ليست المشكلة أن أبناءنا لا يعرفون، فالمعلومات أصبحت حولهم أكثر من أي وقت مضى، بضغطة واحدة يستطيع الطالب أن يصل إلى آلاف الصفحات، ويشاهد عشرات المحاضرات، ويعرف أخبار العالم لحظة بلحظة، ويحصل على إجابة أي سؤال يطرأ في ذهنه. لكن السؤال الذي يجب أن نتوقف أمامه طويلًا هو: ماذا يفعل بكل هذه المعرفة؟ وهل تكفي المعلومات وحدها لصناعة إنسان يعرف كيف يعيش، وكيف يختار، وكيف يختلف، وكيف يحترم الآخرين؟
المعرفة تملأ العقل، لكنها وحدها لا تبني الإنسان.
قد يحفظ الطالب عشرات التواريخ، ويعرف أسماء العلماء، ويتقن قواعد اللغة، ويحصل على درجات مرتفعة في الامتحان، ثم يخرج إلى الشارع فلا يعرف قيمة النظام، أو يلقي ورقة في الطريق، أو يتعامل مع عامل النظافة باستخفاف، أو يرفض رأيًا مختلفًا عنه، أو يصدق شائعة لمجرد أنها انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. هنا نكتشف أن هناك شيئًا أساسيًا لم تمنحه له المعلومات.
إنها الثقافة.
الثقافة ليست كتابًا موضوعًا فوق رف، وليست مسابقة في حفظ أسماء الأدباء والشعراء، وليست حفلًا موسميًا تقيمه المدرسة ثم ينتهي كل شيء بانتهاء اليوم. الثقافة أوسع من ذلك بكثير. إنها الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة، والطريقة التي نتعامل بها مع الناس، وقدرتنا على فهم الاختلاف، واحترام القانون، وتقدير الجمال، وحماية الممتلكات العامة، والتمييز بين الحقيقة والكذب، وبين الرأي والمعلومة.
ولهذا فإن المدرسة مطالبة اليوم بأن تعيد اكتشاف دورها الحقيقي.
فالمدرسة ليست مكانًا يذهب إليه الطالب ليحصل على شهادة، ثم ينصرف. المدرسة هي المكان الذي تتشكل فيه ملامح الإنسان الأولى، وفي فصولها تتكون عاداته، وتتفتح أسئلته، ويكتشف مواهبه، ويتعلم للمرة الأولى معنى الالتزام، واحترام الآخر، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية.
وليس من العدل أن نطالب المدرسة بأن تخرج طالبًا متفوقًا في المواد الدراسية فقط، ثم نترك بقية شخصيته للصدفة، وللشارع، وللهاتف، ولما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي.
لقد أصبح الهاتف في حياة أبنائنا مدرسة مفتوحة طوال اليوم، لكنه ليس دائمًا مدرسة آمنة. فيه المعرفة الحقيقية، وفيه التضليل، وفيه الفن، وفيه الابتذال، وفيه التجارب الإنسانية، وفيه أيضًا محتوى يستطيع أن يملأ ساعات طويلة من عمر الطفل دون أن يضيف إلى عقله أو قلبه شيئًا.
وهنا يأتي دور المدرسة.
لا أن تمنع الطالب من التكنولوجيا، فهذا لم يعد ممكنًا ولا مطلوبًا، وإنما أن تعلمه كيف يستخدمها، وكيف يبحث، وكيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يميز بين من يقدم معرفة حقيقية ومن يبيع الوهم في صورة محتوى جذاب.
نحن لا نحتاج إلى طالب يعرف كل شيء، بقدر ما نحتاج إلى طالب يعرف كيف يفكر.
وهذه واحدة من أهم القضايا التي يجب أن تحضر في المدرسة: التفكير النقدي.
أن يتعلم الطالب ألا يصدق كل ما يسمع، وألا يرفض كل ما يختلف معه، وألا يعتبر ارتفاع عدد المشاهدات دليلًا على صحة الكلام. أن يعرف أن هناك فرقًا بين الحقيقة والرأي، وبين النقد والإهانة، وبين حرية التعبير ونشر الأكاذيب.
هذه ليست دروسًا إضافية يمكن تأجيلها، وإنما أدوات ضرورية لحياة الإنسان.
والثقافة أيضًا أن نعيد للكتاب مكانته في حياة أبنائنا، لكن بطريقة مختلفة. لا نريد أن يتحول الكتاب إلى واجب جديد يثقل الطالب، ولا أن تصبح القراءة امتحانًا آخر. نريد أن يشعر الطفل بأن الكتاب نافذة يطل منها على عالم آخر، وأن الرواية يمكن أن تمنحه قلبًا أوسع، وأن التاريخ يمكن أن يجعله يفهم وطنه بصورة أعمق، وأن سيرة عالم أو أديب أو فنان يمكن أن تفتح أمامه طريقًا لم يكن يعرفه.
ولماذا لا تكون هناك ساعة قراءة أسبوعية في المدارس، يختار فيها الطالب ما يحب أن يقرأه؟
ولماذا لا تتحول مكتبة المدرسة إلى مكان حي، يجلس فيه الطلاب ويتناقشون ويعرضون الكتب ويتبادلونها؟
ولماذا لا تكون هناك مسابقات للقراءة، والمسرح، والرسم، والشعر، والتاريخ، والبحث، والمناظرات؟
الطالب الذي يقف على خشبة المسرح يتعلم كيف يتحدث أمام الناس، والذي يشارك في مناظرة يتعلم كيف يستمع قبل أن يرد، والذي يقرأ رواية يتعلم أن يرى الحياة من زاوية شخص آخر، والذي يرسم يتعلم أن يرى التفاصيل التي قد لا يراها غيره.
هكذا تصبح الثقافة ممارسة، لا شعارًا.
والأهم أن نعيد تعريف النجاح نفسه.
ليس الطالب الناجح هو الذي يحصل على أعلى الدرجات فقط، وإن كان التفوق العلمي أمرًا عظيمًا ومطلوبًا، لكنه ليس كل شيء. ماذا عن الطالب الذي يساعد زميله؟ ماذا عن الذي يحافظ على مدرسته؟ ماذا عن الذي يحترم معلمه؟ ماذا عن الذي يستطيع أن يتحاور مع من يختلف معه؟ ماذا عن الذي يعرف تاريخ بلده، ويقدر فنه، ويحافظ على لغته، ويشعر بالمسؤولية تجاه المكان الذي يعيش فيه؟
هذه كلها علامات نجاح لا تظهر في ورقة الامتحان، لكنها تظهر بوضوح في حياة الإنسان.
ومن هنا فإن الثقافة يجب ألا تبقى مسؤولية وزارة أو مؤسسة وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والإعلام والمجتمع.
فالبيت هو المدرسة الأولى، والمعلم هو أحد أهم القدوات، والكتاب صديق، والفن لغة، والتاريخ ذاكرة، والشارع اختبار يومي لما تعلمناه.
قد ننجح في تعليم الطفل أن يكتب كلمة «نظافة»، لكن الأهم أن نعلمه ألا يلقي الورقة من نافذة السيارة.
قد نعلمه معنى «احترام القانون»، لكن الأهم أن نربيه على أن القانون ليس شيئًا نخاف منه، وإنما نظام يحمي الجميع.
وقد نعلمه تاريخ مصر في الكتب، لكن الأهم أن نجعله يشعر أن هذا التاريخ ليس صفحات بعيدة، وإنما قصة وطن ينتمي إليه.
إن الثقافة الحقيقية تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى سلوك.
وهنا يمكن أن تلعب المدرسة دورًا أكبر بكثير. يمكن أن يكون لكل مدرسة مشروع ثقافي سنوي، يمكن أن يزور الطلاب المتاحف والمكتبات والمسارح والمواقع التاريخية، ويمكن أن يلتقوا بالأدباء والعلماء والفنانين وأصحاب التجارب الناجحة، وأن يسمعوا قصصًا حقيقية عن أشخاص بدأوا من الصفر ووصلوا بالإصرار والعمل.
نريد مدرسة تجعل الطالب يسأل، لا مدرسة تخاف من أسئلته.
نريد معلمًا يستطيع أن يقول للطالب: «لا أعرف.. دعنا نبحث معًا»، لأن هذه الجملة في حد ذاتها درس عظيم في التواضع وحب المعرفة.
نريد أن نربي أبناءنا على أن الاختلاف ليس خصومة، وأن النجاح ليس على حساب الآخرين، وأن الثقافة ليست استعراضًا، وأن الإنسان لا يكبر بعدد المعلومات التي يحفظها، وإنما بقدر ما تمنحه هذه المعلومات من فهم ووعي ورحمة.
المعرفة مهمة، بل هي أساس التقدم، لكن المعرفة من دون وعي قد تتحول إلى أدوات بلا بوصلة.
أما الثقافة، فهي التي تمنح العقل اتجاهه، وتمنح الإنسان حسه، وتجعله يرى ما وراء المعلومة، ويفهم ما وراء الحدث، ويعرف أن وراء كل إنسان حكاية، ووراء كل مجتمع مسؤولية، ووراء كل وطن تاريخًا يستحق أن يُحفظ.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في التعليم لا ينبغي أن يكون في المناهج والمباني فقط، رغم أهميتها، وإنما في الإنسان نفسه.
فالمدرسة التي تملأ رأس الطالب بالمعلومات قد تصنع متفوقًا، لكن المدرسة التي تفتح عقله على الحياة، وتعلمه احترام الإنسان، وحب المعرفة، وتقدير الفن، وفهم التاريخ، واحترام القانون، والقدرة على التفكير، تستطيع أن تصنع مواطنًا.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين عقل يعرف، وإنسان يفهم.
نحن لا نحتاج أبناءً يحملون شهادات أكثر فقط، وإنما أبناءً يحملون وعيًا أكبر.
فالمعرفة تملأ العقل.. أما الثقافة فتبني الإنسان.