اتحاد الكتاب يناقش استرداد الآثار بالزمالك.. وخبراء: الاتفاقيات تعيق عودتها
يناقش اتحاد كتاب مصر، السبت، قضية استرداد الآثار المصرية المنهوبة، خلال حلقة نقاشية كبرى بعنوان "عودة الحضارة المصرية"، ينظمها اتحاد الكتاب بالتعاون مع النقابة المهنية للسياحيين، بمقر الاتحاد بالزمالك.
ويشارك في الحلقة نخبة من الأثريين والخبراء، يقدمون رؤاهم حول التحديات التي تواجه استرداد الآثار، وسبل تعزيز جهود الدولة في هذا الملف.
ريحان: اتفاقية "الويبو" تجاهلت حقوق الحضارة
وقال الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس اللجنة العليا للأثريين بالنقابة المهنية للسياحيين، إن الاتفاقيات الدولية تشكل عائقاً أمام استرداد الآثار، موضحاً أن اتفاقية "الويبو" الخاصة بحماية الملكية الفكرية تجاهلت حقوق الحضارة للدول صاحبة التراث، مما يجعلها "تکیل بمكيالين"، حيث تعرض الدول المتقدمة آثاراً مصرية في متاحفها وتتكسب منها المليارات دون أن تدفع ثمناً لاستغلالها.
وأضاف ريحان أن اتفاقية اليونسكو لعام 1970، التي صادقت عليها 143 دولة، تمنح الحق بالمطالبة باسترداد الآثار المسروقة بعد عام 1970 فقط، في حين أن أغلب الآثار المصرية المهربة خرجت قبل هذا التاريخ، كما تشترط تقديم دليل على ملكية الآثار، وهو ما يستحيل مع الآثار الناتجة عن أعمال الحفر خلسة وغير المسجلة.
وأشار إلى ضرورة استغلال قرار الأمم المتحدة الصادر في 30 نوفمبر 2021، الذي يدعو إلى إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية، والسعي لتعديل اتفاقية اليونسكو، وإلغاء شرط سند الملكية للآثار المنهوبة بعد عام 1970.
الشنديدي: الاحتلال الغربي وراء نهب الآثار
ويستعرض الدكتور محمود الشنديدي، المدير العام السابق لهيئة صندوق إنقاذ آثار النوبة وأمين عام مؤسسة مصر المستقبل، الآثار السلبية للاحتلال الغربي والاستعمار، الذي أسفر عن استحواذ الدول الغربية على أهم عناصر التراث الثقافي للدول صاحبة الحضارات، ومنها مصر، مشيراً إلى أن كثيراً من هذه الآثار خرجت بطرق غير شرعية، كالسرقة والتزوير والاحتيال.
وذكر نماذج من الآثار المصرية المنهوبة، منها رأس نفرتيتي التي زوّر الأثري الألماني لودفيج بورشاردت معالمها عام 1913 للاستيلاء عليها، وحجر رشيد المعروض في المتحف البريطاني، والقبة السماوية بمعبد دندرة الموجودة بمتحف اللوفر، مطالباً بمزيد من الضغوط والعمل الدبلوماسي لاسترجاع الآثار المصرية وحماية حقوق الشعب المصري.
العبودي: التحدي الأكبر في القطع الخارجة قبل 1970
وأكدت الدكتورة علا العبودي، أستاذة الآثار والحضارة المصرية القديمة بجامعة القاهرة، أن التحدي الأكبر في ملف استرداد الآثار يتمثل في القطع التي خرجت من مصر قبل نفاذ اتفاقية اليونسكو لعام 1970، مثل حجر رشيد (1801) وتمثال نفرتيتي (1913)، إضافة إلى القطع التي خرجت بموجب إهداءات رسمية، كبعض معابد النوبة إثر حملة إنقاذ الآثار بعد بناء السد العالي.
وشددت على ضرورة تعزيز الاتفاقيات الثنائية مع الدول الكبرى، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لإبراز البعد الثقافي لقضية استرداد الآثار كجزء من الهوية الوطنية، وتطوير قواعد بيانات رقمية وأنظمة تتبع إلكترونية لتوثيق الآثار ومنع تداولها في الأسواق غير المشروعة.
الحضارة ليست آثاراً صامتة بل ممارسات حية
وتتناول الأستاذة فاطمة القصاص، عضو لجنة التنشيط السياحي بالنقابة والباحثة في التراث والملكية الفكرية، مفهوم "التراث الحي" وأهمية تحويله من آثار صامتة إلى ممارسات يومية تحمي الهوية الحضارية، مؤكدة أن حفظ الحضارة لا يعني العيش في الماضي، بل تمكين الماضي من العيش فينا.
وقالت القصاص إن التراث ليس مجرد آثار صامتة، بل هو ممارسات حية، وأكلات شعبية، وحرف يدوية، لا تكتمل قيمته الحضارية إلا إذا كان "متاحاً للجميع" ومحمياً بقوة القانون، لضمان دمج وتكامل كل فئات المجتمع.
وتستعرض الباحثة خلال مداخلتها خمسة محاور رئيسية، شملت: التوثيق الرقمي التفاعلي باستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لحفظ التراث وإتاحته، وحماية الملكية الفكرية للحرف والأكلات والتقاليد من السطو والتشويه الثقافي، والدمج المجتمعي بتحويل التراث إلى مصدر دخل اقتصادي وربطه بالتعليم والأجيال الجديدة، وأخيراً الإتاحة الشاملة والعدالة لضمان حق وصول جميع فئات المجتمع، بما في ذلك أصحاب الهمم، للتراث باعتباره حقاً إنسانياً وثقافياً، بالإضافة إلى تحويل التراث من آثار صامتة إلى ممارسات يومية تحمي الهوية الحضارية وتحقق الاستدامة.
مقترحات لاسترداد الوعي والهوية
وتناولت المداخلات الأخرى آليات مبتكرة لدعم جهود الاسترداد، منها تفعيل التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي لتتبع القطع المنهوبة، وبناء وعي مجتمعي يبدأ من المدارس، وإنتاج أفلام وثائقية استقصائية لكشف كواليس سرقة وتهريب أشهر القطع، وإطلاق حملة "المقاعد الفارغة" بوضع لافتات في المتاحف الوطنية للقطع المهربة مع كتابة قصة تهريبها وأماكن وجودها.
وأكدت المداخلات أن استرداد الآثار لا يكتمل إلا باستعادة الوعي والهوية والذاكرة الحضارية، لأن الحضارة لا تُحفظ داخل المتاحف وحدها، بل في وعي أبنائها وإدراكهم لقيمتها.



