في قراءة استراتيجية متأنية لما يجري من الخرطوم إلى مقديشو، ومن غزة إلى طرابلس وبيروت، وصولا إلى ضفاف الخليج العربي، يبرز سؤال محوري لا يمكن القفز عليه، ولا يمكن لأي مراقب موضوعي تجاهله: من الذي يكبح جماح الفوضى ويمنع المنطقة من الانزلاق إلى هاوية شاملة؟
الإجابة لا تحتاج إلى تلميحات دبلوماسية ولا إلى قراءة ما بين السطور .. إنها القاهرة.
أولا: السودان.. حين تنتصر المؤسسة على المليشيا
قبل أيام قليلة، وتحديدا في التاسع والعاشر من أكتوبر 2026، شن الجيش السوداني أعنف ضرباته الجوية في محور غرب كردفان، مستهدفا أرتال قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، ومدمرا أكثر من 80 آلية عسكرية وناقلة وقود في محاور غبيش والنهود.
هذا التقدم النوعي لم يأت من فراغ حيث سيطرة الجيش على مفاصل شمال كردفان، بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وتنة، وقطع طرق الإمداد بين دارفور والوسط، أجبر حميدتي نفسه على الخروج في رسالة مصورة يقر فيها بأن "الحرب تطورت وأصبحت حرب مسيّرات"، مطالبا قواته بتغيير التكتيكات ومؤكدا "إنها مسألة أن نكون أو لا نكون".
فمن وراء هذا التحول الميداني؟
إنه الموقف المصري الصلب الذي تجلى بوضوح في إعلان العلمين المشترك حين أعلنت مصر، بلا مواربة، دعمها الكامل لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفضها القاطع لإنشاء أي كيانات موازية، ورفضها الكامل لأي دعم للمرتزقة. وهو موقف لم يعد مجرد بيان دبلوماسي، بل أصبح حجر الزاوية الذي يمنع تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة لأجندات إقليمية ودولية.
ثانيا: القرن الإفريقي.. لماذا تصرخ إثيوبيا؟
الحدث الأبرز الذي كشف قواعد اللعبة الجديدة كان في 4 أكتوبر 2026 بمدينة العلمين الجديدة و بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، انعقدت قمة رباعية تشاورية جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال، وأصدرت وثيقة ستصبح مرجعية إقليمية وهي "إعلان العلمين".
الإعلان بدا في ظاهره بسيطا، لكنه في جوهره كان قنبلة استراتيجية تكمن في احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، رفض التدخل في الشؤون الداخلية تحت أي ذريعة، التأكيد على أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، ورفض أي إجراءات أحادية تضر بحقوق دولتي المصب في نهر النيل.
والرد الإثيوبي جاء فاضحا وسريعا من خلال وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (إينا) نشرت مقالا هجوميا اتهمت فيه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بـ "الخيانة" لمجرد مشاركته في إعلان العلمين، معتبرة أن هذا التحالف الرباعي يهدد المصالح الإثيوبية في حوض النيل والبحر الأحمر.
وهنا يكمن السؤال الجوهري: من الذي أقلق أديس أبابا وأفقدها توازنها؟
إنها القاهرة التي لم تعد تكتفي بالدفاع، بل انتقلت إلى الهجوم الاستراتيجي الهادئ فالقاهرة استعادت دورها التاريخي في القرن الإفريقي، وبنت تحالف ردع حقيقي يضم مقديشو وأسمرة والخرطوم.
تحالف يقول بوضوح لا لبس فيه: لا اعتراف بما يسمى أرض الصومال، لا تفريط في سيادة الصومال، ولا مساس بأمن البحر الأحمر.
وقد وصفت دوائر إعلامية عربية القمة بأنها "ترسم خطوطا حمراء جديدة في وجه المشاريع التوسعية".
ثالثا: من غزة إلى ليبيا ولبنان.. خفض العدوان ليس صدفة
في غزة، القاهرة هي غرفة العمليات الحقيقية للتهدئة حيث اتصالات لا تنقطع مع كل الأطراف، بالتنسيق مع قطر وتركيا والسعودية وباكستان، لفرض وقف إطلاق النار ومعالجة الكارثة الإنسانية والدفع نحو حل الدولتين كحل وحيد مستدام.
في ليبيا، تدعم مصر وحدة الأراضي ومؤسسات الدولة وتدفع بقوة نحو تسوية سياسية تنهي حالة الانقسام المزمن.
وفي لبنان، كشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية نفسها عن مبادرة مصرية لإنقاذ لبنان من الانهيار، عبر تنسيق مصري-فرنسي مدعوم خليجيا لتأجيل صدام نزع السلاح وتثبيت استقرار المؤسسات.
هل كل هذا يحدث بمحض الصدفة؟
رابعا: إيران والخليج.. من الذي أوقف الصواريخ؟
الملف الأخطر كان في يونيو 2026، حين كادت حرب مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران أن تشعل الإقليم بأكمله وتقارير دولية، منها ما نشرته وكالة شينخوا ومواقع تحليل استراتيجي، أكدت أن مصر لعبت دور الوسيط الخفي والفعال، عبر قنوات اتصال نشطة، ساهمت في سد الفجوات وتهيئة المناخ لمذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية في 18 يونيو ووقف إطلاق النار.
مصر تتبع ما يسميه الخبراء "سياسة التوازن الاستراتيجي" فهي تملك علاقات واسعة مع الخليج والقوى العظمى، وقدرات أمنية واستخباراتية نادرة، تمكنها من احتواء التصعيد دون ضجيج.
النتيجة المباشرة؟ تراجعت إيران عن استهداف الخليج بشكل مباشر، واستعاضت عنه بتحريك أدواتها غير المباشرة .. واليوم، الهجمات الحوثية المتكررة على أمن السعودية تثبت أن التهديد لم يعد افتراضيا، بل أصبح يمس العمق الوطني للمملكة بشكل مباشر.
أخيرا: هل على مصر أن تعلن دورها الخفي؟
وهنا نصل إلى الأسئلة الحاسمة التي يجب أن نطرحها بلا تردد:
من الذي حمى الملاحة في باب المندب هو نفسه من يحمي أمن جدة.
ومن دعم وحدة الصومال هو نفسه من يؤمن سواحل البحر الأحمر المقابلة للمملكة.
ومن أسقط مشروع تقسيم السودان هو نفسه من يمنع تسلل المرتزقة والإرهاب إلى خاصرة الأمن العربي.
ومن كبح جماح طهران في حرب يونيو هو نفسه الذي يدرك أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
فهل تعتقدون أن من يقف وراء كل ما سبق، لا يقف وراء المملكة العربية السعودية؟
مصر لا تبحث عن شعارات ولا عن بيانات استعراضية هي تمارس دور "القوة الهادئة" التي تطفئ الحرائق قبل أن تصل نيرانها إلى الرياض والقاهرة والخرطوم ومقديشو في آن واحد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن، وبقوة: هل آن الأوان أن تتخلى مصر عن صمتها الاستراتيجي؟ هل على القاهرة أن تعلن بوضوح عن دورها الخفي في استقرار المنطقة؟
لقد دأبت الدبلوماسية المصرية على العمل في الظل، تاركة للآخرين ضجيج التصريحات، ومكتفية بتحقيق النتائج على الأرض. وكما قال مصدر مصري رفيع ردا على الهجوم الإثيوبي: "الجانب الإثيوبي دأب على تعليق فشله في إدارة ملفاته على شماعة وجود دور لأطراف خارجية للتغطية على أزماته".
لكن في عالم تتصارع فيه الروايات وتُصنع فيه البطولات الوهمية على منصات التواصل، فإن الصمت لم يعد فضيلة دائما.
إن إعلان الدور المصري ليس بحثا عن مجد، بل هو تحصين للوعي العربي، ورسالة ردع لكل من يظن أن أمن المنطقة مستباح، وتأكيد للشعوب الخليجية والعربية أن هناك عمقا استراتيجيا حقيقيا يقف خلفها.
التاريخ سيسجل أنه في لحظة كادت فيها المنطقة أن تنفجر من كل الجهات، كان هناك عقل استراتيجي واحد في العلمين يعيد ترتيب الأوراق، ويعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي بهدوء الواثق.
إنه الدور المصري.. فمن غيره قادر عليه؟