عاجل

محمد عماد: الارتقاء بثقافة العميل الشرائية خطوة نحو سوق عقاري تحكمه القيمة لا الدعاية

محمد عماد
محمد عماد

أكد محمد عماد، رئيس القطاع التجاري بشركة قنديل  للتطوير العقاري، أن الارتقاء بثقافة العميل الشرائية أصبح أحد المتطلبات المهمة للمرحلة المقبلة من تطور السوق العقاري المصري، في ظل التحولات التي شهدتها الصناعة خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى حجم الاستثمارات أو تنوع المنتجات العقارية أو تطور آليات التسويق والبيع، مشيراً إلى أن بناء سوق عقاري أكثر انضباطاً واستدامة يتطلب الانتقال من التركيز على زيادة القدرة البيعية إلى تطوير قدرة العميل على الفهم والتقييم والمفاضلة بين الفرص العقارية المتاحة.

وأوضح أن السوق العقاري لا يمكن قياس درجة نضجه بحجم المبيعات أو عدد المشروعات المطروحة فقط، وإنما بمدى قدرة أطراف المنظومة على خلق علاقة متوازنة تقوم على المعرفة والشفافية وتكافؤ المعلومات، فالعميل الذي يتخذ قراراً عقارياً بناءً على فهم حقيقي لطبيعة المنتج ومكوناته الاقتصادية، يختلف تماماً عن العميل الذي تحركه العروض التسويقية أو مدد السداد أو الانطباعات المرتبطة باسم المشروع، وهو ما يجعل الوعي الشرائي عنصراً مؤثراً في جودة الطلب العقاري واستقرار السوق على المدى الطويل.

وأشار إلى أن أحد المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة صياغة في الثقافة العقارية هو مفهوم سعر المتر، إذ لا ينبغي أن يتعامل العميل معه باعتباره رقماً مجرداً تتم المقارنة على أساسه بين مشروع وآخر، وإنما باعتباره نتيجة لمعادلة اقتصادية تتداخل فيها تكلفة الأرض والإنشاءات ومواد البناء والعمالة والتمويل والتشغيل، فضلاً عن الموقع ومستوى الخدمات والبنية التحتية وطبيعة المنتج العقاري والالتزامات المرتبطة بتنفيذه وتسليمه.

وأضاف أن الفارق بين سعرين لوحدتين متقاربتين في المساحة قد لا يكون مجرد اختلاف في هامش الربح، وإنما قد يعكس اختلافاً في طبيعة الأرض وتكلفة التطوير ومستوى التنفيذ والخدمات والقيمة المستقبلية للموقع، ولذلك فإن مسؤولية شركات التطوير العقاري يجب أن تتجاوز الإعلان عن السعر ونظام السداد إلى تقديم تفسير واضح للقيمة التي يحصل عليها العميل مقابل ما يدفعه، بما يساعده على فهم أسباب التسعير والتمييز بين السعر المرتفع الذي تقابله قيمة حقيقية، والسعر الذي قد يبدو جذاباً تسويقياً لكنه لا يعكس بالضرورة أفضلية استثمارية.

وشدد على أن شركات التطوير العقاري تمتلك دوراً محورياً في بناء هذه الثقافة، من خلال تطوير أساليب التواصل مع العملاء قبل البيع وأثناء التعاقد وبعده، وتقديم محتوى تثقيفي مبسط يشرح طبيعة الاستثمار العقاري، والفرق بين العائد الرأسمالي والعائد الإيجاري، وتأثير الموقع والتشغيل والخدمات على القيمة المستقبلية للأصل العقاري، إلى جانب توضيح الالتزامات التعاقدية ومراحل التنفيذ والجداول الزمنية للتسليم بصورة أكثر شفافية.

وأوضح أن من الآليات العملية التي يمكن للشركات تطبيقها إعداد أدلة معلوماتية لكل مشروع، تتضمن شرحاً لمكونات المنتج العقاري، وطبيعة الخدمات والمرافق، ومراحل التنفيذ، والمواصفات الفنية، والجدول الزمني للتسليم، ونظم الصيانة والإدارة والتشغيل، فضلاً عن توفير فرق متخصصة للتواصل مع العملاء لا يقتصر دورها على إتمام التعاقد، وإنما يمتد إلى مساعدة المشتري على فهم طبيعة القرار الذي يتخذه ومدى توافقه مع قدراته المالية وأهدافه السكنية أو الاستثمارية.

ولفت إلى أهمية أن تتطور وظيفة القطاع التجاري داخل شركات التطوير العقاري، بحيث لا يصبح معيار نجاحه مرتبطاً فقط بحجم التعاقدات المحققة، وإنما أيضاً بجودة العملاء الذين يتم استهدافهم، ومدى ملاءمة المنتج لاحتياجاتهم، وقدرة الشركة على بناء علاقة طويلة الأجل معهم، موضحاً أن البيع الذي يقوم على فهم احتياجات العميل وقدرته على الوفاء بالتزاماته أكثر استدامة من البيع الذي يعتمد على دفع العميل لاتخاذ قرار سريع دون إدراك كامل لأبعاده المالية.

وأضاف أن الثقافة الشرائية لا تتعلق فقط بمعرفة العميل لماذا يدفع هذا السعر، وإنما تمتد إلى إدراكه لمخاطر الاستثمار العقاري، والتمييز بين العقار المخصص للسكن والعقار الذي يستهدف تحقيق عائد استثماري، وفهم أن ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة تحقق عائد مماثل عند إعادة البيع، وأن العائد الحقيقي يتأثر بعوامل متعددة، من بينها توقيت الشراء، وموقع المشروع، ومستوى الطلب الفعلي، وجودة التنفيذ، وتكاليف التشغيل والصيانة، والسيولة المتاحة لإعادة البيع أو التأجير.

وفي سياق متصل، أكد عماد أن مسؤولية تطوير الثقافة العقارية لا يمكن أن تقع على عاتق الشركات وحدها، وإنما تتطلب دوراً مؤسسياً من الجهات المنظمة والقائمة على صناعة التطوير العقاري في مصر، من خلال بناء منظومة معلومات أكثر وضوحاً تساعد العملاء على قراءة السوق بصورة موضوعية، وتوفر مؤشرات يمكن الاستناد إليها عند المقارنة بين الشركات والمشروعات والمنتجات العقارية المختلفة.

وأشار إلى أن من أبرز الملفات التي تستحق الدراسة في هذا الإطار وضع منظومة مهنية لتصنيف شركات التطوير العقاري، وفق معايير مالية وفنية وتشغيلية معلنة، بحيث لا يعتمد تقييم المطور على حجم المبيعات أو الانتشار التسويقي فقط، وإنما يشمل الملاءة المالية، وسجل التنفيذ والتسليم، وحجم الالتزامات القائمة، والقدرة على إدارة التدفقات النقدية، والخبرات الفنية والإدارية، ومدى الالتزام بالجداول الزمنية والمواصفات التعاقدية.

وأوضح أن وجود مستويات تصنيف واضحة، مثل A وB وC أو غيرها من الدرجات التي تقررها جهة تقييم مستقلة، يمكن أن يمنح العميل أداة إضافية لفهم طبيعة الشركة التي يتعامل معها، على أن يكون التصنيف قائماً على بيانات موثقة ومعايير قابلة للقياس والتحديث الدوري، وألا يتحول إلى مجرد تصنيف دعائي أو شهادة تسويقية تمنح دون رقابة حقيقية.

وأضاف أن من المهم أيضاً العمل على إنشاء قواعد بيانات ومؤشرات دورية للسوق العقاري، تتضمن معلومات عن معدلات التنفيذ والتسليم، ومستويات الأسعار وفق المناطق وأنواع المنتجات، وحركة الطلب، ومؤشرات الإيجارات وإعادة البيع، بما يساعد على تقليل الفجوة المعلوماتية بين أطراف السوق، ويمنح المشتري فرصة لاتخاذ قرار مبني على بيانات ومقارنات حقيقية بدلاً من الاعتماد الكامل على المعلومات التي تقدمها الحملات التسويقية.

وشدد على أهمية أن تتكامل هذه الجهود مع تطوير آليات الإفصاح وحماية حقوق المتعاملين، وتوضيح البيانات الأساسية للمشروعات قبل التعاقد، بما يشمل الموقف التنفيذي، والتراخيص، والالتزامات التعاقدية، ومواعيد التسليم، وآليات إدارة المرافق والصيانة، مع وجود قنوات واضحة لتلقي الشكاوى والتعامل معها، بما يعزز الثقة ويحد من الممارسات التي قد تضر بسمعة السوق ككل.

وأكد أن الوصول إلى سوق عقاري أكثر توازناً يتطلب تحقيق تكامل حقيقي بين ثلاثة أطراف؛ مطور عقاري يقدم منتجاً واضح القيمة ويلتزم بما يعلنه، وجهة منظمة تضع قواعد عادلة وتوفر المعلومات وآليات التقييم والرقابة، وعميل يمتلك الحد الأدنى من الثقافة الاقتصادية والعقارية التي تمكنه من تقييم قراره وفهم التزاماته ومخاطره.

وأوضح أن هذه المعادلة ستنعكس بصورة مباشرة على طبيعة المنافسة بين الشركات، إذ ستصبح الأفضلية تدريجياً للمطور الأكثر قدرة على إثبات جودة منتجه وكفاءة إدارته وملاءته المالية، وليس فقط الأكثر إنفاقاً على التسويق أو الأكثر قدرة على تقديم عروض بيعية جاذبة، كما ستدفع الشركات إلى الاهتمام بجودة التنفيذ وخدمات ما بعد البيع والإدارة والتشغيل باعتبارها عناصر أساسية في بناء القيمة العقارية والحفاظ عليها.

ولفت إلى أن العميل سيكون المستفيد الأكبر من هذا التحول، لأنه سيصبح أكثر قدرة على اختيار العقار المناسب لاحتياجاته وإمكاناته، وتقييم فرص تحقيق عائد من استثماره، وتجنب القرارات التي قد تحمل مخاطر لا تتناسب مع قدراته المالية، وهو ما يرفع جودة الطلب ويقلل من احتمالات التعثر الناتج عن اتخاذ قرارات شراء غير مدروسة، فضلاً عن دعم استقرار العلاقة التعاقدية بين المشتري والمطور.

واختتم محمد عماد بالتأكيد على أن الهدف الحقيقي من الارتقاء بثقافة العميل الشرائية ليس تقليل رغبة الأفراد في الشراء أو وضع قيود أمام حركة السوق، وإنما بناء طلب أكثر وعياً وقدرة على التمييز، بما يحفز الشركات على تقديم قيمة حقيقية تتناسب مع الأسعار المطروحة، ويمنح الاستثمار العقاري المصري فرصاً أكبر للنمو المستدام. فالعقار لا يكتسب قيمته بمجرد بيعه، وإنما من قدرته على الاحتفاظ بقيمته وتوليد عائد مناسب وتحقيق منفعة حقيقية لمالكه، والسوق الأكثر نضجاً هو الذي لا يحتاج فيه العميل إلى تصديق الدعاية بقدر ما يمتلك الأدوات التي تمكنه من تقييم الحقيقة.

تم نسخ الرابط