عقوبات، اغتيالات، وحروب ظل، دون انفجار شامل.. هذه كانت سياسة تل أبيب لسنوات، في ظل سردياتها غير المشروعة عن ماهية مشروع إيران النووي، لكن اليوم تغير إسرائيل السردية وتضع خطا أحمر جديدا؛ لتعلنها صريحة بأن صواريخ طهران الباليستية أصبحت خطا أحمر جديدا..
اليوم ما تفعله إسرائيل ليس دفاعا عن النفس، بل بح منظم عن حرب.. فسلاح نيران الباليستي عشرات الدول تملكه، وليس سلاحا محظور دوليا.. لكن إسرائيل تقرر أن هذا كاف لإشعال حرب.. فإسرائيل لا تنتظر الخطر بل تصنع حربا من جديد.. بتصريحات مسؤولين إسرائيليين، أن تل أبيب لا تريد طهران، نووية، لا تريدها صاروخية.. وغير قادرة أصلا على الردع أصلا، بل وشلها تماما.. وخلال الأيام الماضية، خرج مسؤولون إسرائيليون يلوحون بما هو أخطر من التهديد نفسه، ليتحول الخطاب الإسرائيلي الجديد إلى مادة للتباهي، وكأن كسر القواعد لم يعد مخاطرة، بل فضيلة سياسية وأمنية.
ما بعد حرب الإثنى عشر يوما بين تل أبيب وطهران، ومن قبلها السابع من أكتوبر 2023، فالعقل الأمني الإسرائيلي تبنى عقيدة هجومية بلا فرامل، قوامها أن أي تهديد محتمل يجب القضاء عليه قبل أن يولد، وأي قدرة مستقبلية لدى الخصوم يجب وأدها في مهدها، وأي لحظة ضعف لدى العدو ينبغي استغلالها فورا.. في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح داخل غرف القرار: هل ستواجه إسرائيل إيران؟، بل متى؟، وتحت أي ذريعة جاهزة للتسويق؟!.
فإسرائيل أصبحت تدرك أن فزاعة الملف النووي الإيراني استهلكت دوليا، ولم تعد قادرة على حشد الإجماع أو خلق حالة طوارئ عالمية كما في السابق، لذلك يجري استبدال القنبلة بالصاروخ، والحديث عن تخصيب اليورانيوم بالتركيز على الصواريخ الباليستية بوصفها خطرا مباشرا وفوريا.. تصريحات بنيامين نتنياهو حول مراقبة إعادة تسليح إيران، وعدم السماح بظهور تهديد جديد، ليست سوى تمهيد سياسي وإعلامي لضربة تحضر في الكواليس، أكثر ما هي تحذير دبلوماسي.
في المقابل، لا تخفي طهران موقفها، ولا تناور لغويا، البرنامج الصاروخي، وفق الرؤية الإيرانية، غير قابل للتفاوض، ليس لأنه أداة هجومية فقط، بل لأنه العمود الفقري لما تبقى من قدرة ردع، فبعد الضربات التي طالت منشآت إيرانية، وبعد تراجع أو انكفاء بعض الحلفاء، لم يعد لدى إيران سوى هذه القدرة الصاروخية بوصفها وثيقة تأمين وجودية.. ولهذا، تعمل طهران بهدوء وصبر على إعادة بناء ما دمر، وتشير صور الأقمار الصناعية إلى نشاط متسارع في منشآت الإنتاج، بما يعني أن استعادة القدرة، وربما مضاعفتها، ليست مسألة افتراض بل وقت.
هنا تحديدا يبدأ القلق الإسرائيلي الحقيقي، فتل أبيب تلوح بأن إيران قد تبادر بالهجوم، لكن غالبية الخبراء، حتى في الغرب، يرون العكس تماما.. فإيران غارقة في أزمات اقتصادية واجتماعية داخلية، وتدرك أن حربا مفتوحة قد تكون كلفة وجودية.. غير أن المفارقة القاتلة تكمن في أن هذا الضعف، بدل أن يطمئن إسرائيل، يغريها أكثر بالضرب.. فالعقل الأمني الإسرائيلي يرى في لحظة الوهن فرصة ذهبية، لا مخاطرة يجب تجننبها، وهو ما عبر عنه مسؤولون دفاعيون سابقون بوضوح فج: لا ننتظر حتى يصبح الخصم أقوى، نضربه وهو أضعف ما يكون.
وختاما لم تعد المواجهة احتمالا نظريا، بل مسارا يتشكل تدريجيا.. حين ترفع دولة خطوطها الحمراء بلا سقف، وترفض أخرى التراجع خطوة واحدة، ويكتفي الراعي الدولي بالمراقبة، فإن الحرب لا تعود قرارا سياسيا يمكن تجننبه، بل نتيجة منطقية لتراكم الحسابات الخاطئة.. فما نشهده اليوم بين إسرائيل وإيران ليس مجرد تبادل تهديدات، بل سباق محموم نحو الضربة الأولى، والسؤال الأخطر لم يعد: من سيبدأ؟، بل من يملك القدرة على السيطرة على الانفجار عندما يبدأ؟!