من الفتوى للقانون.. مخاطر الزواج العرفي والتحايل على المعاشات
تتعدد مخاطر الزواج العرفي للتحايل على المعاشات.. مع تأكيد العلماء على أن الزواج المستوفي الأركان والشروط يعد صحيحا، فإن صور التحايل أو استغلال العقد أو إخفائه لتحقيق مكاسب مادية أو شخصية تدخل طرفي العقد في دائرة الإثم والاتهام.
وفي ظل تزايد حالات اللجوء إلى النكاح السري أو الزواج غير الموثق تظهر تحذيرات المؤسسات الدينية والقانونية من خطورته، وخلال هذا التقرير نكشف عن حكم الزواج العرفي، و المحاذير الشرعية والقانونية في التحايل بالزواج العرفي من أجل الحصول على المعاش.
حكم الزواج العرفي.. الدكتور نظير عياد يوضح
يقول الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، إن الزواج العرفي يختلف باختلاف العرف المتعارف عليه في المجتمع، مبينا أن الزواج العرفي الذي يتم بعقد وإيجاب وقبول وشهود وإشهار وفق ما اعتاد الناس؛ يعتبر زواجا شرعيا قانونيا لا حرج فيه.
وأكد الدكتور نظير عياد، خلال تصريحات تليفزيونية، أن الزواج الصحيح يحقق أركانه الشرعية والقانونية، بينما التحايل على القانون لأخذ منفعة مالية أو مادية يعد إثما، لما فيه من مخالفة للضوابط الشرعية والدولية، ومن ذلك استخدام الزواج العرفي لتحقيق استحقاقات لا يحق الحصول عليها قانونيا، مضيفا أن الزواج العرفي الصحيح ضمن الإطار الشرعي لا يضر، بينما أي تجاوز للضوابط أو التلاعب بالأوراق القانونية قد يؤدي إلى المساءلة.
سبب توثيق عقود الزواج
ويضيف الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء، للزواج أركانه التي ما توافرت كان العقد صحيحا، مؤكدا أهمية توثيق عقد الزواج، ولافتا إلى أن «توثيق عقود الزواج» ظهر حديثا منذ أوائل القرن العشرين مع صدور قوانين الأحوال الشخصية.
وبين أمين الفتوى بدار الإفتاء، خلال تصريحات تليفزيونية، أن التوثيق جاء عندما خربت الذمم، وبدأ بعض الناس في انفلات من الوعود والعهود، وقلت الأمانات، وأصبح ذلك واقعا، ولذلك والتوثيق حق وحماية للمرأة، مشددا على أن مردود الزواج العرفي على المرأة خطير، وعلى المرأة أن تفكر جيدا قبل أن تقع في هذا الأمر الخطير، فلا تستطيع مثلا أن تثبت حقا، ولاميراثا، وأحيانا يتركها الزوج فلا تستطيع أن تثبت الولد، وغير ذلك من الأمور.
حكم الزواج العرفي بدون شهود
تقول دار الإفتاء المصرية إذا عقد الطرفان النكاح من غير إشهار أو إشهاد عليه، واتفقا على كتمانه وعدم إخبار أحد به، كما هي الحال بالسؤال لأي سبب من الأسباب، فإن هذا النكاح يسمى بـ"نكاح السر"، وهو عقد باطل شرعا؛ لكونه من جنس السفاح المحرم شرعا، وعلى هذا اتفاق أهل العلم سلفا وخلفا.
منافاة نكاح السر لمقاصد الشرع الشريف
وتضيف دار الإفتاء، أن هذا النوع من النكاح يتنافى مع ما قرره الشرع الشريف من مقاصد كلية وأحكام مرعية، فمن ذلك:
أولا: أن النكاح في السر ينافي المقصد الأسمى من النكاح وأهدافه من السكن بين الزوجين والرحمة والمودة، والتي وردت في قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].
وفسرت دار الإفتاء، الآية قائلة: يفهم من ذلك أن الله عز وجل قد أودع في الزواج سرا، وهو أنه بمجرد انعقاده تحصل به الراحة التامة، والشعور بالاطمئنان والاستقرار النفسي والجسدي، ثم زين الله، تعالى، هذا السكن والمأوى بالرحمة والمودة والشفقة والرأفة والحب؛ إذ لا راحة في سكن بغير حب أو رحمة.
وتكمل: وذلك بخلاف نكاح السر الذي يشعر فيه طرفاه بالخطأ، ويخالجهما الإحساس المفرط بالخوف الدائم والهلع المستمر من أن يعرف أحد باجتماعهما أو يراهما مَن يعرف أَيا منهما معا، فلا يهنآن بعيشة سوية أو حياة طبيعية كغيرهما من الأزواج، فضلا عن كبت شعور الفرحة بهذا الزواج، وعدم التفاخر به.
كما أن كلا من المودة والألفة والحب المطلوبة في النكاح لا تقتصر على الزوجين فحسب، وإنما يتطرق الأمر في ذلك إلى أهلهما، حيث تزداد روابط المحبة والمودة والألفة بين أفراد العائلتين، وتكون بمثابة عِزّ وفَخْرٍ لهما، بخلاف زواج السر الذي يكون سببًا في القطيعة والذباب والمهانة والخزي والعار لكلا العائلتين.
ثانيا: وجوب الاستبراء للدين والعرض؛ فإن نكاح السر الذي يكون بغير إشهاد أو إعلان يُعَرِّض كلا الزوجين لريبة في الدين؛ وذلك من جهة مخالفة النصوص الشرعية المروية عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي دعت إلى الإشهاد على النكاح وإعلانه بين الناس وإظهاره وإشهاره.
ثالثا : أن في نكاح السر بهذه الصورة إهدارا للحقوق، وتُكَأَةً لجحود الأنساب، وتنصلا من الواجبات والالتزامات، وفتحا لأبواب التلاعب والاحتيال وإنكار الزيجات.
حكم التحايل بالزواج العرفي من أجل الحصول على المعاش
يوضح الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية السابق، أن النظام الاجتماعي المعمول به يهدف إلى توفير دخل مستمر للإنسان ولذويه بعد أن ينقطع دخله لكبر سن أو مرض أو وفاة، مضيفا الاستفادة من هذه التأمينات بالنسبة للبنت مشروطة بحال عدم زواجها، فإن كانت متزوجة ولها من يعولها وينفق عليها سقط عنها هذا الاستحقاق، فهو استحقاق مشروط لها، لا حق مطلق تسعى في تحصيله كيفما كان.
المحاذير الشرعية في التحايل بالزواج العرفي من أجل الحصول على المعاش
ويستكمل الدكتور شوقي علام، إذا اتفقت بنت المتوفى مع زوجها على إيقاع الطلاق بينهما بصورة رسمية من أجل تقديم ما يفيد كونها غير متزوجة للجهة المختصة بصرف المعاش الخاص بوالدها، على أن يتم الزواج مرة أخرى بصورة غير رسمية، فإن ذلك يشتمل في الحقيقة على جملة من المنهيات الشرعية والمحظورات القانونية، ومن ذلك:
أولا: أن في الاتفاق على إيقاع الطلاق دون تحقق أسبابه التي شرع لأجلها، تهاون وتساهل في أمر الزواج مع عظم مكانته وقدسيته، وتعارض مع حقيقته من أنه ميثاق غليظ وعقد شرعي.
ثانيا: قصد التحايل لأخذ مال من غير وجه حق، وقد حذر الشرع الشريف أشد التحذير من أن يفعل الإنسان فعلا ظاهره الحل والصلاح وحقيقته الحرمة والاعتداء، وبين أن محل المؤاخذة والمحاسبة على ما أضمر من حقيقة فعله لا على ما ظهر منه.
ثالثا : استحلال المال العام دون وجه حق، وقد توعد الشرع الشريف كل من تعدى على المال العام؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء: 29].
رابعا: كما يعد هذا الاتفاق بين بنت المتوفى وزوجها مخالفة لولي الأمر وافتياتا عليه ؛ مع ما في ذلك من تفويت مصالح العباد التي لا تتحقق إلا بالتعاون والتكامل بينهم وبين حكامهم الذين أناط الله بهم النظر في المصالح وتقديرها بما منحهم من سلطة، وتعمد مخالفة هذه القوانين واللوائح والاحتيال عليها يؤول قطعًا إلى انتشار الفساد وتضييع الحقوق وتفويتها أو ذهابها إلى غير مستحقيها، وربما رجع ضرر ذلك على أقرب الناس صلة؛ كالأم أو الأخت القاصر التي لا عائل لها لكونهم الأحق بهذا المال من الابنة المتزوجة.
المحاذير القانونية في التحايل بالزواج العرفي من أجل الحصول على المعاش
وشدد الدكتور شوقي علام، على أن الحصول على هذا المعاش دون وجه حق سيعرض فاعل ذلك إلى المساءلة القانونية، والتي تجبره على دفع غرامة مالية نظير ما صرفه من مال لم يكن مستحقا له.
وقد نصت المادة رقم (166) من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الصادر بالقانون رقم 148 لسنة 2019م، على أنه: يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه كلُّ مَن حَصَلَ على أموال الهيئة بغير حق أو قام بإعطاء بيانات غير صحيحة أو امتنع عن إعطاء بيانات مما يجب الإفصاح عنها وفقًا لأحكام هذا القانون أو القرارات أو اللوائح المنفذة له مع علمه بذلك، ويُعاقب بذات العقوبة كل من تعمد عدم الوفاء بالمبالغ المستحقة للهيئة وفقًا لأحكام هذا القانون عن طريق إعطاء بيانات خاطئة أو إخفاء بيانات.





