عاجل

تحليل اتفاق جرينلاند الأمني.. نفوذ أمريكي متزايد مع صون السيادة الدنماركية

ترامب - جرينلاند
ترامب - جرينلاند

ينقل الاتفاق الأمني الجديد المرتقب بين الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند قضية الجزيرة من إطار الخلاف حول الملكية والسيادة إلى ترتيب طويل الأمد لتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات الأمنية في منطقة القطب الشمالي، مع توسيع الدور الأمريكي في حماية الجزيرة ومراقبة محيطها الاستراتيجي.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة، أن واشنطن حصلت على ما وصفه بـ«سيطرة دائمة» على أمن جرينلاند، في إطار اتفاق يتضمن توسيع الوجود العسكري الأمريكي ومنع خصوم الولايات المتحدة من إنشاء قواعد أو تنفيذ استثمارات حساسة في الجزيرة.

وفي المقابل، أكدت كوبنهاجن وحكومة جرينلاند استمرار سيادة المملكة الدنماركية على الجزيرة، إلى جانب حق سكان غرينلاند في تقرير مصيرهم.

المواجهة في غرينلاند - كيف يستخدم ترامب الرسوم الجمركية للضغط على أوروبا ولماذا تُعدّ أوكرانيا مهمة | آر بي سي-أوكرانيا

ومن المنتظر توقيع الاتفاق خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع المقبل، على أن يخضع بعد ذلك للإجراءات البرلمانية المطلوبة.

ويكشف التباين في توصيف الاتفاق بين الأطراف الثلاثة جانبًا أساسيًا من دلالاته السياسية، إذ يقدم ترامب النتيجة باعتبارها تثبيتًا دائمًا للمصلحة الأمنية الأمريكية، بينما تضعها الحكومة الدنماركية في إطار التعاون الأطلسي مع الحفاظ على وحدة أراضي المملكة.

أما رئيس حكومة جرينلاند ينس فريدريك نيلسن، فينظر إلى الترتيب باعتباره تعزيزًا لأمن الجزيرة وموقعها في التعاون الدولي.

ولا يزال النص الكامل للاتفاق بعيدًا عن النشر حتى الآن، ما يبقي نطاق الصلاحيات التي ستحصل عليها الولايات المتحدة، خصوصًا فيما يتعلق بالاستثمارات والمنشآت العسكرية وإدارة المخاطر الخارجية، مفتوحًا أمام التدقيق إلى حين صدور الوثيقة النهائية.

قدرة أمريكية أوسع

ويستند الوجود العسكري الأمريكي في جرينلاند إلى اتفاق الدفاع الموقع عام 1951، قبل أن يؤدي تعديل أُدخل عليه عام 2004 إلى إشراك حكومة جرينلاند بصورة أوضح في ترتيبات التشاور، مع تحديد قاعدة بيتوفيك الفضائية باعتبارها منطقة الدفاع الأمريكية الرئيسية في الجزيرة.

وألزم الاتفاق واشنطن كذلك بإبلاغ الدنمارك وجرينلاند قبل إجراء تغييرات مهمة في العمليات والمنشآت، بينما تؤدي قاعدة بيتوفيك حاليًا أدوارًا في الإنذار المبكر، والمراقبة الفضائية، ودعم العمليات في المناطق القطبية.

يتوقع ترامب أن تصبح غرينلاند تحت السيطرة الأمريكية قبل انتهاء ولايته - وجهات نظر الاتحاد الأوروبي

ومن شأن الاتفاق المرتقب أن يغير وزن هذه البنية القائمة أكثر مما يؤسس وجودًا أمريكيًا من الصفر، إذ تحتفظ الدنمارك بالمركز القانوني للسيادة على الجزيرة، بينما تحصل واشنطن على قدرة أوسع على تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها.

وفي الوقت نفسه، تشارك حكومة جرينلاند بصورة مباشرة في ترتيب يتعلق بالدفاع والاستثمار والبنية التحتية الحساسة.

وبذلك تتجه جرينلاند نحو نموذج تظل فيه السيادة القانونية إطارًا لاتخاذ القرار، بينما يمنح الاتفاق الأمني الولايات المتحدة نفوذًا واسعًا في تحديد الأطراف التي يمكنها الوصول إلى القطاعات الاستراتيجية في الجزيرة.

ويرى خبير العلاقات الدولية مايكل أوهيرلي، في تصريحات صحفية، أن أهمية الترتيب تكمن في تحويل الأمن في منطقة القطب الشمالي إلى التزام مؤسسي مستقر يمكن أن يمتد عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

وأوضح أن منظومات الإنذار الصاروخي والدفاع الفضائي والمراقبة البحرية تحتاج إلى درجة من الاستمرارية تتجاوز دورات السياسة الداخلية الأمريكية.

ويعتبر أوهيرلي أن بقاء جرينلاند ضمن المملكة الدنماركية يوفر للاتفاق غطاءً أطلسيًا واضحًا، في حين تمنح المشاركة المباشرة لحكومة الجزيرة أهمية سياسية متزايدة، مع تطور مطالب الحكم الذاتي واستمرار النقاش بشأن الاستقلال مستقبلًا.

ترامب يقول إن غرينلاند "سترغب بنا" في حين أظهر استطلاع للرأي معارضة كبيرة لمساعيه - nj.com

الاستثمارات والنفوذ الخارجي

ولا يقتصر البعد الأمريكي في الاتفاق على القواعد والمنشآت العسكرية، إذ يرتبط أيضًا بالاستثمارات الحساسة، بعدما ربط ترامب الترتيب بمنع خصوم الولايات المتحدة من بناء منشآت عسكرية أو الدخول في قطاعات استراتيجية داخل غرينلاند.

وتملك الصين اهتمامًا قديمًا بالمعادن والبنية التحتية في الجزيرة، إلا أن معظم المشاريع الصينية الكبيرة التي طُرحت خلال العقد الماضي تعطلت نتيجة اعتبارات أمنية دنماركية وأمريكية.

وشملت تلك المشاريع مقترحات مرتبطة بالمطارات وقطاعات التعدين، ما يجعل القيود الجديدة أقرب إلى إجراء وقائي مؤسسي يستهدف منع ترسيخ نفوذ استراتيجي خارجي، وليس ردًا على وجود عسكري صيني قائم بالفعل في الجزيرة.

وتدفع هذه الصيغة السياسة الأمريكية كذلك من التدخل في صفقات أو مشاريع محددة إلى إنشاء قواعد دائمة لفحص النفوذ الخارجي، في تحول يربط الأمن العسكري بملفات المعادن والطاقة والموانئ والاتصالات والبيانات.

يتصاعد ضغط ترامب بشأن غرينلاند مع تحرك مشرع جمهوري لجعلها الولاية الأمريكية الحادية والخمسين

كما تمنح هذه المعادلة جرينلاند موقعًا متقدمًا في المنافسة على سلاسل الإمداد في القطب الشمالي، خصوصًا مع تنامي أهمية العناصر الأرضية النادرة وتوسع النشاط الروسي في شمال أوراسيا.

وأوضح محلل شؤون الأمن القومي الأمريكي مارك توث أن القيمة العسكرية لجرينلاند ترتبط بموقعها بين أمريكا الشمالية وأوروبا، فضلًا عن الدور الذي تؤديه قاعدة بيتوفيك في مراقبة المسارات القطبية.

وقال توث، في تصريحات صحفية، إن تعزيز البنية العسكرية الأمريكية في الجزيرة يمثل امتدادًا لمنظومة الدفاع القاري والأطلسي أكثر من كونه انتشارًا عسكريًا منفصلًا.

وأضاف أن استدامة الاتفاق ستعتمد على إدارة دقيقة للعلاقة مع كوبنهاغن ونوك وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، مشيرًا إلى أن القوة الاستراتيجية للترتيب تزداد عندما تنسجم الصلاحيات الأمريكية مع المؤسسات المحلية والالتزامات الأطلسية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في منطقة تشهد توسعًا في المنافسة على الملاحة والموارد والبنية التحتية.

دونالد ترامب وغرينلاند: لماذا قد يرغب في شرائها؟ - بي بي سي نيوز

ترتيب أمني جديد

وفي المحصلة، يؤسس الاتفاق المرتقب لترتيب أمني أكثر وضوحًا في القطب الشمالي، مع احتفاظ الدنمارك بالسيادة القانونية على غرينلاند، وحصول حكومة الجزيرة على اعتراف مباشر بمصالحها وحق سكانها في تقرير مستقبلهم، في الوقت الذي توسع فيه الولايات المتحدة قدرتها على حماية وجودها العسكري ومنع منافسين استراتيجيين من ترسيخ موطئ قدم في منطقة حساسة.

غير أن المدى الفعلي لهذا النفوذ وحدوده القانونية سيظل مرتبطًا بالتفاصيل النهائية للاتفاق، التي لم تُنشر بعد، وبما ستتضمنه الوثيقة بشأن الصلاحيات الأمريكية في مجالات الأمن والاستثمار والمنشآت والبنية التحتية.

تم نسخ الرابط