عاجل

النائبه حنان سليمان: مشاركة الرئيس السيسي في قمة موسكو تضع بناء الإنسان والتكنولوجيا في قلب معادلة التنمية الإفريقية.

حنان سليمان
حنان سليمان

أكدت النائبة الدكتورة حنان سليمان، عضو مجلس الشيوخ السابق ونائب رئيس جامعة بني سويف الأهلية السابق، أن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الروسية الإفريقية الثالثة بالعاصمة الروسية موسكو تطرح رؤية تنموية تتجاوز المفهوم التقليدي للتعاون الدولي، من خلال الربط بين الاستثمار والإنتاج وبناء القدرات البشرية والتكنولوجية، مشيرة إلى أن مستقبل الاقتصادات الإفريقية لن يتحدد فقط بحجم ما تمتلكه من موارد طبيعية، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية مضافة، وتطوير كوادر بشرية قادرة على إدارة التحولات الصناعية والرقمية المتسارعة.

وأوضحت سليمان أن كلمة الرئيس السيسي حملت دلالة مهمة بشأن ضرورة الانتقال بالعلاقات الروسية الإفريقية من مرحلة تقييم الإنجازات إلى مرحلة أكثر عملية وطموحًا، تقوم على ترجمة التفاهمات السياسية إلى مشروعات تنموية تستجيب لاحتياجات الدول الإفريقية، مؤكدة أن التحدي الحقيقي أمام القارة يتمثل في بناء نموذج اقتصادي قادر على الجمع بين استثمار الموارد، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير التعليم، ورفع إنتاجية الإنسان، بما يضمن أن تتحول الشراكات الدولية إلى نتائج ملموسة ومستدامة.

وأضافت أن التنمية في مفهومها الحديث لم تعد ترتبط فقط بإقامة المصانع أو تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة الدول على إعداد الإنسان للتعامل مع اقتصاد تتغير أدواته ومهاراته ومتطلباته بصورة متسارعة. فالمصنع الحديث يحتاج إلى عمالة مؤهلة، والتحول الرقمي يحتاج إلى كوادر متخصصة، والاستثمار التكنولوجي يحتاج إلى بيئة تعليمية وبحثية قادرة على إنتاج المعرفة وتطويرها وتطبيقها. ومن ثم، فإن الاستثمار في التعليم والتدريب والبحث العلمي يمثل جزءًا أصيلًا من البنية الاقتصادية للدولة، وليس مجرد ملف خدمي منفصل عن خطط النمو.

وشددت سليمان على أهمية بناء جسور أكثر فاعلية بين الجامعات وقطاعات الصناعة والاستثمار، بحيث تصبح البرامج التعليمية أكثر ارتباطًا بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل، وتتجه البحوث العلمية نحو تقديم حلول عملية للتحديات الإنتاجية والتكنولوجية. وأكدت أن الجامعات تمتلك دورًا يتجاوز تخريج الكوادر المؤهلة إلى المشاركة في بناء اقتصاد المعرفة، من خلال دعم الابتكار، وتطوير التطبيقات التكنولوجية، وتعزيز ثقافة ريادة الأعمال، وإعداد أجيال قادرة على التعامل مع التحولات التي تفرضها المنافسة العالمية.

وأشارت إلى أن التعاون المصري الروسي في مجالات الصناعة والطاقة والاستثمار يوفر فرصًا يمكن البناء عليها لتعزيز هذا المسار، لا سيما في ضوء المشروعات الاستراتيجية، وفي مقدمتها محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وأوضحت أن الأهمية التنموية لهذه المشروعات لا تقتصر على أبعادها الاستثمارية، بل تشمل ما يمكن أن تتيحه من فرص لتطوير الخبرات الفنية، ونقل المعرفة، وتأهيل الكوادر، وربط التعليم والتدريب بالاحتياجات المتخصصة للمشروعات الصناعية والتكنولوجية.

وأكدت أن تعظيم العائد من الشراكات الدولية يتطلب ألا يظل نقل التكنولوجيا مقتصرًا على استيراد المعدات أو تشغيل الأنظمة الحديثة، بل يجب أن يمتد إلى بناء القدرة المحلية على الفهم والتطوير والصيانة والابتكار، بما يساعد على تقليل الفجوة المعرفية، ويمنح الاقتصاد المصري قدرة أكبر على الاستفادة من الاستثمارات طويلة الأجل. فكلما امتلكت الدولة كوادر مؤهلة تستطيع التعامل مع التكنولوجيا وتطوير تطبيقاتها، ارتفعت قدرتها على تحويل الاستثمارات إلى قيمة مضافة مستدامة، وزادت فرص مشاركة الشركات والمؤسسات الوطنية في مراحل الإنتاج المختلفة.

ولفتت سليمان إلى أن اعتماد إعلان التعاون الروسي الإفريقي في الاستخدامات المدنية لتقنيات الذكاء الاصطناعي يعكس تنامي أهمية التكنولوجيا في صياغة مستقبل العلاقات الاقتصادية، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجالًا محدودًا بقطاع تكنولوجيا المعلومات، بل أصبح أداة يمكن أن تؤثر في الصناعة والزراعة والخدمات والتعليم والرعاية الصحية وإدارة الموارد. غير أن الاستفادة الحقيقية منه تتطلب إعداد الكفاءات البشرية، وتطوير البنية الرقمية، وتعزيز البحث العلمي، ووضع آليات تضمن استخدام هذه التقنيات بصورة مسؤولة وفعالة تخدم احتياجات المجتمعات.

وأضافت أن الدول الإفريقية تمتلك فرصة مهمة لتجاوز بعض مراحل التطور التقليدي من خلال توظيف التكنولوجيا في معالجة تحديات قائمة، مثل رفع كفاءة الإنتاج الزراعي، وتحسين إدارة المياه، وتطوير الخدمات، وتقليل الهدر في الموارد، وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة. لكن هذه الفرصة تظل مرتبطة بقدرة الدول على بناء منظومات تعليمية وتدريبية مرنة، وتوفير بيئة تشجع الابتكار، وتحويل الأفكار والأبحاث إلى تطبيقات عملية قابلة للتوسع، بدلًا من الاكتفاء باستيراد الحلول التقنية دون بناء قدرات محلية قادرة على تطويرها.

وأكدت أن رؤية الرئيس السيسي بشأن تعزيز التجارة البينية الإفريقية وتطوير الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية ترتبط كذلك بملف بناء الإنسان، لأن توسيع الأسواق ورفع كفاءة حركة التجارة يخلقان احتياجات جديدة للمهارات في مجالات الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والإدارة والتكنولوجيا. كما أن زيادة الترابط الاقتصادي بين الدول الإفريقية يمكن أن توسع فرص العمل أمام الشباب، وتدعم نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفر أسواقًا أكبر للمنتجات والخدمات، بما يعزز الصلة بين التنمية الاقتصادية وتحسين الفرص المتاحة للأجيال الجديدة.

وأوضحت سليمان أن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب أيضًا توجيه الاستثمار نحو القطاعات التي ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والمائي، وتوظيف البحث العلمي والتكنولوجيا في تطوير الزراعة وتحسين إدارة الموارد الطبيعية ورفع كفاءة الإنتاج. فالتحديات المرتبطة بالمياه والغذاء لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة عن الاقتصاد، لأنها تؤثر في استقرار المجتمعات، وتكلفة الإنتاج، وقدرة الدول على تحقيق نمو طويل الأجل. ومن هنا، تبرز أهمية التكامل بين التعليم والبحث العلمي والاستثمار في تطوير حلول تستجيب لخصوصية التحديات الإفريقية.

وشددت على أن نجاح الشراكات الروسية الإفريقية يتطلب احترام أولويات الدول الإفريقية، وتوجيه التعاون نحو بناء قدراتها الذاتية، بحيث تكون التكنولوجيا والمعرفة والاستثمارات أدوات لتعزيز استقلال القرار الاقتصادي، وليس مجرد وسائل لتوسيع التبادل التجاري. وأكدت أن الشراكة الأكثر استدامة هي التي تساعد الدول على تطوير مؤسساتها وكفاءاتها، وتمنحها القدرة على إدارة مواردها بكفاءة، وتوفر لها فرصًا حقيقية للمشاركة في الاقتصاد العالمي من موقع أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة.

وأضافت أن خطة عمل منتدى الشراكة الروسية الإفريقية للفترة من 2027 إلى 2029 تمثل إطارًا يمكن البناء عليه لتطوير التعاون خلال المرحلة المقبلة، مشيرة إلى أن أهمية هذه الخطة ستتحدد بمدى قدرتها على ترجمة التفاهمات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ في مجالات الصناعة والتعليم والتكنولوجيا والاستثمار، مع الاهتمام ببناء القدرات البشرية ونقل الخبرات وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشروعات. فالتنمية لا تتحقق بمجرد إتاحة الفرص، وإنما بوجود مؤسسات وكفاءات قادرة على استثمارها وتحويلها إلى نتائج مستدامة.

واختتمت النائبة الدكتورة حنان سليمان بالتأكيد على أن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الروسية الإفريقية الثالثة تعكس أهمية وضع الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا في صميم الشراكات الاقتصادية الدولية، مشيرة إلى أن القيمة الحقيقية لأي تعاون تنموي تظهر في قدرته على بناء أجيال أكثر تأهيلًا، واقتصادات أكثر إنتاجية، ومجتمعات أكثر قدرة على مواكبة التحولات العالمية. وأكدت أن امتلاك الموارد يمنح الدول فرصة للانطلاق، لكن امتلاك المعرفة والمهارات والقدرة على الابتكار هو ما يحدد قدرتها على تحويل هذه الفرصة إلى تنمية حقيقية ومستدامة.

تم نسخ الرابط