عاصفة أشعلها السفير الأمريكي في تل أبيب، صريحات غير مسؤولة وصادمة كشفت الوجه القبيح لمايك هاكابي، انحياز أعمى للاحتلال الإسرائيلي وتحدي واضح للقانون الدولي.. في توقيت بالغ الحساسية، وفي ظل حرب دموية على قطاع غزة، خلفت مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، أغلبهم من الأطفال والنساء.
فجر هاكابي عاصفة سياسية وأخلاقية بتصريحاته الصادمة، وصفها "بالحق التوراتي" لإسرائيل في أراض تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات.. تصريحات خلال مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، تحدث خلالها عن وعد إلهي لإبراهيم ونسله بأرض بين النهرين.. ليسترسل بأن الله منح إسرائيل الشرق الأوسط، مساحات شاسعة تشمل فلسطين التاريخية وأجزاء من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية، ليكمل بألا مانع لو أخذت إسرائيل كل ذلك، قبل أن يحاول التراجع بالقول إن "هذا ليس ما نتحدث عنه اليوم"؛ لكن الكلمات خرجت، وسقط القناع.. كلمات عكست دبلوماسية التطرف لدى السفير الأمريكي في تل أبيب.
تصريحات هاكابي لم تكن مجرد رأي شخصي عابر، بل صدرت عن دبلوماسي أمريكي يشغل منصبا رسميا في تل أبيب، ما يضفي عليها أبعادا سياسية خطيرة.. هاكابي، لطالما عرف بانحيازه الصريح لإسرائيل، لكنه هذه المرة تجاوز حدود الانحياز إلى تبني خطاب أيديولوجي يستند إلى تفسيرات دينية مثيرة للجدل لتبرير أطماع جغرافية عابرة للحدود؛ فإعادة إحياء شعار "من النيل إلى الفرات" لا يمكن فصله عن سياق أوسع من تصاعد الاستيطان، وتآكل فرص حل الدولتين، ومحاولات فرض واقع أحادي بالقوة على الأرض؛ تصريحات تعكس تبنيا كاملا لرواية الاحتلال، في تجاهل صارخ لقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي المعمول بها على أرض الواقع.
الأخطر عندما سقطت الإنسانية، بتبرير قتل الأطفال، ودفاع هاكابي عن الحرب الإسرائيلية على غزة، حتى في ما يتعلق بمقتل الأطفال.. فعدما سأله كارلسون عن رأيه في مقتل أطفال بعمر 14 عاما من حماس، أجاب هاكابي ببرود لافت: إذا شاركوا في ذلك، فليساعدهم الله.. سجال كشف فجوة أخلاقية عميقة، وأعاد إلى الواجهة سؤالا جوهريا: كيف يمكن لدبلوماسي يمثل دولة كبرى أن يبرر – ولو ضمنيا – سقوط الأطفال تحت نيران الحرب؟
تصريحات تأتي فيما يواصل قطاع غزة دفع ثمن حرب طاحنة منذ أكتوبر 2023، حرب خلفت دمارا واسعا، وأعدادا مهولة من الشهداء والجرحى، في مشهد إنساني بالغ القسوة.. مستشفيات مدمرة، أحياء السكنية سويت بالأرض، ومخيمات نزوح مكتظة، كلها شواهد على مأساة لم يعد بالإمكان تبريرها بخطابات أمنية أو دينية.. في هذا السياق، تبدو تصريحات هاكابي وكأنها غطاء سياسي وأيديولوجي لممارسات عسكرية تتعرض لانتقادات دولية متزايدة، بل وتتهم بخرق قواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي مواجهة هذه التصريحات، جاء الموقف المصري واضحا وحاسما كالعادة.. مصر ردت بحسم.. بألا سيادة على أي أرض عربية، لتدين وزارة الخارجية ما نسب إلى السفير الأمريكي، مؤكدة أن ما ورد يمثل "خروجا سافرا على مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".. لتعرب مصر عن استغرابها من صدور مثل هذه التصريحات، خاصة أنها تتناقض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إنهاء الحرب في غزة، ومع مخرجات مؤتمر مجلس السلام الذي عقد في واشنطن في 19 فبراير 2026.. وتؤكد القاهرة مجددا أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية، مشددة على رفضها القاطع لأي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية.
موقف مصري لم يكن مجرد بيان دبلوماسي، بل امتداد لدور تاريخي في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والتصدي لأي محاولات لفرض واقع جديد بالقوة أو إعادة رسم خرائط المنطقة وفق تصورات أيديولوجية متطرفة.
فما قاله هاكابي يعكس جهلا بطبيعة الصراع وتعقيداته، واستخفافا بالقانون الدولي الذي لا يعترف بحقوق دينية عابرة للحدود كمرجعية لترسيم الدول.. فالعالم الحديث لا يدار بنصوص دينية مؤولة، بل بمواثيق دولية وحدود معترف بها وسيادة وطنية مصونة.. وإطلاق حديث عن "حق توراتي" في أراض عربية، وفي هذا التوقيت تحديدا، لا يمكن اعتباره زلة لسان، بل مؤشرا على عقلية ترى في الصراع معركة عقائدية لا نزاعا سياسيا قابلا للحل.. فتصريحات السفير الأمريكي فتحت بابا واسعا للتساؤلات حول مستقبل الدور الأمريكي في المنطقة، ومدى قدرته على لعب دور الوسيط النزيه في أي عملية سلام.. فحين يتماهى الدبلوماسي مع خطاب الطرف الأقوى عسكريا، ويبرر أفعاله، تسقط عنه صفة الوساطة وتتحول مهمته إلى غطاء سياسي.
وفي منطقة تشتعل على أكثر من جبهة، تبدو الكلمات أحيانا أخطر من الرصاص.. وعبارة "من النيل إلى الفرات" ليست مجرد شعار عابر، بل قنبلة سياسية وأيديولوجية تعيد استدعاء أشباح أطماع تاريخية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تبريد الجبهات لا إشعالها.. وبينما تسيل دماء أطفال غزة حتى الآن، يبقى السؤال: هل يدرك أصحاب هذه التصريحات أن اللعب بالنار في الشرق الأوسط لا يحرق طرفا واحدا فقط، بل قد يشعل الإقليم بأكمله؟!

