لم يكن الناس منذ سنوات ما قبل الإنترنت يعيشون بمعزلٍ عن بعضهم البعض، بل كان اللقاء بينهم سليقة اعتادوها في حياتهم كالطعام والشراب، يجلسون على مائدةٍ واحدةٍ، ويأكلون في «طبقٍ» واحد، لا يمنعهم عن جلسات "السمر" سوى الأعذار القهرية، ما بين مرضٍ أو عرض، تلك كانت حياتهم المليئة بالعاطفة والتضامن والبسمة التي لا تفارق وجهوهم، حتي ظهر في حياتهم (مُفرِّق الجماعات)، وقاتل اللقاءات فأصاب بعضهم بالتوحُّد والآخرين ما بين مكتئبٍ ويائس، بل ووحيدٍ رغم اتصاله بالملايين في لحظةٍ واحدة.
إنها ليست بمفارقةٍ عجيبة، بل إنها نتائج متوقعة عرفها الناس ولم يُلقوا لها بالًا، فتعاملوا مع تحذيراتها بكل استخفافٍ وإهمال، فبلغوا مبلغًا غير مُتوقع من مكونات الآدمية، حين اكتفى بعضهم في الأرحام برسالةٍ عبر شاشات رغم قرب المسافات، فكانت القطيعة عنوانهم، فتبدَّل حالهم لأسوأ الأحوال، وكأن بعضهم لا يعرف بعضًا، وهنا لا أسرد القول حول درجات ثالثةٍ ورابعةٍ في الأرحام، بل إن الأمر طال الدرجة الأولى التي أصيبت بالوهن، فنُزعت على إثرها بركة الأعمار والأرزاق.
إننا أمام مشهدٍ يتكرر كل يوم وفي كلِّ مكان، نسمع كل حينٍ من تُوفِّي على سريره وظلَّ لسنواتٍ حتى تحلَّل جسده ولا يعرف عنه أحدٌ شيئًا، إنها الصدفة هي التي كشفت عن تلك الجريمة التي شاركنا فيها جميعًا حين أسهمنا ودعمنا بقصدٍ أو بدون قصدٍ هذه القطيعة التي تنذر بهلاك الأمة.
«أسرةٌ واحدةٌ وحبلٌ مقطوع»، اختار كل فردٍ من أفرادها خليلًا لنفسه لا يعرف عنه أي شئ وترك أعزَّ ما يعرف، حتى بلغ الأمر لأن يُحدِّث بعضهم بعضًا عبر شاشات وهم يجلسون في غُرفٍ متجاورة وأحيانًا على أريكةٍ واحدة، فما هذا العبث الذي أصيبت به بيوتنا، وكيف في هذه الأجواء نبني أسرةً متماسكةً، بل ومجتمعًا مترابطًا، يشدُّ بعضه بعضًا، وهنا ليس لنا إلا الحاجة لغرف إنعاشٍ لنا جميعًا لعلَّها تعيدنا إلى طبيعتنا البشرية في عالمٍ أرهقته مضادات الطبيعة.