رجب حافظ: زيارة الرئيس السيسي للمجر تعكس معادلة جديدة لإدارة المصالح المصرية بين توازنات السياسة وحسابات الاقتصاد الدولي
أكد رجب حافظ، عضو أمانة القبائل العربية المركزية بحزب مستقبل وطن، أن الزيارة الرسمية التي يجريها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى المجر تعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث لم تعد العلاقات السياسية والدبلوماسية مجرد قنوات للتواصل بين الدول، وإنما أصبحت جزءًا من معادلة أوسع لإدارة المصالح الاقتصادية وتأمين فرص التنمية وتعزيز القدرة على التعامل مع عالم تتداخل فيه اعتبارات الأمن والسيادة مع حركة التجارة والاستثمار والطاقة.
وأوضح حافظ أن التحولات الجيوسياسية الراهنة أعادت تعريف مفهوم القوة الاقتصادية، فلم يعد امتلاك الموارد أو اتساع الأسواق كافيًا لضمان موقع تنافسي متقدم، بل أصبحت قدرة الدول على بناء شبكة متنوعة من الشراكات، وتأمين مسارات تجارتها، وتوسيع خياراتها الاستثمارية والتكنولوجية، من العوامل الحاسمة في حماية مصالحها الوطنية. ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارة الرئيس السيسي إلى المجر أهميتها باعتبارها جزءًا من تحرك مصري أوسع لتعزيز العلاقات مع الشركاء الأوروبيين وتوسيع دوائر التعاون بما يخدم المصالح المصرية على المديين المتوسط والطويل.
وأشار إلى أن القيمة الاستراتيجية لأي علاقة دولية تتحدد بمدى قدرتها على خلق مصالح متبادلة تجعل التعاون أكثر استدامة، وهو ما يتطلب الانتقال من حدود التواصل السياسي إلى بناء روابط اقتصادية ترتكز على الاستثمار والإنتاج والتجارة وتبادل الخبرات. فالعلاقات التي تتأسس على مصالح اقتصادية حقيقية تصبح أكثر قدرة على الاستمرار في مواجهة التغيرات الدولية، لأنها لا تعتمد فقط على توافق المواقف، بل تستند أيضًا إلى منافع متبادلة يشعر بها مجتمع الأعمال والقطاعات الإنتاجية والمجتمع ككل.
وأضاف حافظ أن مصر تمتلك موقعًا جغرافيًا يمنحها أهمية استثنائية في حركة التجارة بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، إلا أن التحدي لا يتمثل في الموقع وحده، وإنما في القدرة على تحويل هذه الميزة إلى نفوذ اقتصادي من خلال جذب الاستثمارات، وتطوير الأنشطة الصناعية واللوجستية، وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتعزيز الصادرات. ويمكن للشراكات الأوروبية، ومنها الشراكة مع المجر، أن تسهم في دعم هذا التوجه متى ارتبطت بمشروعات عملية تتوافق مع أولويات التنمية المصرية وتحقق عائدًا واضحًا للطرفين.
ولفت إلى أن الاقتصاد والأمن يمثلان وجهين متداخلين في معادلة الاستقرار؛ فالتوترات الإقليمية والدولية لا تتوقف آثارها عند الحدود السياسية، بل تمتد إلى تكاليف الطاقة والنقل والتأمين وحركة السلع وثقة المستثمرين. ومن ثم، فإن استمرار التشاور السياسي بين مصر وشركائها بشأن القضايا الإقليمية والدولية يكتسب أهمية تتجاوز إدارة الأزمات، ليصبح جزءًا من حماية البيئة اللازمة للنمو الاقتصادي والحفاظ على انسيابية التجارة والاستثمار.
وأكد عضو أمانة القبائل العربية المركزية بحزب مستقبل وطن أن تنويع الشراكات الدولية لا يعني التحرك بمنطق الاستقطاب أو المفاضلة الصفرية بين القوى الكبرى، بل يعكس سعي الدولة إلى توسيع هامش خياراتها وتعزيز استقلالية قرارها الاقتصادي، من خلال إقامة علاقات متوازنة تحقق المصالح المشتركة وتستفيد من الفرص المتاحة في مختلف الأسواق. فكلما تعددت قنوات التعاون، زادت قدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع الصدمات الخارجية، وامتلكت الدولة مساحة أوسع للمناورة والتفاوض وتحقيق أفضل العوائد الممكنة.
وشدد حافظ على أن المرحلة المقبلة تتطلب قياس نتائج التحركات الدبلوماسية بمعايير اقتصادية واضحة، تشمل حجم الاستثمارات التي يمكن جذبها، وفرص التصنيع والتصدير، ومدى نقل التكنولوجيا والخبرات، وقدرة المشروعات المشتركة على خلق فرص عمل مستدامة. فالتقارب السياسي يمثل نقطة انطلاق مهمة، لكنه لا يصبح مكسبًا اقتصاديًا كاملًا إلا عندما يتحول إلى مشروعات منتجة وروابط مؤسسية مستمرة ومصالح متشابكة بين البلدين.
واختتم رجب حافظ بالتأكيد على أن زيارة الرئيس السيسي للمجر تعكس أهمية الجمع بين الرؤية السياسية بعيدة المدى والحساب الاقتصادي الواقعي، موضحًا أن الدولة القادرة على حماية مصالحها في عالم متغير هي التي تنجح في تحويل علاقاتها الخارجية إلى أدوات لتعزيز الإنتاج والاستثمار والاستقرار. فالمكانة الدولية لا تُبنى فقط بقدرة الدول على الحضور في المشهد السياسي، وإنما كذلك بقدرتها على تحويل هذا الحضور إلى قيمة اقتصادية مضافة، وفرص تنموية أوسع، ومرونة أكبر في مواجهة التحولات التي تعيد رسم خريطة المصالح العالمية.