عاجل

لم تعد رحلة المريض المصري بحثًا عن العلاج تبدأ دائمًا من عيادة الطبيب أو صيدلية موثوقة، بل قد تبدأ من هاتفه المحمول، أو من إعلان يظهر أمامه أثناء تصفحه لمواقع التواصل الاجتماعي، أو من إعلان تلفزيوني يتكرر عشرات المرات خلال اليوم. وفي السنوات الأخيرة، أصبح المواطن يتعرض لكمّ متزايد من الإعلانات التي تروّج لمستحضرات ومنتجات يُقدَّم بعضها على أنه قادر على علاج أمراض مزمنة أو مستعصية، أو تحقيق نتائج سريعة ومذهلة، وأحيانًا دون آثار جانبية أو دون الحاجة إلى استشارة الطبيب.

المشكلة لا تكمن في استخدام وسائل الإعلام الحديثة للتعريف بالمستحضرات والمنتجات الصحية؛ فالإعلان المسؤول يمكن أن يكون وسيلة مشروعة لتثقيف المستهلك وتعريفه بالخيارات المتاحة. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الإعلان من وسيلة للمعلومة إلى وسيلة لصناعة الوهم، ومن تقديم حقيقة علمية إلى تقديم وعود لا تستند إلى دليل، أو عندما يتم استخدام قصص مرضى مجهولة المصدر، وشهادات غير موثقة، وأحيانًا صور وفيديوهات معدلة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق «Deepfake» لإظهار شخصيات عامة وكأنها تؤيد منتجًا أو تتحدث عن قدرته المزعومة على علاج مرض معين.

وقد أصبحت هذه الظاهرة أكثر خطورة لأن الجمهور المستهدف ليس جمهورًا يبحث عن سلعة ترفيهية أو كمالية، بل قد يكون مريضًا يعاني الألم، أو أسرة تبحث عن حل لطفل، أو مريضًا بمرض مزمن يخشى تدهور حالته، أو شخصًا يواجه تشخيصًا خطيرًا ومستعدًا لتجربة أي فرصة يعتقد أنها قد تمنحه أملًا جديدًا.
وهنا تصبح القضية قضية صحة عامة، وليست مجرد مخالفة إعلانية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مصر مع اتساع نطاق الإعلان الرقمي، وتعدد المنصات والقنوات التي يمكن من خلالها الوصول إلى المستهلك مباشرة، في الوقت الذي تؤكد فيه الجهات الرقابية المصرية أهمية ضبط الإعلان عن المنتجات الطبية. وقد أطلقت هيئة الدواء المصرية في سبتمبر 2026 قائمة رسمية للإعلانات المخالفة، بهدف إتاحة الاطلاع على المخالفات التي ترصدها الهيئة، والحد من التأثر بالمحتوى غير المرخص أو المضلل.

أولًا: وصف الظاهرة 
يمكن وصف المشهد الحالي بأنه انتقال من الإعلان الطبي التقليدي إلى التسويق الطبي عالي التأثير.

فالإعلان لم يعد مجرد صورة لمنتج وذكر مكوناته أو استخداماته، وإنما أصبح في بعض الحالات قصة متكاملة مصممة للتأثير النفسي في المتلقي. يبدأ الإعلان أحيانًا بعرض مشكلة صحية شائعة، ثم يصف معاناة المريض، وبعدها يقدم المنتج باعتباره «الحل النهائي» أو «الطريق السريع» للتخلص من المشكلة.

وتتكرر عبارات من قبيل: «نتائج مضمونة»، «علاج نهائي»، «يقضي على المرض»، «بدون آثار جانبية»، «اكتشاف طبي جديد»، أو «نتائج مذهلة خلال أيام». وهذه العبارات، إذا لم تكن مدعومة بأدلة علمية ومسموحًا باستخدامها في الإعلان، قد تخلق لدى المستهلك انطباعًا يتجاوز حقيقة المنتج وقدراته.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما ينتقل الإعلان من الحديث عن المنتج إلى استغلال الثقة في الأشخاص.

فقد يظهر طبيب أو شخص يقدم نفسه في صورة خبير، أو شخصية عامة معروفة، أو فنان أو إعلامي، ويبدو في الفيديو وكأنه يتحدث عن تجربته مع المنتج أو يوصي به. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن تركيب صورة أو صوت أو حركة شفاه لشخص حقيقي بحيث يبدو وكأنه قال شيئًا لم يقله أصلًا.

وهنا ننتقل من الإعلان المبالغ فيه إلى مستوى أكثر خطورة: تزوير مصدر الثقة نفسه.

فالمتلقي قد يتردد في تصديق إعلان تجاري مجهول، لكنه قد يصدق الرسالة إذا ظهر فيها شخص يثق به منذ سنوات. ولذلك فإن استخدام التزييف العميق لشخصيات عامة للترويج لمنتجات صحية لا يمثل مجرد اعتداء على حقوق الشخصية أو السمعة، وإنما يمكن أن يتحول إلى خطر مباشر على صحة المواطنين.


ثانيًا: لماذا تنتشر هذه الإعلانات؟

هناك مجموعة من العوامل التي تساعد على انتشار هذه الظاهرة.

أولها الطلب المرتفع على الحلول السريعة. فالمريض الذي يعاني مرضًا مزمنًا أو حالة صعبة لا يتعامل مع الإعلان بعقلية المستهلك العادي. فهو يبحث عن الأمل قبل أن يبحث عن السعر، وقد يكون مستعدًا لتجربة منتج لم يكن ليشتريه في الظروف الطبيعية.

وثانيها سهولة إنشاء الحملات الرقمية. فقد أصبح من الممكن إنشاء صفحة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، وإنتاج فيديو دعائي بتكلفة محدودة، ثم استهداف آلاف الأشخاص بناءً على اهتماماتهم أو عمليات البحث التي يقومون بها.

وثالثها أن خوارزميات المنصات الرقمية يمكن أن تساعد على وصول المحتوى الصحي إلى أشخاص يُظهر سلوكهم الرقمي اهتمامًا بمرض أو مشكلة صحية معينة. وهذا يعني أن المعلن قد يصل مباشرة إلى الفئة الأكثر استعدادًا لتصديق الرسالة.

رابعًا، هناك الفارق بين سرعة انتشار الإعلان وسرعة الرقابة عليه. فالإعلان التقليدي يمكن تحديد القناة والبرنامج ووقت البث، بينما يمكن لمحتوى رقمي مخالف أن ينتشر عبر صفحات متعددة وحسابات مختلفة، وقد يتم حذف حساب ليظهر غيره بعد فترة قصيرة.

كما أن المشكلة لا تقتصر على المنتجات غير المسجلة أو مجهولة المصدر. فقد يكون المنتج نفسه مسجلًا، لكن الإعلان عنه يتم بطريقة غير معتمدة أو يتضمن ادعاءات لم تتم الموافقة عليها. وتوضح القواعد المصرية المنظمة للدعاية للمستحضرات الطبية أن الإعلان عن المستحضرات الطبية يخضع لضوابط، ومن بينها الحصول على موافقة مسبقة من الجهة المختصة بهيئة الدواء المصرية.

وهذه نقطة مهمة جدًا: وجود منتج مسجل لا يعني تلقائيًا أن أي إعلان عنه مسموح أو أن كل ادعاء يرد في الإعلان صحيح.

ثالثًا: مخاطر الظاهرة على المرضى والمجتمع

أخطر ما في الإعلان الطبي المضلل أنه قد لا ينتهي بمجرد خسارة مبلغ مالي.

فإذا صدق المريض أن منتجًا ما قادر على علاج مرضه، فقد يؤجل زيارة الطبيب، أو يوقف العلاج الموصوف له، أو يقلل الجرعة، أو يستبدل العلاج المثبت علميًا بمنتج لم تثبت فعاليته.

كما يمكن أن يؤدي الإنفاق المتكرر على منتجات غير فعالة إلى استنزاف موارد الأسرة، خصوصًا عندما يتم استهداف المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة أو حالات تحتاج إلى علاج طويل المدى.

لكن هناك خطرًا آخر أقل وضوحًا، وهو تقويض الثقة في المنظومة الصحية بأكملها.

عندما يشتري المريض منتجًا بناءً على إعلان يعده بنتيجة مذهلة ثم لا يحصل عليها، قد لا يفقد الثقة في المنتج فقط، بل قد يفقد ثقته في الأطباء والصيادلة وشركات الدواء والجهات الصحية بصورة عامة.

أما استخدام الشخصيات العامة المزيفة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فيضيف طبقة جديدة من الخطر؛ لأنه يجعل المواطن غير قادر على التمييز بسهولة بين الحقيقة والاختلاق.

رابعًا: المشكلة ليست في الرقابة وحدها

من السهل أن نطالب بزيادة العقوبات، لكن العقوبة وحدها لن تحل المشكلة.

التحدي الحقيقي هو أن منظومة الإعلان الطبي أصبحت أكثر سرعة وتعقيدًا من النماذج التقليدية للرقابة. ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى منظومة متكاملة للوقاية والرصد والاستجابة والعقوبة والتوعية.

كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق هيئة الدواء المصرية وحدها. فهناك جهات متعددة يمكن أن يكون لها دور بحسب طبيعة المخالفة والمنصة والمنتج، بما في ذلك أجهزة حماية المستهلك والجهات المنظمة للإعلام والجهات المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية.

وقد أكد جهاز حماية المستهلك بالفعل ضرورة تجنب الإعلانات الوهمية والمضللة، وحذر من التعامل مع الصفحات الإلكترونية المجهولة، مستندًا إلى قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018. كما يشير الجهاز إلى أن القانون يلزم المورد والمعلن بتجنب السلوك الخادع الذي قد يخلق انطباعًا غير حقيقي أو مضلل لدى المستهلك.

خامسًا: ماذا يمكن أن نفعل؟

1. إنشاء منظومة وطنية موحدة لرصد الإعلانات الطبية

هناك حاجة إلى منصة وطنية رقمية تربط الجهات المعنية، بحيث يتم تسجيل ورصد الإعلانات الطبية المخالفة في وسائل الإعلام المختلفة، بما في ذلك التلفزيون والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي.

ويجب ألا تكون الرقابة معتمدة فقط على الشكاوى، وإنما يجب أن تعتمد بصورة أكبر على الرصد الاستباقي.

وقد تمثل قائمة الإعلانات المخالفة التي أطلقتها هيئة الدواء المصرية خطوة مهمة في هذا الاتجاه، ويمكن تطويرها لتصبح قاعدة بيانات أكثر شمولًا، توضح اسم المنتج، وطبيعة المخالفة، والمنصة التي ظهر عليها الإعلان، والإجراء المتخذ بحقه.

2. وضع نظام سريع للإبلاغ والحذف

يجب إنشاء قناة موحدة يستطيع المواطن من خلالها إرسال رابط الإعلان أو صورة منه خلال ثوانٍ.

ثم يتم تصنيف البلاغ حسب درجة الخطورة.

إعلان يبالغ في الفوائد ليس مثل إعلان يزعم علاج السرطان، أو يطلب من مريض إيقاف علاجه، أو يستخدم شخصية عامة مزيفة.

لذلك يجب أن تكون هناك درجات للمخاطر، بحيث يتم التعامل مع الإعلانات ذات الخطر الصحي المباشر بصورة عاجلة.

3. تحميل المنصات مسؤولية أكبر

لا يكفي معاقبة المعلن بعد أن يكون الإعلان قد وصل إلى ملايين المواطنين.

ينبغي وضع آلية تعاون أكثر وضوحًا بين الجهات الرقابية والمنصات الرقمية، تسمح بالإبلاغ السريع عن الإعلانات الطبية المخالفة، خصوصًا الإعلانات التي تستخدم أسماء الأطباء أو الشخصيات العامة بطريقة مزيفة.

كما ينبغي دراسة إلزام المنصات التي تسمح بالإعلان عن المنتجات الطبية في مصر بتوفير بيانات واضحة عن المعلن، والمستفيد الحقيقي من الحملة الإعلانية، والمنتج محل الإعلان.

4. تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلان الصحي

أصبح من الضروري أن تتعامل القواعد التنظيمية مع التزييف العميق بصورة صريحة.

فإذا تم استخدام صورة أو صوت شخصية عامة في إعلان طبي، فيجب أن يكون هناك إثبات واضح على موافقة هذه الشخصية، كما يجب تجريم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء شهادة أو توصية طبية وهمية.

والأهم من ذلك أن استخدام شخصية عامة يجب ألا يكون وسيلة للالتفاف على المتطلبات العلمية للإعلان.

5. تشديد المسؤولية على القنوات والوكالات الإعلانية

من الخطأ النظر إلى المعلن وحده باعتباره الطرف المسؤول.

فإذا كانت هناك جهة إنتاج إعلاني، أو وكالة تسويق، أو وسيلة إعلامية، أو قناة تلفزيونية، فمن المهم تحديد مسؤولية كل طرف عن المحتوى الذي يتم نشره.
ويجب ألا تصبح عبارة «المعلن هو المسؤول» وسيلة لتجنب مسؤولية المنظومة التي سمحت للإعلان بالوصول إلى الجمهور.

6. إنشاء علامة تحقق رسمية للإعلانات الطبية

يمكن التفكير في إنشاء علامة إلكترونية موحدة، مثل «إعلان طبي معتمد»، مرتبطة بقاعدة بيانات هيئة الدواء المصرية.

ويستطيع المواطن الضغط على العلامة أو مسح رمز QR الموجود في الإعلان للتأكد من أن الإعلان تمت مراجعته وأن المنتج والادعاءات الواردة فيه معتمدة.
هذه الآلية قد تكون أكثر فعالية من مطالبة المواطن بأن يكون خبيرًا في التشريعات والعلوم الطبية.

7. إطلاق حملات توعية للمواطنين

لا يمكن أن تكون الرقابة هي خط الدفاع الوحيد.

يحتاج المواطن إلى تعليم بسيط ومباشر:

إذا وعدك إعلان طبي بالشفاء السريع من كل شيء، فهذه ليست علامة قوة المنتج؛ بل علامة تستوجب الحذر.

ويجب أن تتضمن حملات التوعية أمثلة على العبارات المضللة، وكيفية التحقق من المنتج، وكيفية التفرقة بين التجربة الشخصية والدليل العلمي، وكيفية الإبلاغ عن الإعلان المخالف.

خاتمة: حماية الأمل من أن يتحول إلى سلعة

إن المشكلة الحقيقية في الإعلانات الطبية المضللة ليست أن هناك من يريد بيع منتج، وإنما أن هناك من يبيع وهمًا لمريض يبحث عن أمل.

وفي مجتمع كبير مثل المجتمع المصري، حيث تتداخل وسائل الإعلام التقليدية مع المنصات الرقمية، لم يعد من الممكن التعامل مع هذه القضية باعتبارها مجرد مخالفات إعلانية متفرقة.

نحن أمام تحدٍ جديد للصحة العامة، يتطلب تحديث أدوات الرقابة، وتنسيقًا أكبر بين الجهات الحكومية، ومسؤولية أكثر وضوحًا على المعلنين والقنوات والوكالات والمنصات الرقمية، واستخدام التكنولوجيا نفسها التي يستغلها المخالفون في عمليات الرصد والكشف.

ومن المهم أيضًا ألا يتحول التشدد الرقابي إلى عائق أمام الإعلان الطبي المسؤول. فالهدف ليس منع الشركات الشرعية من التواصل مع الجمهور، وإنما إعادة تعريف الإعلان الصحي باعتباره نشاطًا له مسؤولية تتناسب مع خطورة المنتج وتأثيره على حياة الإنسان.

إن مصر تمتلك بالفعل مؤسسات رقابية وأطرًا قانونية يمكن البناء عليها. وهيئة الدواء المصرية تقوم بدور تنظيمي ورقابي في مجال المستحضرات الطبية، كما يمتلك جهاز حماية المستهلك أدوات للتعامل مع الإعلانات المضللة. لكن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من الرقابة التقليدية إلى رقابة رقمية استباقية، تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي والتعاون بين الجهات والمنصات.

وفي النهاية، يجب أن يكون المبدأ واضحًا:

حرية الإعلان لا ينبغي أن تعني حرية تضليل المريض، والتقدم التكنولوجي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتزييف الحقيقة الطبية.

إن حماية المواطن لا تعني أن نحرم المريض من الأمل؛ بل تعني أن نحميه من أولئك الذين يحولون هذا الأمل إلى وسيلة للربح.

فالدواء يجب أن يُقيَّم بالدليل، والإعلان يجب أن يلتزم بالحقيقة، والمريض يجب أن يحصل على فرصة لاتخاذ قرار صحي مبني على معلومات صحيحة، لا على الخوف أو الوهم أو فيديو مزيف صنعته خوارزمية.

وهذه ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية منظومة كاملة، تبدأ من الجهة الرقابية، وتمر بالشركة والمعلن ووسيلة الإعلام والمنصة الرقمية، وتنتهي عند مواطن لديه الوعي الكافي ليميز بين الحقيقة والوهم.

تم نسخ الرابط