لم يعد التأثير في الرأي العام مقتصرًا على ما تنقله وسائل الإعلام أو تطرحه المنابر الفكرية، فقد أتاح الفضاء الرقمي فرصًا واسعة للتواصل وتبادل المعرفة، لكنه أوجد في الوقت نفسه مساحات يمكن استغلالها لنشر الشائعات وتزييف الحقائق وإثارة الانقسامات. وفي ظل هذا الواقع، تبرز ضرورة الانتباه إلى الحملات الإلكترونية المنظمة التي قد تستهدف توجيه الرأي العام، واستغلال الخلافات القائمة، وإشغال المجتمع بصراعات تصرف أنظاره عن قضاياه الحقيقية.
وتكمن خطورة هذه الحملات في قدرتها على تجاوز حدود الخبر الكاذب أو التعليق المسيء إلى التأثير في طبيعة العلاقات داخل المجتمع. فقد يُعاد نشر معلومة غير صحيحة مرات متتالية حتى يظن المتلقي أنها حقيقة، وقد تُقتطع تصريحات من سياقها لتبدو وكأنها تحمل معنى مغايرًا، وقد تتحول قضية محدودة إلى أزمة واسعة بفعل تداول روايات غير مكتملة، تتسع معها دائرة الاتهامات وتتراجع فرص الفهم الهادئ. وعندما تتراكم هذه الممارسات، يصبح الوعي العام عرضة للتشويش، ويغدو الخلاف بين المواطنين مدخلًا محتملًا للفتنة.
ومن هنا، فإن التعامل مع اللجان الإلكترونية لا ينبغي أن يكون مسألة عابرة أو رد فعل مؤقتًا، بل قضية تستدعي فهمًا لطبيعة عملها وأساليب التأثير التي قد تستخدمها. فالحسابات التي تعمل ضمن حملات منسقة يمكنها، متى توافرت لها الأدوات والموارد، أن تضخم موضوعات بعينها، وتعيد إنتاج رسائل متشابهة، وتستثير مشاعر الغضب والخوف، بما يؤثر في اتجاه النقاش العام. وقد تقف وراء بعض هذه الأنشطة مصالح سياسية أو تجارية أو جهات تسعى إلى التأثير من خارج الحدود، لكن تحديد المسؤوليات يظل مرهونًا بالأدلة والتحقيق الدقيق، لا بالظنون أو الاتهامات المتداولة.
ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التأمل لندرك أن المجتمع الذي يفقد القدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والشائعة يصبح أكثر قابلية للانقسام. فعندما يتلقى المواطن خبرًا يثير غضبه، ثم يسارع إلى نشره دون تحقق، فإنه قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى حلقة في سلسلة تضليل أوسع. وحين يشارك في اتهام شخص أو جماعة استنادًا إلى منشور مجهول، فإنه يسهم في توسيع دائرة الشك والخصومة. وهكذا تنتقل آثار التضليل من شاشة الهاتف إلى العلاقات الإنسانية، ومن خلاف محدود إلى حالة من الاحتقان قد تمتد تداعياتها إلى المجال العام.
ولذلك، فإن اليقظة الوطنية تبدأ من سلوك الفرد قبل أي شيء آخر. فالتثبت من مصدر الخبر، والتمييز بين المعلومة والرأي، والامتناع عن تداول المحتوى مجهول المصدر، ليست تفاصيل هامشية، وإنما ممارسات تحمي المجتمع من الانجرار وراء حملات قد لا تتضح أهدافها منذ البداية. كما أن التريث قبل إصدار الأحكام يمنح الحقيقة فرصتها في الظهور، ويحول دون ظلم الآخرين أو الإضرار بسمعتهم استنادًا إلى معلومات غير موثقة.
غير أن مواجهة التضليل تقتضي كذلك الحذر من الوقوع في الخطأ نفسه الذي نحاول التصدي له. فلا يجوز أن تتحول الشكوك بشأن بعض الحسابات إلى اتهامات جماعية، أو أن يُربط الانتماء إلى تيار ديني أو فكري بالمشاركة في حملات إلكترونية دون دليل. وقد شهدت النقاشات المتعلقة بهذه القضية خلطًا بين اتجاهات مختلفة داخل التيار السلفي، وهو خلط لا يساعد على فهم الواقع، بل يفتح المجال أمام خصومات جانبية لا تخدم المصلحة العامة. فالمسؤولية تُحدد وفق الأفعال والأدلة، لا وفق الانتماءات أو التصنيفات المسبقة.
كما أن التصدي لهذه الظاهرة لا يبرر الاندفاع إلى معارك تتجاوز معرفة أصحابها وخبراتهم. فالحماسة الوطنية، على أهميتها، تحتاج إلى وعي يوجهها، ومعرفة تضبط مسارها، وإدراك لما قد يترتب على التصريحات غير المحسوبة. ومن حق الشخصيات العامة والإعلاميين والمثقفين التحذير من حملات التضليل، بل إن لهم دورًا مهمًا في رفع مستوى الوعي، لكن هذا الدور يصبح أكثر فاعلية حين يستند إلى معلومات موثوقة، ويتجنب نشر الادعاءات غير المثبتة، ويحيل ما يتصل بالجرائم أو الأنشطة المشبوهة إلى الجهات المختصة.
ولوسائل الإعلام مسؤولية لا تقل أهمية، إذ ينبغي ألا تتحول مواقع التواصل إلى المصدر الوحيد لتحديد أولوياتها أو صياغة خطابها. فالمهنية تقتضي التحقق من الأخبار، ووضع الوقائع في سياقها الصحيح، وتفسير الأحداث بعيدًا عن التهويل والإثارة. كما تقتضي تقديم خطاب يشرح للمواطن كيفية اكتشاف التضليل، ويحترم حقه في الاختلاف، ولا يدفعه إلى اتخاذ مواقف متسرعة بناءً على معلومات ناقصة. فالإعلام الذي يكرر الادعاءات دون تمحيص قد يوسع أثرها، حتى عندما يكون هدفه المعلن كشفها.
وتبقى مسؤولية حماية السلم المجتمعي مشتركة بين الجهات المختصة ووسائل الإعلام والمواطنين. فالأولى مطالبة بالتعامل مع الأنشطة المخالفة للقانون وفق الأدلة والإجراءات القانونية، والثانية معنية بتعزيز الوعي العام، بينما يقع على المواطن واجب ألا يسمح للغضب أو الانحياز بأن يعطلا قدرته على التفكير. وبهذا التكامل يمكن مواجهة حملات التضليل دون تحويل المجتمع إلى ساحة للاتهامات المتبادلة أو التضييق على النقد المشروع.
إن مصر في حاجة إلى وعي يحفظ تماسك مجتمعها، ويصون حق أبنائها في الاختلاف، ويحول دون استغلال خلافاتهم لتحقيق أهداف لا تخدم مصالحهم. فالوحدة الوطنية لا تعني تطابق الآراء، وإنما تعني أن تظل الروابط التي تجمع المصريين أقوى من محاولات التحريض، وأن يبقى الحوار ممكنًا مهما تباينت المواقف. ولا تتحقق هذه الغاية بتخوين المختلف أو التشكيك في نواياه، بل بالاحتكام إلى الحقيقة، واحترام القانون، ورفض كل محاولة لإشعال العداوة بين المواطنين.
إن مواجهة اللجان الإلكترونية تبدأ بإدراك أن الكلمة المنشورة ليست دائمًا بريئة من الأثر، وأن إعادة تداول الشائعة قد تمنحها انتشارًا لم تكن لتحققه بمصدرها الأول. ومن ثم، فإن المسؤولية تقتضي أن نفكر قبل أن ننشر، وأن نتحقق قبل أن نتهم، وأن نميز بين النقد الذي يثري الحياة العامة والتحريض الذي يسعى إلى إفسادها.
حماية الوطن لا تكون بالانفعال، وإنما بوعي يمنع التضليل من السيطرة على العقول، وبمسؤولية تحول دون انتقال الخلاف إلى فتنة، وبتمسك بالحقيقة يحول بين الشائعة والمجتمع. وحين يدرك المصريون أن تماسكهم مصلحة مشتركة، وأن اختلافهم لا ينبغي أن يتحول إلى سلاح في أيدي الآخرين، يصبح الوعي خط الدفاع الأول عن استقرار البلاد، وتظل الكلمة المسؤولة إحدى أهم وسائل صون وحدتها.