عاجل

عزيزي الأب الذي تراقب من بعيد هذه الخناقة اليومية بين زوجتك وأبنائك، لا تقترب، ولا تحاول أن تقترب حتى لا تسمع ما لا يرضي رجولتك، والتي تبدو في نظرها في هذه اللحظة أمرًا مستفزًا، كونك تمارس ما يسمى بـ«التنظير».. فمن يده في الماء ليس كمن يده في النار.

كأب لا يجيد المذاكرة لأبنائه، كثيرًا ما أقع في المحظور، وأحاول الاقتراب من هذه المنطقة المحظورة، من باب إبداء الرأي وإثبات أنني موجود وأشارك في هذه المهمة، التي لم أتعرض لها يومًا طوال رحلتي التعليمية، منذ التحقت بالتعليم وحتى تخرجت.

ومعظمنا نحن الآباء الذين لم يمنحهم الله القدرة أو الصبر على ممارسة المذاكرة لأبنائهم، لا تحمل ذاكرتنا أن أحدًا ذاكر لنا يومًا، كما نرى اليوم في بيوتنا مع هذا الجيل.

الشكوى من معاناة الأمهات في المذاكرة لأبنائهن أصبحت عامة، لدرجة دفعت كثيرين إلى الحديث عنها، خاصة بعد انتشار فيديو لإحدى الأمهات وهي تصور ابنها أثناء المذاكرة، وتهدده بأنه إذا لم ينتهِ من واجباته فسوف تنشر الفيديو على صفحة وزارة الداخلية ليأخذوه إلى السجن، في محاولة للترهيب.

استوقفتني نقاط عدة عند مشاهدة هذا الفيديو، كما استوقفت الكثيرين.

أولها مشهد بكاء الطفل، الذي أصبح صوتًا مسموعًا كل ليلة في معظم البيوت، ويبدو أنه يزداد عامًا بعد عام، كالكابوس المصاحب للعام الدراسي.

هل هناك أمهات بهذه القسوة؟

وهل هناك أمهات تعاني إلى هذه الدرجة؟ ولماذا؟ وما السبب في أن يتحول المشهد من تعليم وتشجيع على حب العلم إلى مهمة شاقة، ظاهرها الخناق والسباب والضرب والوعيد والبكاء، وباطنها الانتهاء فقط من واجب المدرسة؟

كيف لمن لم يتعلم بهذه الطريقة أن يتقبلها أمامه ويقتنع بها؟ وكيف يمكن أن يرى نتيجتها؟

ثم ما حكاية صفحة وزارة الداخلية التي يتخذها البعض في مثل هذه المواقف التمثيلية وسيلة للترهيب؟ ألا نعطي مؤسسات الدولة وقارها؟ وماذا ننتظر إذا زرعنا في نفوس أبنائنا صورة كهذه عن مؤسسة مهمة في بناء المجتمع، وربطنا في أذهانهم بينها وبين العقاب والسجن؟

وفي المقابل، ظهرت أصوات تنادي بإعادة النظر في المناهج، باعتبارها ـ وفقًا لما يطرحونه ـ لا تتناسب مع أعمار الأطفال، مع ضرورة تخفيف الضغوط الواقعة على الأسر.

وهنا يجب أن نشير أولًا إلى الجهة المنوط بها هذا الأمر، وهي وزارة التربية والتعليم، التي طالما تحدثت عن اهتمامها بالجوانب النفسية والتعليمية لأبنائنا. وهذا، في تقديري، اختبار حقيقي لهذه الرؤية، وأثق في قدرتها على التعامل معه.

لكن أين أهل علم النفس والاجتماع من دراسة هذه الظاهرة؟ أين الدراسات التي تبحث في أسبابها، وتضع نتائجها أمام الأسر والجهات المعنية؟ فما الفائدة من تحصيل درجات دون تحصيل علم حقيقي، يواكب تطورات العصر، ويستفيد منه أبناؤنا في حياتهم ومستقبلهم؟

وأثق أيضًا في أن لأهل الاختصاص دورًا مخلصًا يمكن أن يسهم في فهم هذه الأزمة، بعيدًا عن التعميم أو إلقاء المسؤولية على طرف واحد.

في النهاية، ربما تكون هناك عوامل أخرى، غير المناهج وصعوبتها، تقف وراء هذه المعاناة التي تتحدث عنها الأسر.

فالضغط مشترك بين الآباء والأمهات والأبناء، وكل منهم أصبح مضغوطًا بأمور أخرى في حياته.

ومن الظلم أن نقارن بين جيل تخطى الأربعين وبين هذا الجيل.

صحيح أن كل شيء تقريبًا قد تطور، وتغيرت أدوات التعليم ووسائل المعرفة، لكن الحياة نفسها كانت أكثر هدوءًا.

كنا نعود من المدرسة، نلعب، ثم نذاكر.. ولم تكن المذاكرة معركة يومية، ولا كان الواجب المدرسي مشروعًا للخناق، ولا كانت درجات الامتحان وحدها هي المقياس الذي تُقاس به قيمة الطفل.

ربما نحتاج جميعًا إلى أن نتوقف قليلًا..

الأم تحتاج أن تتذكر أنها أم قبل أن تكون مدرسة، والأب يحتاج أن يدرك أن دوره ليس التنظير من بعيد، والطفل يحتاج أن يشعر أن البيت مكان للأمان قبل أن يكون مكانًا للواجبات.

أما التعليم، فلا ينبغي أن تكون غايته أن نُخرج طفلًا أنهى واجبه، وإنما أن نُخرج إنسانًا أحب أن يتعلم.

فإذا كان الطريق إلى العلم يمر كل ليلة بالبكاء والخوف والصراخ، فعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق:

هل نحن نعلّم أبناءنا فعلا .. أم نعلّمهم فقط كيف ينجون من المذاكرة؟

تم نسخ الرابط