حين سبقت الصحافة كتب التاريخ.. علي السيد : الأهرام انفردت برصد تأسيس السعودية
رصد الكاتب الصحفي علي السيد انفراد جريدة الأهرام برصد الخطوات الأولى لتأسيس الدولة السعودية قبل قرن وربع القرن ، في مقال مجمع بكافة التفاصيل والذي كتبه مدعما برسالة مراسل الجريدة بالسعودية حينها.
وكتب الكاتب الصحفي علي السيد كافة التفاصيل وهي كالاتي :
في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، تستعيد المملكة العربية السعودية ذكرى اليوم الذي أُعلن فيه توحيد البلاد باسمها الحالي ، وبين استعادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الرياض في الخامس من شوال 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م، وإعلان المملكة بعد ثلاثة عقود، امتد مسار سياسي وعسكري طويل رصدته صحيفة " الأهرام" بدقة.
خبر وراء خبر، وحدث يترتب عليه أحداث ، كان الأهرام بمثابة وسيلة اتصال بين ما يجري في الجزيرة العربية وصداه في المنطقة والعالم.
ومن خلال قراءة ما نشر في الصحيفة ندرك أنها وضعت تحركات الملك عبدالعزيز في بؤرة الأهتمام، وكأنها تدرك أن حدثاً كبيراً يتشكل .
لذلك ظلت ترصد الحدث لحظة ميلاده، والمعارك وقت احتدامها، والقرار وقت صدوره.
العودة إلى أرشيف «الأهرام» تكشف جانبًا مهمًا من بدايات ذلك المسار؛ فقد تابعت الصحيفة أخبار الملك عبدالعزيز وتحركاته قبل استعادة الرياض، ثم واصلت رصد تطورات الأحداث خلال السنة الأولى التي أعقبتها.
وتبرز هذه الحقيقة في دراسة تاريخية أعدتها الدكتورة مشاعل حمود الشبيب بعنوان «السنة الأولى من استعادة الرياض في ضوء أخبار صحيفة الأهرام المصرية (1319–1320هـ / 1902–1903م): قراءة تحليلية ومقارنة مع ما جاء في المصادر المحلية»، نشرتها مجلة الجمعية التاريخية السعودية التابعة لجامعة الملك سعود في عددها الصادر في يونيو 2026م.
تعاملت الدراسة مع أخبار «الأهرام» بوصفها شواهد صحفية معاصرة للحدث، وأخضعتها للفحص والمقارنة بالمصادر التاريخية المدونة اللاحقة؛ بهدف ضبط الوقائع وتسلسلها الزمني، والكشف عن طبيعة التلقي السياسي والعسكري الإقليمي لاستعادة الرياض.
وتكشف الدراسة عن دلالة تتجاوز تاريخ استعادة الرياض إلى تاريخ الصحافة العربية نفسها.
«الأهرام» لم تبدأ متابعتها بعد اكتمال الحدث، وإنما رصدت مقدماته وتحركات أطرافه وهي لا تزال تتشكل على الأرض ، حيث تناولت تلك التطورات في حينها، ورصدتها عسكريًا وسياسيًا بصورة متتابعة.
الخبر قبل الحدث الكبير
في 21 شوال 1318هـ الموافق 12 فبراير 1901م، أي قبل استعادة الرياض بنحو أحد عشر شهرًا، نشرت «الأهرام» في عددها رقم 6964 خبرًا عن أوضاع نجد وآل سعود، واستخدمت فيه عبارة «بلاد نجد وملحقاتها»، مشيرة إلى أنها كانت تحت إمرة آل سعود الذين توارثوا الإمارة.
ويكتسب هذا التعبير دلالة خاصة؛ إذ سبق استخدام «الأهرام» لعبارة «نجد وملحقاتها» اعتماد الملك عبدالعزيزرسميًا لقب «سلطان نجد وملحقاتها» عام 1340هـ/1922م بأكثر من عقدين. ولا يعني ذلك أن الصحيفة استخدمت لقبًا سياسيًا رسميًا قبل اعتماده، بقدر ما يكشف عن حضور مبكر لهذا التصور السياسي والجغرافي في الخطاب الصحفي المتصل بنجد وآل سعود.
واستمرت المتابعة قبل استعادة الرياض؛ ففي عدد «الأهرام» رقم 7216، الصادر في 29 شعبان 1319هـ الموافق 11 ديسمبر 1901م، كانت الصحيفة ترصد تحركات الملك عبدالعزيز في نجد وما يتصل بها من تطورات سياسية وعسكرية.
وهكذا، لم يكن اسم عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود جديدًا على قارئ «الأهرام» عندما بدأت أخبار استعادة الرياض تصل في مطلع عام 1902م؛ فالصحيفة كانت قد وضعت تحركاته في دائرة الخبر قبل ذلك ، إذ لم تبدأ تغطيتها من النتيجة، وإنما سبقتها برصد مقدماتها.
من بوشهر إلى مسقط.. شبكة تبحث عن الخبر
تكشف طريقة وصول هذه الأخبار إلى القاهرة جانبًا مهمًا من آليات العمل الصحفي في «الأهرام» قبل أكثر من قرن ، فحين بدأت أنباء استعادة الرياض تصل إلى الخارج، جاء خبر أولي من مراسل الصحيفة في بوشهر.
وكانت المعلومات لا تزال محدودة؛ إذ أشار الخبر إلى أن واحدًا من سلالة آل سعود هاجم الرياض واستولى عليها دون أن يسمي الملك عبدالعزيز. ثم واصلت الصحيفة متابعة التطورات مع وصول معلومات أكثر تحديدًا.
وفي 18 ذي القعدة 1319هـ الموافق 26 فبراير 1902م، وفي العدد 7279، ارتفع مستوى اليقين في الخبر، فنشرت «الأهرام»:
«وقد حمل إلينا البريد الواصل اليوم رسالة من مكاتبنا تقول فيها إن الأمير عبدالعزيز قد دخل الرياض».
تكشف عبارتا «البريد الواصل» و«مكاتبنا» جانبًا من شبكة مراسلين جمعت المعلومات التي اعتمدت عليها الصحيفة؛ فالخبر كان ينتقل عبر مسافات بعيدة، ثم يجري استكماله وتحديثه مع وصول معلومات جديدة إلى مكاتب «الأهرام».
وتتضح أهمية هذه الشبكة بصورة أكبر مع الوثيقة التي وصلت إلى الصحيفة من مسقط: رسالة الملك عبدالعزيزالمؤرخة في 6 شوال 1319هـ، أي في اليوم التالي مباشرة لاستعادة الرياض. وقد شرحت «الأهرام» طريق وصولها إليها بقولها:
«كتاب جاء منه إلى أحد أمراء العرب في مسقط فنسخه كاتبنا هناك وأرسله إلينا».
وأكدت الصحيفة أنها تنشر النص «دون زيادة ولا تبديل ولا تصحيح».
وهنا تجاوزت مهمة المراسل مجرد نقل الأنباء إلى الوصول إلى وثيقة مرتبطة مباشرة بالحدث ونسخها وإرسالها إلى الصحيفة. وتكتسب الرسالة أهمية خاصة لكونها نصًا صادرًا عن الملك عبدالعزيز نفسه، ومدونًا في اليوم التالي لاستعادة الرياض، بما يجعلها شهادة معاصرة نادرة على الحدث في ساعاته الأولى.
حين اختُبر الخبر بعد أكثر من قرن
غير أن السبق وحده لا يكفي للحكم على قيمة التغطية الصحفية؛ فالمعيار الأهم هو مقدار دقة ما نشر في ذلك الوقت.
وهنا تقدم دراسة الدكتورة مشاعل اختبارًا مهمًا لأخبار «الأهرام»، إذ قابلتها بالمصادر التاريخية السعودية والمحلية المدونة لاحقًا، وأظهرت المقارنة اختلافات جزئية في بعض الأعداد والتواريخ وتفسير بعض التفاصيل، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن توافق ملحوظ في جوهر عدد من الوقائع وفي المسار العام للأحداث.
حيث خلصت الدراسة إلى أن الصحيفة التقطت المسار العام للصراع بدقة: حصار ومقاومة ومواجهة، ثم انتقال تدريجي للمبادرة لمصلحة الملك عبدالعزيز.
ومن الأمثلة على ذلك أن خبر «الأهرام» في 5 مارس 1902م وصف دخول الملك عبدالعزيز إلى الرياض «تحت جناح الليل بخمسين رجلًا».
وعند مقابلة الرواية الصحفية بالمصادر السعودية التفصيلية، يتضح أن الأخيرة تفصل توزيع الرجال إلى مجموعات، بينما قدمت الصحيفة العدد في صورة خبرية إجمالية، ومن ثم كان الاختلاف في درجة التفصيل أكثر منه اختلافًا في أصل الواقعة.
ويظهر الأمر نفسه في وصف الحسم العسكري؛ فقد أوجزت «الأهرام» العملية بعبارة «ثم انقض على حاميتها فأخذها على غِرّة»، بينما قدمت المصادر المحلية لاحقًا تفاصيل أوسع عن التسلل والانتظار والمواجهة، وهنا بدت الروايتان متكاملتين في أصل الحدث، مع اختلاف طبيعة الخبر الصحفي الموجز عن الرواية التاريخية التفصيلية.
كما وجدت الدراسة أن بعض التفاصيل الزمنية الواردة في رسالة الملك عبدالعزيز التي نشرتها «الأهرام» تؤيدها مصادر تاريخية لاحقة، وأن هناك تقاربًا في الأرقام المتعلقة بالمواجهة، مع فروق جزئية يمكن تفسيرها باختلاف زاوية الإحصاء بين رسالة موجزة ورواية تفصيلية.
ويمتد هذا التقاطع إلى مشهد البيعة. فقد نشرت «الأهرام» أن الناس خرجوا إلى الأمير عبدالعزيز وبايعوه وأقسموا له الطاعة، وهو ما يلتقي مع الرواية المنسوبة إلى الملك عبدالعزيز عن توافد أهل البلاد وأهل نجد إليه عقب استعادة الرياض.
وتمنح هذه المقارنات الخبر الصحفي المعاصر قيمة تاريخية إضافية؛ فهو لا يحل محل الوثائق والمصادر التاريخية الأخرى، لكنه يقدم شاهدًا كُتب قريبًا من زمن الحدث، وتزداد قيمته حين تتقاطع مادته الأساسية مع ما سجلته مصادر مستقلة لاحقة.
لم تكتفِ بالحدث.. بل تابعت ما بعده
لم تتوقف «الأهرام» عند خبر دخول الملك عبدالعزيزالرياض، وإنما انتقلت إلى متابعة التداعيات السياسية والعسكرية: تحركات ابن رشيد، وموقف الكويت، والدولة العثمانية، وما أحدثته استعادة الرياض من تغير في موازين القوى.
ففي عدد 5 مارس 1902م سجلت الصحيفة ما صدر عن الباب العالي من أوامر، ومنها أمر إلى ابن رشيد «بالكف عن القتال».
وتضع الدراسة هذا الخبر في سياقه السياسي؛ فلا تفسره باعتباره موقفًا عثمانيًا مؤيدًا للملك عبدالعزيز، وإنما تربطه بحسابات أوسع تتصل بالكويت ومنع التصعيد في تلك المرحلة، في حين أظهرت التطورات اللاحقة أن الموقف العثماني كان أكثر تعقيدًا، ومال عمليًا إلى مساندة ابن رشيد في مراحل من الصراع.
وبذلك لم تقدم «الأهرام» استعادة الرياض باعتبارها شأنًا محليًا منعزلًا، بل ربطتها بمواقف القوى المحيطة، وقدمت لقارئها الحدث في نطاق سياسي إقليمي أوسع.
لغة صحفية سبقت المصطلحات الرسمية
تكشف الدراسة أيضًا عن أهمية اللغة التي استخدمتها «الأهرام» لوصف واقع سياسي كان لا يزال في طور التشكل.
فإلى جانب عبارة «بلاد نجد وملحقاتها» التي وردت في فبراير 1901م، استخدمت الصحيفة في خبرها الصادر في 17 ديسمبر 1902م، وفي أخبار الأشهر التالية، وصف «عبدالعزيز السعودي».
وتعد الدراسة هذا من الاستخدامات الصحفية المعاصرة المبكرة لمصطلح «السعودي» بوصفه دلالة نسبية ذات بعد سياسي، وليس مجرد انتساب أسري، وهو ما يمنح أرشيف الصحيفة قيمة خاصة في تتبع تشكل المصطلحات المرتبطة بالدولة السعودية في مرحلة مبكرة.
ولا تقتضي هذه الدلالة القول إن «الأهرام» كانت أول من استخدم المصطلح على الإطلاق؛ فالمادة المتاحة لا تثبت أسبقية مطلقة من هذا النوع. لكن ما يثبته الأرشيف هو وجود استخدام صحفي عربي مبكر ولافت للمصطلح في مرحلة كان الواقع السياسي نفسه لا يزال يتشكل.






الأهرام شاهدًا على بداية المسار
وفي 18 أغسطس 1902م، بعد أشهر قليلة من استعادة الرياض، كان مراسل «الأهرام» يكتب عن الملك عبدالعزيز وصفاً مهماً في سياق الاحداث :
«قدمه قد ثبتت في الرياض ونفوذه يمتد يومًا بعد يوم في جهات نجد».
وبعد أكثر من قرن، أظهرت المقارنة أن هذا التوصيف ينسجم مع ما سجلته المصادر التاريخية اللاحقة عن التوسع التدريجي لنفوذ الملك عبدالعزيز في محيط الرياض. فالصحيفة لم تصف سيطرة شاملة وفورية على نجد، وإنما رصدت بدقة حالة امتداد تدريجي للنفوذ ، ثم استمرت المتابعة، وفي 18 فبراير 1903م سجلت «الأهرام» انتقال الملك عبدالعزيز من مرحلة تثبيت الرياض إلى المبادرة خارجها، فنشرت أنه:
«قام برجاله من الرياض يقصد ابن الرشيد في أرضه ليقاتله».
ويتفق اتجاه هذا الخبر مع ما تقرره المصادر التاريخية عن الانتقال من الدفاع عن الرياض وتثبيت الحكم فيها إلى المبادرة العسكرية وتوسيع نطاق النفوذ.
وهكذا، فإن العودة إلى أرشيف «الأهرام» بمناسبة اليوم الوطني السعودي لا تقود إلى خبر منفرد عن استعادة الرياض، بل إلى سلسلة صحفية متصلة: أخبار عن تحركات الملك عبدالعزيز قبل الاستعادة، وخبر أولي يصل من بوشهر، ثم تأكيد عبر مكاتب الصحيفة، ورسالة للملك عبدالعزيزينسخها كاتب «الأهرام» في مسقط ويرسلها إلى القاهرة، تليها متابعة لتحركات ابن رشيد والموقف العثماني، ثم أخبار تثبيت الحكم واتساع النفوذ والانتقال إلى المبادرة.
وبعد أكثر من قرن، خضعت تلك الأخبار لاختبار لم يكن متاحًا لمراسلي «الأهرام» ومحرريها وقت نشرها: مقابلتها بالمصادر التاريخية السعودية اللاحقة.
وأظهرت الدراسة أن كثيرًا من ملامح الأحداث وتشكّل السلطة والشرعية التي التقطتها الصحيفة في حينها وجدت ما يلتقي معها في الروايات التاريخية المدونة، مع فروق جزئية في بعض التفاصيل لا تلغي التقاطع في المسار العام.
وفي ذلك تتجاوز قيمة هذه الصفحات المناسبة التي نعود إليها من أجلها. فالخبر الصحفي لا تُقاس قيمته بالسرعة وحدها، وإنما بالوصول إلى مصادره، ومتابعة تطوره، والتمييز بين المعلومة الأولية وما تأكد منها، والبحث عن الوثيقة، وتتبع مواقف الأطراف، ووضع الحدث في سياقه الأوسع.
وهذا ما تكشفه صفحات «الأهرام» التي مضى عليها أكثر من قرن: فالصحيفة لم تنتظر حتى يكتمل مشروع الملك عبدالعزيز لتكتب عنه بأثر رجعي؛ بل كانت بخبرها ومراسليها ومكاتبها تقتفي تحركاته منذ ما قبل استعادة الرياض، ثم تابعت الاستعادة وتثبيت الحكم واتساع النفوذ.
وفي اليوم الوطني السعودي، تستعيد تلك الأخبار معناها من جديد؛ لا باعتبارها صفحات قديمة من أرشيف صحيفة فحسب، وإنما شواهد صحفية كُتبت والأحداث لا تزال جارية، ثم جاءت المصادر التاريخية بعد عقود لتتيح اختبارها ومقارنتها.
وهنا تكمن قيمة الصحافة حين تحسن اقتفاء الخبر من مصادره: فقد تكتب الصفحة الأولى من التاريخ، قبل أن يعرف أحد كيف ستنتهي فصوله.