“كيان” نشأ بالقوة، وتوسع بالسلاح، وترسخ فوق أنقاض شعب آخر.. الكلمات ليست حيادية، والمصطلحات ليست تفصيلا لغويا عابرا؛ حين تقول "دولة"، فأنت تمنح شرعية كاملة لكيان مغتصب محتل.. فالمعركة ليست في الميدان وحده، بل في الوعي أيضا.. ومن هنا تبدأ الحكاية.
جذور أعمق من 1948، وخطة أطول، ومشروع صيغ بعناية قبل أن يتحول إلى واقع دموي.. مشروع سياسي، في أواخر القرن التاسع عشر، عندما كانت أوروبا تغلي بالتحولات القومية، ولدت الحركة الصهيونية كفكرة تسعى لتجميع يهود العالم في وطن قومي، لينعقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، في بازل السويسرية..
لم يكن مجرد اجتماع فكري، بل كان إعلانا صريحا عن مشروع استيطاني يبحث عن أرض.. ثم جاءت لحظة التحالف مع القوة الاستعمارية الكبرى، ليصدر وزير الخارجية البريطاني حينها "آرثر بلفور" وعده الشهير، عام 1917، الذي عرف "بوعد بلفور"، ليتعهد فيه بإقامة "وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين"، كان ذلك الوعد جملة قصيرة، لكنها فتحت أبواب قرن كامل من الدم.. مازالت المنطقة العربية بأكملها تعاني حتى اليوم من هذا السرطان الخبيث.
"الانتداب البريطاني" حول الوعد إلى واقع مرير، وبدأت الترجمة العملية للوعد الملعون على الفور، هجرة يهودية متسارعة، تغير ملامح الأرض، السلاح يدخل المشهد؛ وخلال سنوات قليلة، يرتفع عدد اليهود إلى مئات الآلاف، حتى بلغوا نحو 625 ألفا مع نهاية الانتداب.. لم يكن الأمر حركة سكانية طبيعية، بل مشروعا استعماريا لتغيير التوازن الديموغرافي تمهيدا لإعلان دولتهم "الكيان".
كيان أعاد صياغة الأرض وصمت دولي منذ 1948، نكبة غيرت وجه التاريخ.. ففي 14 مايو 1948، أعلنت قيادات صهيونية قيام "دولة إسرائيل".. وفي اليوم ذاته، بدأت النكبة الفلسطينية.. أكثر من 418 قرية ومدينة دمرت.. أكثر من 750 ألف فلسطيني شردوا من ديارهم.. أرض تحولت إلى مخيمات، ومفاتيح بيوت أصبحت رموزا للحق الضائع.
لم يتوقف المشروع عند حدود 1948.. ففي 1967 توسع جديد فضح حدود مشروعهم، ففي حرب يونيو 67، احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وسيناء والجولان.. تحولت القدس إلى "عاصمة موحدة" بقرار أحادي، رغم رفض المجتمع الدولي الاعتراف بذلك؛ بدأ الاستيطان يتكاثر، والجدار العازل يمزق الأرض، والخرائط تتغير بالقوة لا بالقانون.. فالكيان لا يعرف قانون.. ليظهر وجه قبيح لمشروع توسعي لا يعترف بحدود نهائية.
"القدس" قلب لا يتوقف عن النزيف.. ففي عام 1967، أصبحت محور مشروع تهويد متسارع؛ استيطان، اقتحامات، تغيير ديموغرافي، أضف إلى مدينة الإسراء، غزة والضفة وحصار يتمدد واستيطان يلتهم الأرض.. وفي عام 2005، انسحب الاحتلال الإسرائيلي من غزة، لكنه أحكم الطوق عليها.. فمنذ 2007، يعيش القطاع تحت حصار خانق.. وباتت الضفة الغربية أيضا خريطة مثقوبة بالمستوطنات، وجدار يقسم القرى، وطرق تفصل المدن عن بعضها.. فلم يعد الاحتلال مشهدا عسكريا فقط، بل واقعا يوميا يلتهم الجغرافيا ببطء.
"حرب الإبادة" أكتوبر 2023 لأكثر من عامين
حرب كبرى اندلعت في أكتوبر 2023.. واحدة من أعنف الحروب في تاريخ الصراع، لتستمر لأكثر من عامين.. قصف غير مسبوق.. أحياء سكنية تسوى بالأرض بالكامل، مستشفيات خرجت عن الخدمة.. مئات آلاف الشهداء والجرحى.. مجاعة ونزوح جماعي.. حرب إبادة جماعية في حق الفلسطينيين.
لم تتوقف الحرب لكنها هدأت وتيرتها بفضل ضغوط مصرية ودول أخرى.. وفي الوقت ذاته، تتصاعد في الضفة الغربية خطوات ضم أجزاء من الضفة، في الوقت الذي كتب فيه هذا المقال عام "2026".. لم تكن الحرب فقط على غزة، بل على ما تبقى من فكرة فلسطين..
وهنا لابد أن نختم بمعلومة يجب على الجيل المقبل أن يعلمها؛ ألا وهي الفارق بين الدولة والكيان.. فالدولة تعلن حدودها النهائية، وهذا الكيان لم يفعل، الدولة تنشأ بإرادة شعب على أرضه، وضع هنا مليون خط تحت كلمة "شعب على أرضه"، فالدولة تنشأ بإرادة شعب على أرضه لا بإحلال شعب مكان آخر.. مصطلح "الكيان" ليس انفعالا لغويا، بل توصيف سياسي يعكس جوهر الصراع.. فعلى الأجيال الجديدة أن تعي تاريخها وتعلم وتتعلم أن القضية الفلسطينية ليست حدثا عابرا في نشرة أخبار.. وليست غزة رقما في تقرير تليفزيوني.. وأن القدس هي تاريخ ممتد منذ قرن، كتب بالخرائط الممزقة، وبالبيوت المهدمة، وبمفاتيح لم تجد أبوابها.. وأن يوما ما سيزول "الكيان" الذي نشأ بالقوة، وسيعيد التاريخ رسم المشهد كما فعل مع مشاريع كثيرة قبله؛ فما بين الوعد والاحتلال.. وما بين النكبة وحرب الإبادة.. سيبقى الحق ولن يموت، ويبقى الوعي وتوعية الأجيال الجديدة مسؤولية.
