عاجل

في السياسة، لا تُقرأ الخرائط بألوانها وأسمائها فحسب، بل بما تكشفه من تصورات للقوة، وحسابات للنفوذ، ورؤية لمستقبل الإقليم. وحين يعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خريطة للتحالفات الإقليمية في سياق حديثه عن الأمن القومي الإسرائيلي، فإن أهمية المشهد لا تكمن في أسماء الدول التي تظهر عليها وحدها، بل في الطريقة التي ترى بها إسرائيل محيطها، والاتجاهات التي تسعى إلى تعزيزها، والتحديات التي قد تفرضها حساباتها على أمن المنطقة ومصالحنا. 

الخريطة التي ظهرت في العرض الإسرائيلي سبق أن نُشرت في مايو 2026 على موقع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، ضمن قراءة تحليلية لاتجاهات الاصطفاف الإقليمي. وهي ترصد تقاربًا إسرائيليًا إماراتيًا، ومحور إيران والقوى المرتبطة بها، إلى جانب تقارب يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان. لكن هذه التصنيفات لا تعني بالضرورة قيام تحالفات مكتملة أو اتفاقات ملزمة؛ فقيمة الخريطة تكمن في ما تكشفه عن تصورات التنافس وموازين القوة، لا في اعتبارها إعلانًا رسميًا عن أحلاف نهائية. ومع ذلك، فإن ظهورها في سياق الرؤية الأمنية الإسرائيلية يطرح تساؤلات مهمة بشأن طبيعة الترتيبات التي قد تتشكل في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

وتكشف الخطة الإسرائيلية لتعزيز الإنفاق الدفاعي عن حسابات تتجاوز تطوير القدرات العسكرية إلى الاستعداد لاحتمالات تغير البيئة السياسية الدولية. فإعلان نتنياهو تخصيص نحو 450 مليار شيكل لتعزيز القدرات الدفاعية خلال العقد المقبل يتزامن مع قلق إسرائيلي معلن من مستقبل العلاقة مع واشنطن، واحتمال تراجع مستوى الدعم إذا وصلت إدارة أمريكية أقل تأييدًا لإسرائيل. ومن هنا، تبدو السنوات المتبقية من ولاية دونالد ترامب، وفق الحسابات التي طرحها نتنياهو، فرصة لتسريع تنفيذ أولويات إسرائيل الاستراتيجية، بالتوازي مع بناء قدرات دفاعية محلية وتوسيع خياراتها العسكرية. والمسألة لا تتعلق بحجم الإنفاق وحده، بل بمحاولة تقليل أثر أي تحول محتمل في الموقف الأمريكي، ومنح إسرائيل مساحة أوسع للحركة في إقليم تتشابك فيه اعتبارات القوة والأمن والتحالفات.

وعندما تقترن هذه الحسابات العسكرية برؤية إسرائيلية لإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية، يصبح من الضروري النظر إلى ما يتجاوز حدود المواجهة مع إيران. فالسودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر وباب المندب تمثل دوائر استراتيجية تتقاطع فيها مصالح دول عديدة، وتتصل بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالأمن المصري. فاستقرار السودان يرتبط بأمن الحدود المصرية، والقرن الأفريقي يشهد تنافسًا على النفوذ والمواقع الحيوية، فيما تمثل الممرات البحرية شريانًا أساسيًا للتجارة الدولية وللمصالح الاقتصادية المصرية، وفي مقدمتها قناة السويس.

ولا تكمن الخطورة في كل تحرك منفرد بقدر ما تكمن في الأثر التراكمي للتحولات حين تتداخل جغرافيًا وسياسيًا. فالتغير في موازين النفوذ داخل دولة مجاورة، أو تصاعد التنافس على موقع استراتيجي مطل على البحر الأحمر، قد يترك آثارًا تتجاوز حدود المكان الذي تجري فيه هذه التحولات. ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن تنحصر قراءة الخريطة في تحديد الدول التي يضعها هذا الطرف أو ذاك ضمن محور معين، بل تمتد إلى فهم المصالح التي تحكم هذه الاصطفافات، وما قد تحمله من تغيرات في طبيعة التوازنات الإقليمية وحسابات المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، يكتسب الموقف المصري المعلن بشأن أمن السعودية دلالة تتجاوز حدود التضامن السياسي. فقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم لدعم المملكة إذا طلبت ذلك، فيما أُرجئ التصويت البرلماني على التفويض المطلوب لاتخاذ إجراءات دفاعية إلى يوم الاثنين القادم 26 أكتوبر 2026. ويعكس هذا التطور أهمية التنسيق العربي في مواجهة التحديات الأمنية، مع ضرورة التمييز بين إعلان الاستعداد للدعم، واستكمال الإجراءات الدستورية، وأي قرار لاحق بشأن طبيعة المشاركة أو نطاقها. فلكل خطوة سياقها وحساباتها، ولا يصح التعامل معها باعتبارها أمرًا واحدًا.

وتبرز أهمية هذه الملفات في ضوء الترابط بين أمن مصر ومحيطها العربي والأفريقي والبحري. فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر للتجارة، وباب المندب ليس نقطة عبور بعيدة عن القاهرة؛ بل إن أمن هذه المساحات يرتبط بحرية الملاحة واستقرار حركة التجارة، كما يرتبط بما تملكه الدول المطلة عليها من قدرة على حماية مصالحها. وأي اضطراب ممتد في هذه المنطقة قد ينعكس على الملاحة وقناة السويس، بينما يمكن للتحولات في السودان والقرن الأفريقي أن تضيف أبعادًا جديدة إلى التحديات التي تواجه الدولة المصرية.

لذلك، فإن التعامل مع هذه التطورات لا يقتصر على رصد التحركات أو إعلان المواقف، بل يتطلب قراءة مستمرة لموازين القوة، وتقديرًا للمخاطر المحتملة، وتوظيفًا مدروسًا للأدوات السياسية والدبلوماسية والأمنية. فالدول لا تحمي مصالحها بمجرد إدراك التهديدات، وإنما بقدرتها على الاستعداد لها، وبناء الشراكات التي تخدم أهدافها، والحفاظ على تعدد خياراتها في بيئة لا تثبت فيها التحالفات على صورة واحدة.

وفي قلب القرار، لا تكمن المسألة في الخرائط التي ترسمها القوى الإقليمية لمستقبل المنطقة، بل في قدرة مصر على قراءة ما وراءها، واستباق تداعياتها، وحماية مصالحها في محيط تتغير فيه موازين القوة وتتداخل فيه حسابات الأمن والنفوذ. فحين تصبح الجغرافيا ساحة لإعادة ترتيب التحالفات، تظل يقظة الدولة وقوة قرارها هما الضمانة الأهم لصون أمنها القومي والحفاظ على مكانتها.

تم نسخ الرابط