عاجل

ليست المشكلة في أن الحكومة قررت زيادة حافز لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، وإنما في قيمة هذه الزيادة وطريقة التعامل مع أساتذة الجامعات والعلماء والباحثين، وكأننا نتحدث عن فئة لا تستحق التقدير أو الحياة الكريمة.

إن الإعلان عن زيادة قدرها 1500 جنيه ليس حلاً للأزمة، بل يمثل إهانة حقيقية لأعضاء هيئة التدريس، وإفصاحاً عن حجم التدهور الذي وصلت إليه أوضاعهم المادية. والأسوأ أن هذه الزيادة يُفترض أن تتحملها موارد الجامعات نفسها، في الوقت الذي تشكو فيه الجامعات باستمرار من ضعف مواردها وعجزها المالي.

كان من الأفضل ألا يُعلن هذا المبلغ أصلاً؛ فقد كان الأستاذ الجامعي يتحرك في المجتمع محتفظاً بمكانته العلمية والاجتماعية، دون أن يعرف الآخرون حجم ما يتقاضاه من راتب لا يكاد يكفي لتغطية أبسط متطلبات المعيشة. أما الآن، فقد أصبح الإعلان عن هذه الزيادة كشفاً مؤلماً عن واقع مادي مهين لا يتناسب مع لقب الأستاذ الدكتور ولا مع سنوات العلم والبحث والخبرة التي قضاها داخل الجامعة.

أين تذهب موارد الجامعات؟

السؤال الأهم الذي يجب أن تطرحه الدولة هو: أين تذهب الموارد المالية الضخمة التي أصبحت الجامعات تحققها؟

فالجامعة المصرية لم تعد تعتمد فقط على موازنتها التقليدية، بل أصبحت مصدراً اقتصادياً مهماً من خلال الجامعات الخاصة والأهلية، والبرامج الدراسية المتميزة، والساعات المعتمدة، والدراسات العليا، والخدمات التعليمية المختلفة، التي يدفع الطلاب وأسرهم مقابلها مبالغ كبيرة.

لقد أصبح التعليم الجامعي في جوانب عديدة نشاطاً اقتصادياً وتسويقياً، وأصبحت هناك موارد مالية ضخمة تدخل المنظومة الجامعية. وهنا يبرز سؤال مشروع: أين تذهب هذه الأموال؟ ولماذا لا ينعكس جزء عادل منها على رواتب أعضاء هيئة التدريس والباحثين الذين يمثلون أساس العملية التعليمية والبحثية؟

الجامعة تخسر كوادرها الشابة

الأزمة لم تعد مقتصرة على الأساتذة، بل امتدت إلى شباب الباحثين والمعيدين. فهناك عزوف متزايد عن العمل الأكاديمي، وأصبح بعض المعيدين ينظرون إلى الوظيفة الجامعية باعتبارها عبئاً مادياً لا يوفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

فالشاب الذي يحصل على وظيفة معيد بعد سنوات من التفوق والاجتهاد قد يجد أن العمل في وظيفة أخرى خارج الجامعة، حتى لو كانت أقل من حيث المكانة العلمية، يحقق له دخلاً يفوق ما يحصل عليه داخل المؤسسة الأكاديمية بأضعاف.

وهكذا تخسر الجامعة شبابها، وتفقد قدرتها على إعداد أجيال جديدة من الباحثين، بينما يُطلب منها في الوقت نفسه المنافسة دولياً وتحقيق التميز والابتكار.

نريد إصلاحاً للتشريعات وليس مسكنات مؤقتة

نحن نرفض هذه الزيادات الهزيلة، ونطالب بتعديل قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، الذي لم تعد كثير من قواعده تتناسب مع متغيرات العصر، وبإعادة هيكلة شاملة وعادلة لمرتبات أعضاء هيئة التدريس، بما يضمن مكانة مالية ومهنية تليق بمسؤولياتهم العلمية.

ومن الضروري وضع آلية دورية لمراجعة الأجور والحوافز، بحيث لا يظل الأستاذ الجامعي رهينة قرارات استثنائية أو زيادات شكلية لا تواكب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

وليس من المقبول أن تتراجع المكانة المادية للأستاذ الجامعي إلى هذا الحد، بعد أن كانت هناك فترات تاريخية يُطالب فيها القضاة بتحقيق تقارب في المكانة المادية مع أساتذة الجامعات. واليوم أصبح الأستاذ الجامعي يشعر بأن سنوات علمه وخبرته ومسؤولياته لا تجد التقدير المادي المناسب.

أعضاء هيئة التدريس بلا نقابة قوية

هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي ضعف الكيانات التي يفترض أن تدافع عن حقوق أعضاء هيئة التدريس.

فنوادي أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية لا تمتلك القوة التنظيمية والتأثير الذي تتمتع به كيانات مهنية أخرى، مثل نادي القضاة. كما أن أعضاء هيئة التدريس لا يمتلكون نقابة مهنية مستقلة وقوية تستطيع توحيد صوتهم والتفاوض باسمهم والدفاع عن مصالحهم.

والنتيجة أن الأستاذ الجامعي يجد نفسه وحيداً في مواجهة القرارات المتعلقة بمستقبله المهني والمادي، دون كيان قوي يستطيع التعبير عن مطالبه بصورة مؤثرة.

بل إن هناك مشكلات إدارية تستحق التوقف أمامها. فعلى سبيل المثال، قد ينتقل عضو هيئة تدريس من جامعة إلى أخرى، ومع ذلك تستمر خصومات اشتراك نادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعة السابقة، رغم عدم استفادته من خدماته، في حين قد لا يجد في جامعته الجديدة نادياً مماثلاً من الأساس.

وهناك أيضاً تفاوت واضح في الخدمات المقدمة لأعضاء هيئة التدريس؛ فبعض الجامعات لا توفر دور ضيافة أو فنادق جامعية تتيح للأساتذة الإقامة بأسعار مناسبة أثناء حضور المؤتمرات والفعاليات العلمية خارج محافظاتهم.

فكيف نطالب الأستاذ الجامعي بالمشاركة في المؤتمرات وتبادل الخبرات العلمية، بينما يتحمل من دخله المحدود تكاليف السفر والإقامة التي قد تستنزف راتبه بالكامل؟

وأخيراً.. نريد أن نعرف: كم يتقاضى المسؤولون؟

إذا كانت الدولة تتحدث عن محدودية الموارد، وإذا كان المطلوب من الأستاذ الجامعي أن يقبل بزيادة لا تكفي لمواجهة أعباء الحياة، فمن حقنا أن نسأل عن دخول المسؤولين والامتيازات التي يحصلون عليها.

ما حجم الرواتب والبدلات والحوافز التي يحصل عليها شاغلو المناصب القيادية؟ وما الامتيازات المتعلقة بالسيارات والإقامة والسفر والاستراحات ودور الضيافة؟ وكيف تتدرج هذه المزايا من القيادات الجامعية إلى مختلف المستويات الحكومية وصولاً إلى أعلى المناصب التنفيذية؟

إن الشفافية يجب أن تكون متبادلة، ولا يجوز أن يُطلب من الأستاذ الجامعي الكشف عن راتبه المحدود وقبول الإهانة، بينما تظل دخول وامتيازات أصحاب المناصب العليا بعيدة عن النقاش العام.

الاستثمار في الأستاذ الجامعي هو استثمار في مستقبل مصر

إن الأستاذ الجامعي الذي أفنى سنوات عمره في التعليم والتدريب والبحث العلمي لا ينبغي أن يقضي ما تبقى من حياته منشغلاً بتدبير نفقات الطعام والشراب وفواتير الكهرباء والمياه، بدلاً من التفرغ للعلم والإنتاج والابتكار.

الاستثمار في الإنسان هو أساس تقدم الدول، والاستثمار في الأستاذ الجامعي والباحث يعني الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد والتنمية.

نحن لا نطلب امتيازات استثنائية، ولا ننتقص من حقوق أي فئة أخرى في المجتمع، وإنما نطالب بحقنا في حياة كريمة تتناسب مع مؤهلاتنا ومسؤولياتنا ودورنا الوطني.

لقد آن الأوان أن تتوقف الدولة عن مطالبة الجامعات بالتميز العلمي بينما تترك أساتذتها وباحثيها في هذا الوضع المادي والمهني.

لا للمسكنات المؤقتة، لا للزيادات المهينة، نعم لتعديل قانون تنظيم الجامعات، نعم لإعادة هيكلة الأجور والحوافز، ونعم لآليات تمثيل قوية تدافع عن حقوق أعضاء هيئة التدريس.

فكرامة الأستاذ الجامعي ليست منحة من الحكومة، وإنما حق أصيل، واحترام العلماء ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل سياسة…

تم نسخ الرابط