الدراسات الإسلامية والاجتماعية والدراسات المستقبلية، وصنّاع القرار وواضعو السياسات في المجالات الأسرية والاجتماعية، وخبراء التقنية والذكاء الاصطناعي المهتمين بالأبعاد الأخلاقية والدينية للتقنيات الحديثة، والمنظمات الدولية والإقليمية العاملة في مجالي الأسرة وحقوق الإنسان، والإعلاميون والمتخصصون في الإعلام الديني والأسري.
ويأتي هذا المؤتمر استجابة لحاجة علمية ومجتمعية متزايدة لإعادة بناء المقاربة الإفتائية في قضايا الأسرة، في ظل ما تشهده المجتمعات من تحولات رقمية وثقافية واقتصادية متسارعة، انعكست بصورة مباشرة على بنية الأسرة ووظائفها وأنماط التفاعل داخلها، بما يستدعي تطويراً منهجياً في آليات الفتوى وخطابها، لتعزيز استقرار الأسرة ودعم قدرتها على التكيف مع المتغيرات، وترسيخ منظومة القيم التي تقوم عليها، بما يعزز دورها المحوري في بناء المجتمع والحفاظ على تماسكه.



