الدفاع الجوي الإيراني في الاختبار الصيني.. والمشكلة أكبر من الصاروخ
تحول الأداء الضعيف للدفاع الجوي الإيراني خلال الحرب إلى اختبار محرج للتكنولوجيا الصينية الموجودة لدى طهران، وسط نقاش عسكري وتحليلي يحمل جانبا من المسؤولية لطريقة تشغيل هذه المعدات ودمجها، وليس بالضرورة لكفاءة الرادارات والمنظومات الصينية نفسها.
وتقوم رواية متداولة في أوساط عسكرية وتحليلية صينية على أن إيران لم تنجح في استيعاب التكنولوجيا الصينية، التي تختلف عن المعدات الروسية والإيرانية التي اعتمدت عليها دفاعاتها لسنوات، خصوصاً عند محاولة دمج منظومات من مدارس عسكرية مختلفة ضمن شبكة واحدة للإنذار والقيادة والسيطرة.
وقال خبير واستشاري متعاون مع الخارجية الصينية، طلب عدم الكشف عن اسمه، في تصريحات صحفية، إن تحليلات صينية تركز على «سوء الإدارة وسوء التشغيل وسوء دمج هذه المنظومات داخل شبكات الدفاع الجوي الإيراني»، إلى جانب صعوبة استيعاب تكنولوجيا تختلف عن الأنظمة الروسية أو الإيرانية.
وأضاف أن حساسية التعاون العسكري بين بكين وطهران، والاتهامات الأمريكية للصين بتزويد إيران بالتكنولوجيا والمكونات، تجعل صدور تقييمات رسمية علنية بشأن أداء المعدات خلال الحرب أمراً مستبعداً، ليبقى جانب كبير من النقاش داخل الدوائر العسكرية والتحليلية.
السلاح أم المشغّل؟
لم تُبن شبكة الدفاع الجوي الإيرانية على نظام تقني واحد، بل تضم منظومات محلية مثل «باور-373» و«خرداد»، وأخرى روسية مثل S-300 وTor، إلى جانب رادارات ومكونات وتقنيات صينية.
وبالتالي، لا يرتبط نجاح الدفاع الجوي بقدرة صاروخ منفرد على إصابة طائرة فقط، بل بسلسلة تبدأ باكتشاف الهدف ونقل بياناته وتصنيفه، ثم ربط الرادارات بمراكز القيادة، وصولاً إلى اختيار البطارية المناسبة وإصدار أمر الاشتباك خلال وقت قصير.
ويرى الاستشاري أن إدخال منظومات ذات تقنيات مختلفة إلى شبكة اعتاد مشغلوها على معدات روسية أو محلية يجعل تقييم السلاح اعتماداً على النتائج الميدانية وحدها أمراً غير دقيق.
ويضيف أن المشغّل الصيني المدرب على منظومة مصنعة في بلاده سيكون أكثر قدرة على استغلال إمكاناتها، بينما لا يمكن افتراض المستوى نفسه لدى أفراد الجيش أو الحرس الثوري الإيراني عند تشغيل تجهيزات حديثة لم يعتادوا استخدامها.
اختبار للتكنولوجيا الصينية
برز خلال الأشهر الماضية اسم الرادار الصيني «YLC-8B» وسط تقارير عن وجوده ضمن شبكة الدفاع الجوي الإيرانية، وهي معلومات قال الاستشاري إنها لم تحظَ بتأكيد رسمي من بكين أو طهران.
كما تحدثت تقارير استخباراتية عن احتمال مساهمة الصين في إعادة بناء بعض قدرات الدفاع الجوي الإيراني بعد حرب الأيام الـ12، لكن طبيعة المعدات وآلية وصولها، وما إذا كانت نُقلت مباشرة أو عبر وسطاء، بقيت من دون تأكيد رسمي.
وبالنسبة إلى بكين، فإن اختبار معدات صينية في حرب حقيقية يتجاوز أهميته إيران، إذ تراقب الدول المصنعة للسلاح أداء تجهيزاتها عند استخدامها ميدانياً، وقد يؤثر ذلك في صورتها لدى المشترين المحتملين.
وقال الاستشاري إن عدم قدرة الدفاعات والرادارات الإيرانية على منع الاختراقات الأمريكية والإسرائيلية يمثل نتيجة غير مريحة للصناعة الصينية، حتى إذا لم تكن المعدات الصينية السبب المباشر في الإخفاق.
التفوق الجوي ليس مسؤولية المشغّل وحده
لكن تحميل المشغّل الإيراني المسؤولية وحده لا يفسر الصورة كاملة، إذ دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة بتفوق في الاستخبارات والاستطلاع والحرب الإلكترونية والسيبرانية، إلى جانب الربط بين القدرات الجوية والفضائية ومنظومات القيادة والسيطرة.
كما أن اتساع مساحة إيران وتوزع دفاعاتها يمكن أن يخلق ثغرات وممرات تستغلها منظومات الاستخبارات والقيادة المتطورة للوصول إلى الأهداف.
وبحسب الاستشاري، فإن إخفاق شبكة الدفاع الجوي قد يكون نتيجة تراكم عدة عوامل، بينها صعوبة التكامل بين المعدات الإيرانية والروسية والصينية، ومستوى الخبرة في تشغيل التكنولوجيا الجديدة، والتفوق التقني والاستخباراتي للمهاجم.
ويعني ذلك أن وجود رادار أو معدات صينية داخل شبكة جرى اختراقها لا يعني تلقائياً أن المعدات نفسها فشلت.
وشدد الاستشاري على عدم وجود مواقف رسمية معلنة تتبادل فيها بكين وطهران المسؤولية عن الإخفاق، معتبراً أن بعض ما ينشر عن «الخلاف الصيني الإيراني» قد يتداخل مع الحرب الإعلامية ومحاولات استدراج ردود رسمية من الطرفين.
إيران تعود إلى شراء السلاح الصيني
رغم الجدل، واصلت طهران البحث عن التكنولوجيا الصينية لتعويض خسائرها.
وكشفت «رويترز» في 29 يوليو/تموز عن اتفاق لشراء ما بين 300 و400 منظومة دفاع جوي محمولة على الكتف من طرازي QW-12 وFN-16، بقيمة تتراوح بين 60 و70 مليون دولار، ضمن جهود إعادة بناء الدفاعات الإيرانية قصيرة المدى.
كما أشارت وثائق حصلت عليها صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية إلى خطط إيرانية لشراء 250 منظومة QW-12 وإرسال فنيين عسكريين إلى الخارج للتدرب على تشغيلها وصيانتها، وهي نقطة تكتسب أهمية في ظل الجدل حول التدريب وكفاءة التشغيل.
ونفت بكين رسمياً تقارير الصفقة، لكن الاستشاري أشار إلى أن وجود تقنيات صينية لدى إيران لا يعني بالضرورة انتقالها عبر صفقات حكومية مباشرة، في ظل إمكانية الحصول على مكونات إلكترونية وتقنيات مزدوجة الاستخدام عبر شركات ودول وسيطة.
المشكلة في الشبكة لا في الصاروخ وحده
يرى الخبير العسكري والاستراتيجي محمد يوسف النور أن الجدل حول كفاءة المعدات الصينية يحجب مشكلة أكبر كشفتها الحرب، وهي امتلاك إيران عدداً كبيراً من وسائل الدفاع الجوي من دون تحويلها إلى شبكة متكاملة بالمعنى العملياتي.
وقال النور، في تصريحات صحفية، إن «المشكلة ليست في عدد الصواريخ والرادارات، ولا يمكن اختزالها في كفاءة المشغّل وحده، وإنما في هندسة الشبكة التي تربط المستشعرات ومراكز القيادة ووسائط الاعتراض».
وأوضح أن جمع منظومات إيرانية وروسية وصينية بمعايير وبرمجيات مختلفة قد يجعل الرادار متطوراً والصاروخ فعالاً، لكن أي خلل في نقل البيانات أو القيادة والسيطرة يمكن أن يحولهما إلى «جزر دفاعية منفصلة».
وأضاف أن التفوق الأمريكي والإسرائيلي في الاستخبارات والاستطلاع والحرب الإلكترونية جعل هذه الثغرات أكثر خطورة، مشيراً إلى أن المهاجم لا يحتاج بالضرورة إلى تدمير جميع منظومات الدفاع الجوي، بل يمكنه اكتشاف نقاط الانقطاع بينها واستغلال الممرات التي تضعف فيها قدرتها على تبادل المعلومات والاستجابة.



