هناك خيانة تبدأ برصاصة غدر تطلق على صدر مقاتل في الجبهة، وأخرى أشد مكرا تستهدف عقيدته قبل جسده، فتجعل من تضحيته جريمة، ومن إيمانه موضع اتهام، ومن دمه مادة في حسابات الأعداء.
تلك هي الحرب التي طاردت الجندي المصري في جبال اليمن؛ إذ لم يكتف خصومه بمواجهته بالسلاح، بل سعوا إلى اغتيال مكانته ورمزيته في وجدان أمته، واستدعوا المقدس لا لمواساة الأمهات المنتظرات على ضفاف النيل، وإنما لتسليح الدعاية بفتاوى التكفير والتحريض.
خلال ستينيات القرن الماضي، كان عشرات الآلاف من رجال القوات المسلحة المصرية يخوضون حربا ضارية بعيدا عن الديار والحقول.
وبينما كان الشهداء يسقطون مقبلين غير مدبرين، كانت أجهزة أجنبية تدير معركة موازية ضد معنوياتهم، مستثمرة الخصومات السياسية والدينية لتجريد المقاتل من شرعية وجوده على الجبهة.
وفي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تشارك سرا في إمداد القوات الملكية اليمنية التي تقاتل الجيش المصري، بالتنسيق مع شبكات بريطانية، كانت إدارة الدعاية البريطانية تصوغ منشورات تكفيرية باسم جماعة الإخوان المتأسلمين.
ولم تكن تلك الواقعة معزولة عن تاريخ أقدم من الاتصالات بين قيادات الجماعة والدوائر البريطانية، يعود إلى عهد مؤسسها حسن البنا، كما تكشف الوثائق التي درسها المؤرخ البريطاني
مارتن فرامبتون ، (Martyn Frampton) ومن هنا يفرض التاريخ سؤاله: كيف تحول اسم تنظيم يرفع راية الإسلام إلى غطاء استخباراتي لحملة تستهدف إيمان جنود مصر، بينما كانت إسرائيل تشارك في تسليح خصومهم؟
حسن البنا والاستخبارات البريطانية
عمالة بـ"القطعة" منذ التأسيس
لم تبدأ اتصالات الإخوان بالدوائر البريطانية مع صراعات الخمسينيات والستينات؛ فقد تابعت لندن التنظيم منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وتباينت تقديرات مسؤوليها لكيفية توجيهه لخدمة المصالح الإمبراطورية.
وفي كتابه «الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والتواصل» (The Muslim Brotherhood and the West: A History of Enmity and Engagement)، الصادر عام 2018، تتبع المؤرخ البريطاني مارتن فرامبتون (Martyn Frampton) تلك العلاقة عبر الوثائق الرسمية، كاشفا علاقة الشعارات الإخوانية بالمصالح الإستعمارية.
وتبرز في هذا السياق شهادة المستشرق البريطاني جيمس هيوورث دن (James Heyworth-Dunne)، المنشورة عام 1950، بشأن اتصالات جرت خلال الحرب العالمية الثانية، وطلب حسن البنا الحصول على أربعين ألف دولار وسيارة مقابل مساندة السياسة البريطانية، وهي الشهادة التي أكدها الرجل الثاني في تنظيم الإخوان المتأسلمين أحمد السكري.
وفي يوليو 1943، أوصى تقرير استخباراتي بريطاني من القاهرة بتعميق العلاقات الودية غير الرسمية مع مدرس الخط حسن البنا.
ثم جاء لقاء عام 1946، الذي وثقه المسؤول البريطاني والتر سمارت (Walter Smart)، ليكشف عن تقديم مؤسس الجماعة تنظيمه بوصفه قوة يمكن أن تخدم المصالح البريطانية في مواجهة الشيوعية وحماية الاستقرار.
كانت المفارقة صارخة: تنظيم يرفع شعارات مقاومة النفوذ الأجنبي أمام الجماهير، بينما تبحث قيادته مع ممثلي القوة المحتلة عن مساحات للتفاهم والمنفعة السياسية.
ولم تكن هذه الاتصالات تفصيلا هامشيا في تاريخ الجماعة، بل مدخلا لفهم موقعها في الحسابات البريطانية، وكيف رأت فيها بعض دوائر الإمبراطورية قوة يمكن توظيف نفوذها في مواجهة خصوم لندن داخل مصر.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه الوثائق أن العلاقة بين الجماعة والدوائر البريطانية لم تكن مجرد مراقبة أمنية لتنظيم ناشئ، وإنما امتدت إلى اتصالات سياسية مباشرة ومحاولات لاستثمار نفوذه داخل المجتمع المصري.
وهنا تتجلى المفارقة التي ينبغي ألا تغيب عن ذاكرة التاريخ: ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تناضل لإنهاء الاحتلال، كانت دوائر بريطانية تبحث عن قنوات اتصال مع قيادة تنظيم يرفع شعارات الخلافة واستاذية العالم.
ولم يكن السؤال البريطاني عن مدى إخلاص تلك الشعارات، بل عن مقدار ما يمكن أن يقدمه التنظيم من منفعة في معركة النفوذ على مصر.
التحالف ضد الوطن
مع قيام ثورة 23 يوليو 1952، دخلت مصر مرحلة حاسمة من الصراع لإنهاء الوجود العسكري البريطاني في منطقة قناة السويس.
وفي خضم مفاوضات الجلاء، كشفت مصادر رسمية وجود اتصالات بين قيادات إخوانية ومسؤولين بريطانيين تعود إلى أبريل 1953، بهدف تشويه مفاوضات الجلاء وإفشالها.
وتناول فرامبتون (Frampton) هذه الأزمة ضمن تاريخ العلاقة المتشابكة بين الجماعة والغرب، في مرحلة كانت فيها بريطانيا تراقب صعود السلطة الجديدة، وتبحث عن أوراق تأثير داخل المشهد المصري.
هكذا لم يكن الصراع بين عبد الناصر والإخوان منفصلا عن معركة السيادة الوطنية؛ فقد تداخلت فيه طموحات السلطة، ومفاوضات الجلاء، وحسابات القوة الاستعمارية التي كانت تدرك أن انتهاء وجودها العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء قدرتها على التأثير السياسي.
ومن هذه الخلفية يمكن قراءة ما جرى لاحقا في اليمن؛ حيث انتقلت المواجهة البريطانية مع القاهرة من صراع النفوذ الدبلوماسي إلى عمليات سرية استهدفت القوات المصرية ومشروع عبد الناصر الإقليمي.
يوليو 1964.. الأمر البريطاني بجعل حياة عبد الناصر جحيما
في يوليو 1964، أصدر رئيس الوزراء البريطاني
أليك دوجلاس هوم (Alec Douglas-Home) توجيها سريا إلى وزير خارجيته راب باتلر (Rab Butler)، دعا فيه إلى استخدام المال والسلاح لجعل حياة عبد الناصر جحيما، مع الحفاظ على سرية التحرك.
وكشف تحقيق هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي عربي» (BBC Arabic)، المنشور في 6 أكتوبر 2019، عن هذا التوجيه ضمن وثائق الحرب السرية البريطانية ضد مصر.
كانت بريطانيا تواجه تصاعد الحركات المناهضة لوجودها في عدن والجنوب العربي، بينما كانت القاهرة تدعم تلك الحركات وتساند النظام الجمهوري في اليمن.
ولذلك أصبح استنزاف الجيش المصري جزءا من حسابات الدفاع عن المصالح البريطانية في المنطقة.
ولم تقتصر المواجهة على إمداد القوات الملكية اليمنية بالمساعدات عبر شبكات سرية، بل امتدت إلى الحرب النفسية؛ حيث سعت الأجهزة البريطانية إلى تقويض معنويات القوات المصرية وتشويه شرعية وجودها العسكري.
وكان أخطر ما في تلك الحرب أنها لم تستهدف القرار السياسي وحده، وإنما حاولت الوصول إلى وجدان المقاتل، وتحويل انتمائه الديني إلى أداة ضده.
فبراير 1967.. تكفير الجنود المصريين باسم الإخوان
في فبراير 1967، أعدت إدارة أبحاث المعلومات البريطانية (Information Research Department – IRD) منشورا باسم «جمعية الإخوان المسلمين الدولية»، يستهدف القوات المصرية المشاركة في حرب اليمن.
وكشف تحقيق «بي بي سي عربي» (BBC Arabic) أن المنشور صيغ بالعربية، ثم ترجم إلى الإنجليزية لاعتماده لدى المسؤولين البريطانيين قبل توزيعه.
لم تكن العملية مجرد تكفير؛ فقد استخدم المنشور اتهامات تتعلق بالأسلحة الكيميائية للطعن في إيمان الجنود المصريين، ودعا المسلمين إلى مقاطعتهم وعدم التعاون معهم، محاولا تحويل الخلاف حول الحرب إلى إدانة عقائدية للمقاتلين أنفسهم.
وهنا بلغت الحرب النفسية أكثر مستوياتها خطورة: أن تصبح العقيدة مادة تصوغها أجهزة الدعاية الأجنبية، وأن يتحول الجندي الذي يواجه الموت إلى متهم في دينه، بينما تختبئ الجهة التي صنعت الاتهام وراء اسم تنظيم إسلامي معروف.
وحمل المنشور مفارقة أشد إثارة؛ إذ تساءل عن سبب عدم توجيه الجيش المصري إلى قتال إسرائيل بدلا من اليمن، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تشارك سرا في دعم القوات الملكية المناوئة للقوات المصرية.
( نفس الدعاية الخبيثة تتكرر الآن : لماذا لا يحارب الجيش المصري في غزة !!)
لقد استُخدم اسم إسرائيل في الخطاب الدعائي لتأليب الرأي العام على الجيش المصري، بينما كانت اسرائيل نفسها تعمل في الخفاء لإمداد خصومه.
ولم تكن الدعاية البريطانية السامة بحاجة إلى إعلان هويتها؛ فقد وجدت في اسم الجماعة وسيلة لإيصال رسالتها من داخل المجال العربي والإسلامي.
وهكذا التقت في الوثيقة الواحدة ثلاثة عناصر: هدف بريطاني يتمثل في إضعاف مصر، وخطاب تكفيري موقع من جماعة الإخوان لتجريد جنودها من الشرعية، ومفارقة إسرائيلية تكشف التناقض بين شعارات التحريض وواقع العمليات السرية في اليمن.
وتكشف هذه العملية عن واحدة من أكثر مفارقات الحرب النفسية قسوة؛ فقد احتاجت الأجهزة البريطانية إلى خطاب يحمل ملامح الشرعية الدينية كي تهاجم جنود مصر، فاختارت أن تضع اسم الإخوان على منشور التكفير. ولم تكن تلك مجرد حيلة لتضليل القارئ بشأن هوية الكاتب، بل محاولة لانتزاع الإدانة من ساحة السياسة إلى ساحة العقيدة، بحيث يبدو الجندي المصري مدانا أمام المؤمنين قبل أن يحاكمه خصومه في ميدان الحرب. هكذا تحولت هوية التنظيم، في حسابات الدعاية البريطانية، إلى وسيلة لإضفاء المصداقية على رسالة صيغت أصلا لخدمة مصالح دولة أجنبية.
إسرائيل في سماء اليمن.. التحالف السري بالدم والسلاح
لم تكن إسرائيل مراقبا محايدا لحرب اليمن، بل شاركت في عمليات جوية سرية لإمداد القوات الملكية بالأسلحة والمعدات.
وقد وثق المؤرخ آشر أوركابي (Asher Orkaby)، في كتابه «ما وراء الحرب الباردة العربية: التاريخ الدولي للحرب الأهلية اليمنية 1962–1968» (Beyond the Arab Cold War: The International History of the Yemen Civil War, 1962–68)، مشاركة طيارين وملاحين إسرائيليين في تلك العمليات، التي جرى تنظيمها بمساعدة مرتزقة بريطانيين.
كان الهدف إطالة انشغال الجيش المصري بالصراع اليمني وإضعاف قدرته على التركيز في جبهات أخرى، فضلا عن إتاحة فرص لمراقبة بعض قدراته العسكرية.
وهنا تكتمل صورة الحرب متعددة الأدوات: بريطانيا تدعم أعداء مصر عبر شبكات سرية، وإسرائيل تشارك في إمدادهم جوا، وأجهزة الدعاية البريطانية تكتب باسم الإخوان منشورات تكفيرية ضد الجنود المصريين.
لم تكن البنادق والمنشورات تعمل بالطريقة نفسها، لكنها استهدفت في النهاية إضعاف الموقف المصري؛ فالسلاح يضغط على القوات في الميدان، والدعاية تضرب صورتها في الوعي العام.
وفي هذا المشهد التاريخي تتضح طبيعة تقاطع المصالح : إسرائيل تدعم عسكريا القوات التي تواجه الجيش المصري، وبريطانيا تدير عمليات سرية لمساندة تلك القوات، وأجهزتها الدعائية تستخدم اسم الإخوان لتكفير الجنود المصريين.
لم تكن هذه الأدوار متطابقة، لكنها التقت عند نتيجة واحدة هي الضغط على مصر واستنزاف قوتها العسكرية والسياسية.
ومن هنا تأتي أهمية استدعاء الوثائق عند قراءة الخطاب الإعلامي المعاصر؛ فالخطر لا يكمن في الاختلاف حول قرار سياسي، وإنما في تحويل المعلومات غير الصحيحة إلى سلاح يستهدف ثقة المجتمع بجيشه ومؤسساته.
من تكفير الجنود في اليمن
إلى قرار الدفاع عن السعودية عام 2026
بعد نحو ستة عقود، يعود اليمن إلى واجهة النقاش المصري، لكن في سياق استراتيجي مختلف.
ففي السادس والعشرين من أكتوبر 2026، وافق مجلس النواب المصري على تفويض فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم المملكة العربية السعودية في الدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها، بالتنسيق بين البلدين، وسط تهديدات إقليمية تمس أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب.
وليس استدعاء حرب اليمن في الستينيات أمرا مستغربا؛ فالتجربة تركت آثارا عميقة في الذاكرة العسكرية والسياسية المصرية.
والدرس الذي تمنحه الوثائق البريطانية هنا يتجاوز حدود المقارنة العسكرية.
ففي الستينيات، لم تكن الحرب على الجيش المصري مقصورة على الجبهة؛ إذ استخدمت أجهزة الدعاية الإخوانية لإنتاج خطاب تكفيري يستهدف إيمان جنوده، بينما كانت إسرائيل تشارك في دعم خصومهم.
أما اليوم، فإن إعلام الإخوان ، أو غرفه لإدارة الحرب النفسية ضد مصر تحاول ان تعيد نفس السردية !!
وهنا تتجدد أهمية قراءة تاريخ اتصالات الجماعة بالدوائر البريطانية منذ عهد حسن البنا؛ لا باعتباره بديلا عن فحص المواقف المعاصرة، وإنما بوصفه خلفية تكشف كيف يمكن أن تتداخل الشعارات الإخوانية مع حسابات النفوذ الخارجي، و مادة قابلة للاستثمار في صراعات الأمن القومي.
لقد تبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوى، لكن الذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تنسى ما جرى حين حاولت أجهزة أجنبية أن تجعل من إيمان الجندي المصري سلاحا ضده.
فمصر التي تحمي حدودها لا تنفصل عن مصر التي تصون وعي أبنائها؛ والجيش الذي يواجه الأخطار بالسلاح يحتاج إلى مجتمع يميز بين النقد والدعاية الإخوانية السامة، وبين الوقائع والشائعات، وبين استحضار التاريخ لفهم الحاضر واستغلاله لتشويه الحقيقة.