عاجل

اللجنة اللاهوتية الدولية: مستقبل البشرية يرتكز على العلاقات وليس التكنولوجيا

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

نشرت اللجنة اللاهوتية الدولية وثيقة بعنوان "إلى أين تذهبين أيتها البشرية؟" (Quo vadis, humanitas?)، التي اعتمدها البابا لاون الرابع عشر، بابا الفاتيكان، والتي تتناول التحديات المعاصرة للأنثروبولوجيا المسيحية في عصر الذكاء الاصطناعي، وتحذر من مخاطر "الغلاف المعلوماتي"، وأزمة الديمقراطية، وفقدان الذاكرة الثقافية، وانحرافات العصر الحضري التي تحدد عتبات التواصل بين الشعوب.

وأضاف البيان الصادر عن الفاتيكان، بان الوثيقة تؤكد علي أن تحقيق الذات لا يعني تعزيز القدرات التقنية فحسب، بل قبول عطية الحياة ومحبة الله بحرية، كما جسدته العذراء مريم. كما تسعى الوثيقة لتقديم "مقترح لاهوتي ورعوي" لفهم الحياة البشرية باعتبارها "دعوة متكاملة" و"مسؤولية مشتركة تجاه الآخرين والله"، مستلهمةً من الدستور المجمعي فرح ورجاء ومن مفهوم الكائن البشري المتكامل بين الجسد والروح والعقل والإرادة.

الفصل الأول: التكنولوجيا والإنسان بين قطبين

يخصص الفصل الأول لموضوع التطور والتوتر بين قطبين:

ما بعد الإنسانية: يسعى لتحسين ظروف حياة البشر عبر العلم والتكنولوجيا، متجاوزًا الحدود البيولوجية.

ما فوق الحدود البيولوجية: يطرح حلم استبدال الإنسان بالكامل بالـ "سايبورغ"، أي الكائن الهجين الذي يمزج الإنسان بالآلة.

وتقف العقيدة المسيحية بين هذين القطبين، داعية إلى توليفة متوازنة من خلال المسيح، الذي صار إنسانًا ومات وقام.

الثورة الرقمية ومخاطرها

تشير الوثيقة إلى أن التكنولوجيا الرقمية لم تعد مجرد أدوات، بل أصبحت بيئة حياة حقيقية، مع مخاطر عدة:

بيئيًا: توسع العالم الاصطناعي يؤدي إلى استغلال الموارد بشكل غير محدود، والتوسع العمراني غير القانوني، وسياسات الاستخراج الملوثة.

اجتماعيًا: يؤدي تدفق المعلومات إلى شعور الفرد بضآلة شأنه، والاعتماد على اتصالات افتراضية بحتة، وخلق أزمة في الديمقراطيات الغربية نتيجة تنميط الآراء وصراعات الهوية.

كما تحذر الوثيقة من تأثير الثورة الرقمية على إدراك المعرفة والهوية الإنسانية، حيث قد يتحول الفكر الأخلاقي والفلسفي إلى "ذوق شخصي"، ويؤدي التركيز على تحسين القدرات البشرية إلى خطر "عبادة الجسد" أو الانغماس في التكنولوجيا بلا حدود.

الفصل الثاني: الدعوة المتكاملة والعلاقات الإنسانية

يشدد الفصل الثاني على أن الخبرة البشرية يجب أن تُفهم ضمن الزمان والمكان والعلاقات. فقدان الحس التاريخي يؤدي إلى "نسيان الثقافة" وفقدان الرجاء، في حين يقدم الإنجيل ثقافة مضادة تعطي للحياة معنى عبر الكلمة (يسوع المسيح).

كما يبرز الفصل أهمية "العلاقات" و"الذاتية المشتركة" كأساس لهوية الإنسان، ويؤكد على وحدة التنوع والمجتمع والكنيسة كأساس لتحقيق الخير العام، مع التركيز على رعاية الفئات الأشد ضعفًا.

الفصل الثالث: الهوية الإنسانية وقيمة الجسد

يؤكد الفصل الثالث أن الإنسان لا يمكن أن يكون سعيدًا إذا لم يعرف هويته، وأن تحقيق الذات يتم عبر المحبة والقبول الذاتي للجسد كعطية وليس كسجن. وتعتبر الإعاقة فرصة للخير والجمال، وتبرز العلاقات الأصيلة كأساس لنضوج الهوية الإنسانية والشركة الاجتماعية.

الفصل الرابع: التوترات الثنائية والوحدة في الاختلاف

يناقش الفصل الرابع التوتر بين المادي والروحي، الفرد والجماعة، المحدود واللامحدود، ويؤكد على وحدة الاثنين في التباين، مستلهمًا الحياة الثالوثية التي تدعو إلى الأخوّة العالمية وتفتح العلاقات على الشركة، كما يتجلى في الإفخارستيا التي تجدد الروابط الإنسانية.

وتختتم الوثيقة بالتأكيد على أن مستقبل البشرية لا يُحدد في مختبرات التكنولوجيا الحيوية، بل في القدرة على معايشة توترات الحاضر والانفتاح على سر المسيح القائم من بين الأموات، مع العذراء مريم كنموذج للكائن البشري الذي يقبل عطية الله بحرية ويحقق ذاته بالكامل.

تم نسخ الرابط