عاجل

لم تكن خيانة الجيش المصري أثناء حرب الاستنزاف ضد العدو الإسرائيلي  مجرد خلاف سياسي مع رئيس أو خصومة مع نظام حكم؛ فقد كان الجيش المصري يخوض واحدة من أشرف معاركه لاستعادة أرض اغتُصبت، وكرامة جُرحت، وثقة أمة في قدرتها على الانتصار.
كان الجنود المصريون يقفون على الضفة الغربية لقناة السويس، يواجهون جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويعيدون بناء قدرتهم القتالية تحت النيران، بينما كانت عائلاتهم تنتظر أخبارهم، ومصر كلها تدفع ثمن الاستعداد لمعركة التحرير.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يصبح استهداف معنويات المجتمع مجرد نشاط سياسي عابر؛ بل يطرح سؤالًا أخلاقيًا وتاريخيًا بالغ القسوة: ماذا يعني أن تنشط حملة منظمة ضد القيادة المصرية بينما يقاتل جيشها لاستعادة سيناء؟
ذلك هو السؤال الذي يفتح ملف الجزء الرابع من سلسلة «الإخوان وإسرائيل»، حيث تتقاطع شهادة الرئيس جمال عبد الناصر عن المنشورات الإخوانية المطبوعة في أوروبا مع وثائق غربية تكشف نشاط سعيد رمضان في سويسرا، وحسابات إسرائيل لإضعاف مصر خلال حرب الاستنزاف.

من جبهة القناة إلى مطابع أوروبا

بعد هزيمة يونيو 1967، لم يكن أمام مصر ترف الاستسلام لنتائج الحرب.
بدأت عملية إعادة بناء القوات المسلحة، وتطورت المواجهات على جبهة القناة حتى بلغت ذروتها في حرب الاستنزاف، التي تحولت إلى اختبار لقدرة مصر على مواصلة القتال، واستنزاف قوات الاحتلال، وإعادة تأسيس ميزان عسكري يسمح باسترداد الأرض.
وكانت الجبهة الداخلية جزءًا أساسيًا من هذه المعركة؛ فالحرب الطويلة تحتاج إلى مجتمع يتحمل الخسائر، واقتصاد يوفر الموارد، وشعب يحتفظ بثقته في إمكانية التحرير.
وفي هذا السياق تأتي شهادة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي تحدث في خطاباته العلنية عن نشاط الإخوان في الخارج، وعن سعيد رمضان في سويسرا، والمنشورات المطبوعة في أوروبا بمستوى مرتفع من الجودة، مما يفضح وجود التمويلات، وعن الإقامة في أماكن فاخرة قرب البحيرات السويسرية.
وتثير هذه الشهادة مسألة تتجاوز مضمون المنشورات نفسها: من كان يتحمل تكلفة المقرات والإقامة والطباعة والنشر؟ وكيف استطاعت شبكة إخوانية أن تنشئ لنفسها قاعدة نشاط أوروبية في مرحلة كانت فيها مصر تواجه حربًا عسكرية واقتصادية شديدة القسوة؟
لم يكن عبد الناصر يتحدث عن خلاف فكري فحسب، بل عن نشاط خارجي منظم رأى فيه تهديدًا للجبهة الداخلية المصرية. 
سعيد رمضان.. من القاهرة إلى جنيف

كان سعيد رمضان أحد أبرز الشخصيات التي نقلت نشاط جماعة الإخوان المسلمين إلى أوروبا.
وهو صهر حسن البنا مدرس الخط، وأحد الوجوه التنظيمية التي برزت بعد الصدام بين الجماعة والدولة المصرية في الخمسينيات.
لكن أهمية رمضان لم تقتصر على مكانته داخل التنظيم؛ فقد أصبح مركزًا لشبكة اتصالات امتدت إلى عواصم غربية ودول عربية، واستطاع أن يجعل من جنيف قاعدة لنشاط إخواني وسياسي وإعلامي يستهدف مصر.
وفي دراسة نشرها المؤرخ دانيال ريكنباخر (Daniel Rickenbacher) سنة 2020، بعنوان «بدايات الإسلام السياسي في سويسرا: مسجد سعيد رمضان التابع للإخوان المسلمين في جنيف والسلطات السويسرية» (The  Beginnings of Political Islam in Switzerland)، تتبع الباحث نشأة المركز الإخواني اعتمادًا على وثائق السلطات السويسرية.
وتكشف الدراسة أن مشروع المركز حظي بدعم دول عربية مناوئة لعبد الناصر، وأن السلطات السويسرية رحبت بالمشروع منذ بداياته في أواخر الخمسينيات.
وافتُتح المركز سنة 1960 بقيادة سعيد رمضان، في وقت كانت فيه المواجهة السياسية بين القاهرة وشبكات الإخوان قد تجاوزت الحدود المصرية.
وهكذا أصبح للصراع وجه أوروبي، لا يخضع لموازين القوة داخل مصر وحدها.

الفيلا والمطبوعات.. من أين جاءت التمويلات؟

تكشف الوثائق التي درسها ريكنباخر أن المركز الإخواني في جنيف لم يبدأ نشاطه من غرفة متواضعة أو مقر مؤقت يفتقر إلى الإمكانات.
فقد ارتبطت بداياته بفيلا اشتُريت سنة 1959 بدعم من القطري علي بن عبد الله آل ثاني، ثم انتقل المركز لاحقًا إلى مقر آخر في جنيف.
وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها عند مقارنتها بشهادة الرئيس عبد الناصر عن مستوى إقامة القيادات الإخوانية في سويسرا.
فالمسألة ليست إثبات الرفاهية لذاتها، وإنما تحديد البنية المالية التي سمحت باستمرار النشاط الإخواني والنشر خارج مصر.
والأهم أن إصدار المطبوعات كان أحد الأنشطة الرئيسية للمركز، وفي مقدمتها مجلة «المسلمون» التي ارتبطت بسعيد رمضان.
وتوثق الدراسة استخدام منشورات رمضان للتأثير في الطلاب العرب المقيمين في سويسرا، وتوجيههم نحو مواقف مناهضة لعبد الناصر والشيوعية.
وهنا تنتقل القضية من السؤال عن القدرة على الطباعة إلى إثبات وجود نشاط دعائي منظم، استُخدمت فيه المطبوعات وسيلة للتأثير في جمهور عربي خارج مصر، وطلاب يتنقلون بين أوروبا ومصر، أُريد لهم أن يتشبعوا بالأفكار الإخوانية، ليصبحوا أدوات لنقلها ونشرها داخل المجتمع المصري.

لماذا احتضنت سويسرا النشاط الإخواني؟

لم تكن السلطات السويسرية تجهل أن سعيد رمضان شخصية استخباراتية، أو أن مركزه يتجاوز الوظيفة الإخوانية التقليدية.
وتشير دراسة ريكنباخر إلى أن المسؤولين السويسريين تابعوا نشاطه، وتحفظ بعضهم على توجهاته، لكن موقفه المناهض لعبد الناصر جعله مقبولًا لدى دوائر رسمية في سياق الحرب الباردة.
وبعد سنة 1966، اتجهت الخارجية السويسرية إلى الاعتقاد بأن الناصرية تواجه تراجعًا قد يفتح المجال أمام صعود قوى إخوانية.
وكان لذلك أثر في السماح لرمضان وأسرته بالبقاء، رغم المشكلات المتعلقة بتصاريح إقامتهم.
هذه الوقائع تكشف مفارقة سياسية: دولة أوروبية تراقب نشاط شخصية إخوانية وتتحفظ على أفكارها، لكنها تسمح باستمرار وجودها في ظل حسابات إقليمية ودولية تتجاوز طبيعة نشاط المركز نفسه.
ولم تكن جنيف معزولة عن تلك الحسابات؛ فقد كان الشرق الأوسط ساحة تنافس دولي، وكانت مصر الناصرية طرفًا رئيسيًا في صراعات المنطقة. 
الوثيقة الأمريكية.. إسقاط عبد الناصر في الحسابات الإسرائيلية

في الخامس والعشرين من سبتمبر سنة 1969، رفع هنري كيسنجر ، مستشار الأمن القومي الأمريكي، مذكرة إلى الرئيس ريتشارد نيكسون ، نقل فيها تقديرات إسرائيلية بشأن حرب الاستنزاف.
وجاء في المذكرة أن الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية تهدف إلى جعل الحرب باهظة التكلفة على مصر، وأن الغارات الإسرائيلية ألحقت ضررًا بمكانة عبد الناصر السياسية.
والأكثر دلالة أن التقدير الإسرائيلي رأى أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى سقوط عبد الناصر، وأن غيابه سيفتح المجال أمام توازنات سياسية جديدة في المنطقة.
لم يكن الأمر، إذن، مقتصرًا على صد الهجمات المصرية أو المحافظة على خطوط الاحتلال؛ فقد دخل مستقبل القيادة المصرية نفسها ضمن حسابات إسرائيل الاستراتيجية.
والمذكرة محفوظة ضمن سلسلة الوثائق الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية، في المجلد الخاص بالنزاع العربي الإسرائيلي بين عامي 1969 و1972.
إنها وثيقة معاصرة للحرب، وليست قراءة كُتبت بعد عقود من نهايتها.  
لكن المفاجأة الأشد خطورة جاءت من الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون نفسه، الذي كتب بخط يده على مذكرة كيسنجر المؤرخة في 25 سبتمبر 1969:
“K—Can’t C.I.A. handle Nasser?!”
أي: «كيسنجر.. ألا تستطيع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التعامل مع عبد الناصر؟!».
وهكذا لم يعد التفكير في إزاحة عبد الناصر حبيس التقديرات الإسرائيلية، بل وصل إلى مكتب الرئيس الأمريكي، الذي طرح بنفسه تساؤلًا مباشرًا عن قدرة الاستخبارات المركزية على التعامل مع الرئيس المصري، بينما كان الجيش المصري يخوض حرب الاستنزاف لاستعادة سيناء.

تقاطع الأهداف.. والسؤال الذي تفرضه الوثائق

عند وضع الوثائق السويسرية إلى جوار المذكرة الأمريكية، تتضح صورتان متزامنتان.
الأولى: شبكة إخوانية تعمل من جنيف، تستفيد من دعم خارجي، وتستخدم المطبوعات في نشاط دعائي مناهض للرئيس عبد الناصر.
والثانية: قيادة إسرائيلية ترى في استمرار الضغط العسكري على مصر فرصة لإضعاف عبد الناصر، وربما إسقاطه. 
هذا التزامن يكشف تقاطعًا في الأثر السياسي المحتمل: الضغط على القيادة المصرية من الخارج عبر الأذرع الإخوانية، وإضعاف قدرتها على إدارة مواجهة طويلة مع إسرائيل.
وهنا تبرز خطورة الظرف التاريخي؛ فالخصومة مع عبد الناصر كانت تجري بينما كانت القوات المسلحة المصرية تخوض حربًا لاستعادة الأرض.
وكان السؤال الذي تفرضه مصلحة الدولة المصرية أكبر من أسماء المتخاصمين: كيف يمكن فصل الصراع على السلطة عن مسؤولية الحفاظ على تماسك مجتمع يخوض حربًا ضد الاحتلال؟

من المستفيد من تمزيق الجبهة الداخلية؟

لا يمكن فهم حرب الاستنزاف بالنظر إلى مواقع المدافع وحدها.
فقد كانت مصر تحاول تجاوز آثار الهزيمة، وإعادة تنظيم قواتها، وإقناع شعبها بأن الطريق إلى التحرير لم يُغلق.
وكانت إسرائيل تدرك أن استمرار هذا المسار يعني بقاء المواجهة مفتوحة، وأن إضعاف القيادة المصرية قد يغير الحسابات السياسية والعسكرية.
وفي الوقت نفسه، تكشف الوثائق السويسرية أن النشاط الإخواني المناهض لعبد الناصر استمر من الخارج، مستفيدًا من بيئة سياسية ودولية أتاحت له مقرات ومطبوعات وشبكات اتصال.
وهنا تكمن القيمة التاريخية لشهادة عبد الناصر عن الطباعة الأوروبية والإقامة السويسرية؛ فهي تضع مسألة التمويل والدعاية الخارجية في قلب النقاش حول الجبهة الداخلية زمن الحرب.
لم يكن تقاطع الأهداف بين إسرائيل وشبكة سعيد رمضان في أوروبا تفصيلًا عابرًا في تاريخ تلك المرحلة؛ فبينما كانت إسرائيل تسعى إلى إنهاك الجيش المصري وإضعاف القيادة السياسية التي تقود معركة استعادة الأرض، كانت المنشورات الإخوانية تستهدف عبد الناصر من الخارج، في وقت كانت فيه وحدة الجبهة الداخلية ضرورة عسكرية ووطنية. 
وهكذا التقت آثار الحرب العسكرية الإسرائيلية والدعاية الإخوانية عند نقطة شديدة الخطورة: الضغط على قدرة مصر على الصمود في مواجهة الاحتلال. 
ولم يكن الجيش المصري، وهو يقدم دماء رجاله على ضفاف القناة، في حاجة إلى جبهة أخرى تستنزف ثقة المجتمع في معركة التحرير.

الحرب التي كشفت معنى الجبهة الداخلية

لم تنته حرب الاستنزاف باستعادة سيناء، لكنها أسهمت في بناء القدرة العسكرية التي ستخوض بها مصر حرب أكتوبر 1973.
وكانت تلك القدرة نتاجًا لعمل طويل، وتضحيات بشرية، وإعادة تنظيم، وإصرار على ألا تتحول هزيمة يونيو إلى نهاية للتاريخ المصري.
ومن هنا تكتسب أي محاولة موثقة لضرب الثقة في الجيش أو تقويض الجبهة الداخلية أثناء الحرب خطورتها، بصرف النظر عن الجهة التي أصدرتها.
لقد أثبتت الوثائق السويسرية أن سعيد رمضان قاد نشاطًا سياسيًا وإعلاميًا من جنيف ضد الرئيس عبد الناصر، وأن هذا النشاط وجد بيئة دعم وحماية خارج مصر. 
وأثبتت الوثيقة الأمريكية أن إضعاف عبد الناصر كان حاضرًا في الحسابات الإسرائيلية أثناء حرب الاستنزاف.
وتبقى الحقيقة التي لا تحتمل التباسًا أن الجيش المصري كان يقاتل لاستعادة أرضه، وأن صمود الجبهة الداخلية كان أحد شروط استمراره في القتال.
فحين تكون الأرض محتلة والجنود على خط النار، لا تعود معركة الوعي والثقة شأنًا هامشيًا؛ إنها جزء من قدرة الوطن على الصمود، وجزء من التاريخ الذي يجب أن يُقرأ بالوثيقة، لا بالشعار، وبالحقيقة، لا بما تضيفه إليها أبواق الخيانة. 
فلقد كانت دماء الجنود المصريين تُراق على ضفاف القناة لاستعادة الأرض والكرامة، بينما كانت جماعة الإخوان تخوض معاركها الخبيثة ضد وطن يقاتل من أجل البقاء.
وما أشد عار التنظيم الذي يجعل خصومته مع الدولة فوق حرمة دماء أبنائها، فتتقاطع طعناته السياسية مع أهداف العدو الذي يحتل أرضها.
لقد عبر الجيش المصري إلى النصر، وبقيت خيانات الإخوان في ذاكرة التاريخ وصمة لا يمحوها الزمن، ولا تسترها الشعارات، ولا يغسلها النسيان.

تم نسخ الرابط