عاجل
رائد الديب
رائد الديب

حدث ليس عابرا في زحام تصريحاتها اليومية لها ولغيرها.. لتخرج المتحدثة باسم الاحتلال الإسرائيلي، المدعوة "إيلا" كعادتها، في مقطع مصور تهاجم فيه هذه المرة مسلسل "صحاب الأرض".. لم يكن مجرد رد فعل إعلامي، بل كان اعترافا صريحا، وإن جاء في صورة" صياح وشكوى"، بأن عملا دراميا مصريا نجح فيما عجزت عنه حملات سياسية ودبلوماسية كاملة؛ ليفضح الرواية الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي.

خرجت المدعية، التي أشمئز من ذكر اسمها، تتحدث عن "تزييف الحقائق"، وتتهم "صحاب الأرض" بالتحريض، متناسية عن قصد – أن الحقيقة لا تحتاج إلى مؤثرات صوتية، وأن الواقع في غزة والضفة الغربية لا يحتاج إلى سيناريو مكتوب ليكشف من هو المعتدي ومن هو صاحب الأرض.

"إيلا".. إن أصحاب الأرض معروفين، إنها الحقيقة المرة لكم جميعا.. كيان محتل يمتلك أحدث ترسانات سلاح، وأحدث طائرات، وأنظمة دفاعية معقدة، يرتعد من مسلسل يعرض على شاشة عربية.. لتبيت "إيلا" وغيرها من المغتصبين للأرض خائفين أن يتعروا أمام العالم على حقيقتهم من كاميرا تفضح جزءا من ممارساتهم اليومية في أرض فلسطين المحتلة.

هجوم إسرائيلي لم يقتصر على المدعية "إيلا" وحدها، بل تبعها ناشطون وإعلاميون محسوبون على ماكينة الدعاية الإسرائيلية، مثل إيدي كوهين، الذي اعتاد الظهور في حملات منظمة تستهدف تشويه أي خطاب عربي داعم لفلسطين.. فجأة تحول مسلسل مصري إلى مادة يومية في حساباتهم، وتحول أبطاله إلى هدف مباشر للهجوم.. عمل درامي تحول إلى تهديد إستراتيجي، هذا ما أزعجهم، وأفزعهم.. "صحاب الأرض".. مرآة أوجعتهم.. عمل لم يحمل سلاحا، ولم يطلق رصاصة، ولم يدع إلى كراهية؛ كل ما فعله أنه أعاد سرد الحكاية من زاوية إنسانية، زاوية الأرض، والبيت، والهوية، والذاكرة.

"صحاب الأرض" وضع مرآة أمام الاحتلال الإسرائيلي، فظهر وجهه القبيح كما هو: احتلالا.. وهنا تكمن حقيقتهم؛ إسرائيل تخشى الصورة، لا تخشى الصاروخ، بقدر ما تخاف من فضح سرديتهم الزائفة.. فالرصاصة قد تسكت جسدا، لكن الرواية الصادقة تحيي أمة بأكملها.. قوة ناعمة مصرية حولت الدراما إلى جبهة.. وما يحدث اليوم ليس مجرد سجال إعلامي، بل معركة على الوعي.. مصر، بتاريخها الفني والثقافي، تعرف جيدا كيف تخوض هذه المعركة.

"صحاب الأرض" تحول من عمل درامي إلى قضية رأي عام، وأصبح عنوانا لنقاش واسع حول السردية، والهوية، والحق التاريخي.. وهنا تكمن قوة الدراما المصرية؛ فالفن يخيفهم، فإسرائيل تفهم جيدا خطورة الكلمة.. تعرف أن السرد حين يترسخ في الوجدان، يصعب اقتلاعه.

ومنذ عقود، شكلت الدراما المصرية وجدان المنطقة، وصنعت الوعي الجمعي العربي، وكانت دائما أقوى من أي بيان سياسي.. وحين تأتي اليوم لتعيد تسليط الضوء على قضية فلسطين من منظور إنساني عميق، فإنها لا تمارس تحريضا، بل تمارس دورها الطبيعي: حفظ الذاكرة.. وهذا ما يرعب "اللي مايتسموس".. فإسرائيل اعتادت أن تواجه جيوشا، لكنها لم تعتد أن تواجه وجدانا عربيا يعاد تشكيله عبر الفن.. إسرائيل لم تعتد أن ترى شبابا يتفاعلون مع مسلسل فيكتشفون تاريخا حاولت الدعاية الإسرائيلية طمسه لعقود.

إسرائيل ومن فيها سارعوا بالهجوم، المنسق، ومرتفع النبرة؛ لأنهم رأوا في "صحاب الأرض" ما هو أخطر من مسلسل؛ رأوا صحوة.. تدرك به الأجيال المقبلة الوعي الحقيقي بالتاريخ، ما يجعلهم "صحاب أرض"، لا مدعين كما تفعل *إيلا" المرتجفة الخائفة، التي تحاول ارتداء عباءة الضحية، هي وغيرها الآن.

الحقيقة مؤلمة يا "إيلا".. انكشاف الصورة الفاضح يؤلم، إدراك أن الصورة أخطر من معركة الميدان يؤلم.. لهذا نجد كل هذا الهجوم على "صحاب الأرض".. وصاحب الأرض في النهاية لا يحتاج إذنا من أحد ليروي حكايته.. فلتصرخوا كما تشاءون، ومارسوا فنون "المظلومية" كما اعتدتم، والحقيقة التي ستتجلى للعالم أن صحاب الأرض هم من يروون قصتها، يكتبونها بدمائهم، لا من يحتلونها. 
==

تم نسخ الرابط