مدرس الإعلام الرقمي والاتصال السياسي- كلية الاعلام جامعة مصر
تابعنا لقاء الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، مع عدد من صُنّاع المحتوى والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، وما تضمنه من رسائل مهمة بشأن اهتمام الدولة بالمحتوى الرقمي، وسبل الاستفادة من قدرات العاملين فيه للوصول إلى الرأي العام والتواصل معه.
وفي تقديري، فإن أهمية هذا اللقاء تتجاوز حدود التواصل مع صُنّاع المحتوى أو الاستماع إلى مطالبهم؛ فهو يفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل الإعلام في مصر، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية، والأهم من ذلك: ما الدور الذي ينبغي أن تؤديه وزارة الدولة للإعلام في ظل التحولات المتسارعة في بيئة الاتصال؟
ولعل البداية الصحيحة لهذا النقاش أن ننتبه إلى دلالة المسمى نفسه؛ فنحن أمام وزارة دولة للإعلام، وليست وزارة إعلام بالمفهوم التقليدي. وهذا ليس مجرد اختلاف في التسمية، بل ينبغي أن ينعكس على طبيعة الدور وحدود المسؤولية. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج نموذج إداري يتولى إدارة المؤسسات الإعلامية أو التدخل في تفاصيل عملها، وإنما بناء دور يقوم على تنسيق الاتصال الحكومي، وصياغة رؤية متماسكة لتواصل الدولة مع الرأي العام، وتيسير تدفق المعلومات، ومتابعة التحولات التي يشهدها المجال الإعلامي، وتعزيز الحضور الإعلامي المصري في الداخل والخارج.
وتزداد أهمية هذا التحديد بالنظر إلى أن المنظومة الإعلامية المصرية تقوم على إطار دستوري يضم ثلاث هيئات مستقلة، هي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، ولكل منها اختصاصاتها المحددة. ومن ثم، فإن وجود وزارة الدولة للإعلام يطرح سؤالًا مؤسسيًا مهمًا حول كيفية تحقيق التنسيق والتكامل مع هذه الهيئات، مع الحفاظ على استقلالها واحترام اختصاصاتها، فضلًا عن مدى تناسب الهياكل الإدارية والفنية المصاحبة للوزارة مع طبيعة الدور المنوط بها. فكلما كان الدور أقرب إلى التنسيق وصياغة السياسات العامة للاتصال الحكومي، ازدادت أهمية وضوح المسؤوليات، وتجنب تكرار الاختصاصات أو تعدد مراكز القرار.
ومن هذا المنطلق، فإن التواصل مع صُنّاع المحتوى يمثل أحد المسارات التي يمكن للوزارة الاستفادة منها. فالدولة معنية بشرح سياساتها وقراراتها، وإيصال المعلومات إلى المواطنين، والتعامل مع الشائعات والمعلومات المغلوطة، والوصول إلى الجمهور عبر الوسائل التي يتابعها بالفعل. ولم تعد هذه المهمة ممكنة بالاعتماد على الوسائل التقليدية وحدها، بعدما تغيرت عادات الجمهور، وتعددت مصادر تلقيه للمعلومات، وأصبحت المنصات الرقمية مساحة رئيسية لتشكيل النقاش العام والتأثير في اتجاهاته.
وقد كشفت تطورات عديدة، وفي مقدمتها الحرب في غزة، عن قدرة الأفراد وصُنّاع المحتوى على نقل الأحداث والصور والروايات إلى جمهور واسع وعابر للحدود، حتى في ظل القيود التي واجهت تداول بعض المواد على المنصات الرقمية. وفي المقابل، كشفت هذه التجربة عن تحديات تتعلق بالتحقق من المعلومات، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات، وقدرة المؤسسات الإعلامية على مواكبة سرعة الأحداث والتفاعل مع جمهور تغيرت أدواته وتوقعاته.
لكن الاعتراف بأهمية صُنّاع المحتوى لا يعني الخلط بين طبيعة نشاطهم والعمل الإعلامي المهني. فهناك فرق بين امتلاك القدرة على جذب الانتباه وتحقيق الانتشار، وبين امتلاك أدوات البحث والتحقق والتحرير، والخبرة التي تؤهل صاحبها لتناول القضايا المتخصصة بمسؤولية. وقد يجتمع الأمران في بعض التجارب، لكن لا يصح افتراض أن أحدهما ينتج الآخر تلقائيًا.
فعدد المتابعين لا يمنح صاحبه معرفة تلقائية، ومعدلات المشاهدة والتفاعل لا تمثل شهادة تخصص، والقدرة على الانتشار ليست بديلًا عن التأهيل. وليس المقصود هنا التقليل من قيمة صُنّاع المحتوى؛ فبينهم مواهب حقيقية وتجارب ناجحة، وبعضهم يقدم معرفة نافعة ويمتلك أدوات تواصل مؤثرة. إنما المقصود هو التمييز بين صناعة المحتوى بوصفها نشاطًا رقميًا واسعًا، وصناعة الوعي بوصفها مسؤولية تحتاج إلى معرفة وتخصص وتدقيق وإدراك للسياق.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال أزمة الإعلام في ظهور منافسين جدد على المنصات الرقمية، أو تحميل صُنّاع المحتوى مسؤولية التحولات التي يشهدها المجال. فالمؤسسات الإعلامية نفسها مطالبة بمراجعة أدائها، وطرح أسئلة حول قدرتها على الوصول إلى الجمهور، وتجديد أدواتها، وتطوير مضمونها. لماذا تراجع حضور بعض وسائل الإعلام لدى قطاعات من الجمهور؟ ولماذا أصبحت منصات وأفراد أكثر قدرة على جذب الانتباه والتفاعل؟ وهل لا تزال المؤسسات تنتج محتوى يتناسب مع اهتمامات الجمهور واحتياجاته، أم أنها تكرر أنماطًا لم تعد قادرة على المنافسة؟
إن الأزمة ترتبط بعوامل داخلية متعددة، من محدودية الموارد في بعض المؤسسات، وتراجع القدرة على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، إلى ضعف التجديد في أشكال المحتوى وأساليب تقديمه. وفي أحيان كثيرة، يبدو الإعلام وكأنه يلاحق ما تصنعه المنصات بدلًا من أن يمتلك رؤيته التحريرية الخاصة. وقد أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين بعض المؤسسات وجمهورها، وضعف قدرتها على مواكبة اهتماماته وتحولات تلقيه للمعلومات. ورغم هذه التحديات، تظل الصحافة المهنية ضرورة لا بديل عنها، بما تستند إليه من قواعد للتحقق والتدقيق والتحليل ووضع الأحداث في سياقاتها. وهو ما يجعل تطوير المنتج الصحفي وتجديد أدواته واستعادة ثقة الجمهور واهتمامه ضرورة تفرضها التحولات الراهنة، مع الحفاظ على المعايير المهنية.
أما تنظيم نشاط صُنّاع المحتوى، فيحتاج إلى مقاربة متوازنة تميز بين الأنشطة المختلفة. فليس كل من ينشر رأيًا أو يقدم معرفة أو يناقش قضية عامة بحاجة إلى ترخيص لمجرد التعبير عن رأيه. وفي المقابل، فإن المحتوى الإعلاني والتجاري المدفوع يطرح اعتبارات مختلفة تتعلق بالإفصاح عن طبيعة الإعلان، وحماية الجمهور، والمسؤولية عن الرسائل الترويجية. ويمكن في هذا السياق الاستفادة من تجارب تنظيمية، مثل تجربة «موثوق» في المملكة العربية السعودية، مع الانتباه إلى أن نطاقها يرتبط بترخيص الأفراد لتقديم الإعلانات عبر منصات التواصل، ولا تمثل ترخيصًا عامًا لكل أشكال صناعة المحتوى أو التعبير الشخصي.
وفي تقديري، تكمن أهمية المرحلة المقبلة في قدرة وزارة الدولة للإعلام على ترسيخ نموذج مختلف في إدارة الاتصال الحكومي، يقوم على التنسيق الفعّال، وتيسير الوصول إلى المعلومات، وبناء قنوات تواصل مستمرة مع المؤسسات الإعلامية وصُنّاع المحتوى، وفهم ما يشغل الرأي العام ويتفاعل معه. غير أن نجاح هذا الدور لا يرتبط بكثرة اللقاءات والفعاليات، بقدر ما يرتبط بوضوح الاختصاصات، وكفاءة الهيكل الإداري، والقدرة على تحويل هذا التواصل إلى سياسات وآليات عمل تحقق أثرًا ملموسًا في المشهد الإعلامي.
ولعل الملتقى المرتقب لصُنّاع المحتوى والمؤثرين المصريين يمثل فرصة للانتقال من مجرد اللقاءات إلى حوار منظم حول احتياجات هذا القطاع وحدود مسؤولياته، وكيفية دعم المحتوى الجاد وتعزيز حضوره محليًا ودوليًا. كما أن الحديث عن العمل على إصدار قانون لحرية تداول المعلومات يظل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، إذا تُرجم إلى إطار يضمن إتاحة المعلومات للمواطنين والإعلاميين والباحثين وصُنّاع المحتوى، ويعزز الشفافية والثقة.
في النهاية، لا أعتقد أن السؤال المطروح هو: هل نمنح صُنّاع المحتوى مساحة أكبر أم نحافظ على المؤسسات الإعلامية؟ فهذه ليست معادلة صفرية. السؤال الأهم هو: كيف نبني منظومة تتعدد فيها أدوات التأثير، وتتضح فيها الاختصاصات، وتظل فيها المعلومة الدقيقة والمعرفة والمسؤولية المهنية هي الأساس؟
فالدولة تحتاج إلى اتصال حكومي فعال يصل إلى الناس، وصُنّاع المحتوى يحتاجون إلى بيئة واضحة ومعلومات موثوقة، والمؤسسات الإعلامية تحتاج إلى مراجعة جادة لأدائها وتجديد أدواتها، والجمهور يحتاج إلى محتوى يساعده على الفهم، لا يكتفي بجذب انتباهه.
فصناعة المحتوى قد تصنع حضورًا، لكن صناعة الوعي تحتاج إلى معرفة ومسؤولية.