عاجل

النائبه حنان سليمان: زيارة الرئيس السيسي للمجر تعكس توظيف الدبلوماسية الاستراتيجية في إعادة تموضع الاقتصاد المصري داخل خريطة المصالح الدولية.

حنان سليمان
حنان سليمان

أكدت النائبة الدكتورة حنان سليمان، عضو مجلس الشيوخ السابق ونائب رئيس جامعة بني سويف الأهلية السابق، أن الزيارة الرسمية التي يجريها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى المجر تعكس توجهًا مصريًا نحو توظيف العلاقات السياسية والشراكات الدولية في إعادة صياغة فرص الحضور الاقتصادي للدولة، في مرحلة لم تعد فيها السياسة الخارجية منفصلة عن حسابات الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا، بل أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية التي تحدد قدرة الدول على حماية مصالحها وتوسيع خياراتها داخل نظام دولي يشهد تحولات عميقة في موازين القوة ومراكز التأثير.

وأوضحت سليمان أن أهمية الزيارة تنبع من تلاقي مسارين متكاملين؛ أولهما سياسي يرتبط بتوسيع دوائر الحركة المصرية داخل أوروبا وتعزيز قنوات التشاور مع الشركاء الدوليين، وثانيهما اقتصادي يستهدف الاستفادة من هذا الرصيد السياسي في بناء علاقات أكثر اتصالًا باحتياجات الاقتصاد الوطني، سواء في مجالات الاستثمار والصناعة أو نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات البشرية. فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على إدارة العلاقات بين الدول، وإنما كذلك بمدى نجاحها في خلق بيئة مواتية لتدفق المصالح والمنافع المتبادلة.

وأضافت أن التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي تفرض على الدول إعادة تقييم مفهوم الشراكة الدولية، إذ لم يعد كافيًا أن تتوسع العلاقات السياسية أو يرتفع حجم التبادل التجاري ما لم يصاحب ذلك تطور في القدرات الإنتاجية ونوعية الاستثمارات وموقع الدولة داخل سلاسل القيمة العالمية. ومن هذا المنطلق، فإن أحد الأبعاد المهمة لزيارة الرئيس السيسي إلى المجر يتمثل في إمكانية البناء على العلاقات الثنائية لتطوير تعاون يتجاوز حركة السلع والأسواق، وصولًا إلى تبادل الخبرات والتكنولوجيا وتعزيز الروابط بين المؤسسات الاقتصادية والعلمية في البلدين.

وأكدت أن مصر، بما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي وبنية أساسية ومقومات لوجستية وسوق واسعة، تستطيع أن توظف شراكاتها الدولية في دعم موقعها كمركز للإنتاج والتجارة والخدمات المرتبطة بالأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية. غير أن تحويل هذه المقومات إلى ميزة تنافسية مستدامة يتطلب أن ترتبط العلاقات الخارجية بأولويات واضحة للتنمية، وأن تتجه الشراكات إلى أنشطة تضيف قيمة للاقتصاد المحلي، وتدعم التصنيع، وتزيد القدرة على التصدير، وتتيح فرصًا أوسع أمام الشركات المصرية للاندماج في الأسواق الدولية.

ولفتت سليمان إلى أن البعد الأكاديمي والتكنولوجي يمثل أحد المسارات الأكثر أهمية في تطوير العلاقات المصرية المجرية، لأن التنافس الدولي بات يرتبط بصورة متزايدة بامتلاك المعرفة والقدرة على توطين التكنولوجيا وإنتاجها، وليس مجرد استيرادها. ومن ثم، فإن توسيع التعاون في التعليم والبحث العلمي والتدريب المتخصص يمكن أن يحقق عائدًا يتجاوز المؤسسات التعليمية ذاتها، ليصل إلى كفاءة سوق العمل، وقدرة الصناعة على التطور، واستعداد الاقتصاد لاستيعاب التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة.

وأشارت إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري أصبح جزءًا من معادلة الأمن الاقتصادي للدول، فكلما امتلكت الدولة كوادر مؤهلة ومؤسسات قادرة على تطوير المعرفة وتطبيقها، زادت قدرتها على جذب الاستثمارات النوعية وتحقيق عائد أكبر منها. ولذلك، فإن الشراكات الدولية الأكثر جدوى هي التي تربط التمويل والخبرة والتكنولوجيا ببناء القدرات المحلية، وتؤسس لتعاون مستمر بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والقطاع الخاص، بما يجعل التنمية عملية تراكمية لا تتوقف بانتهاء المشروعات أو الزيارات الرسمية.

وأضافت أن البعد السياسي للزيارة لا ينفصل عن هذه الحسابات الاقتصادية، إذ يمنح التواصل المباشر بين القيادات مساحة لتنسيق المواقف وتوسيع مجالات التفاهم، ويهيئ مناخًا أكثر ملاءمة لتطوير العلاقات في الملفات ذات الاهتمام المشترك. كما أن تنويع الشراكات المصرية يعزز قدرة الدولة على الحركة في بيئة دولية معقدة، ويوسع خياراتها الاقتصادية والدبلوماسية، دون الارتهان لمسار واحد أو التعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الاستقطاب، وإنما وفق رؤية تقوم على تعدد المصالح وتحقيق التوازن الاستراتيجي.

وشددت سليمان على أن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من القيمة السياسية للتقارب إلى القيمة الاقتصادية القابلة للقياس، عبر تحديد مجالات تعاون ذات أولوية، وتطوير مشروعات وبرامج تنفيذية، وربط الاتفاقات باحتياجات الإنتاج والتشغيل والتكنولوجيا. فنجاح الشراكات الدولية لا يتحقق بمجرد توافق الرؤى، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في بنية الاقتصاد، وتحسين إنتاجيته، وتوسيع فرص العمل النوعية، وتعزيز قدرة المؤسسات الوطنية على المنافسة.

واختتمت الدكتورة حنان سليمان بالتأكيد على أن زيارة الرئيس السيسي للمجر تعكس إدراكًا لأهمية الربط بين الحضور السياسي للدولة ومصالحها الاقتصادية بعيدة المدى، موضحة أن قوة السياسة الخارجية تظهر عندما تتحول شبكة العلاقات الدولية إلى قدرة على بناء المعرفة وتوطين التكنولوجيا وتوسيع القاعدة الإنتاجية. فالمعادلة الاستراتيجية الأكثر استدامة هي التي لا تكتفي بتعزيز مكانة الدولة في دوائر التفاوض، وإنما تمنح اقتصادها أدوات أكثر قوة للتأثير والمنافسة وصناعة الفرص في عالم تتداخل فيه اعتبارات السياسة مع محددات الثروة والتقدم.

تم نسخ الرابط