رغم إدانته كتاجر مخدرات.. القضاء الإسرائيلي ينتقد مراقبة الشرطة لمتهم دون علمه
تحولت قضية تاجر مخدرات في تل أبيب إلى فضيحة قانونية أثارت تساؤلات واسعة حول حدود صلاحيات الشرطة الإسرائيلية، بعدما كشف حكم قضائي أن الشرطة استخدمت كاميرات المراقبة التابعة للبلدية لمراقبة السكان في الوقت الفعلي وبشكل عشوائي، من دون أمر قضائي أو اشتباه مسبق، فيما وجهت المحكمة انتقادات حادة إلى طريقة إدارة التحقيق واستجواب المتهم.
وأصدر القاضي شماي بيكر حكمًا أدان بموجبه دافيدوف في قضية حيازة عشرات الجرعات من الهيروين والكوكايين، لكنه في الوقت نفسه قضى بأن الشرطة لا تملك سلطة قانونية صريحة تتيح لها استخدام كاميرات المدينة بهذه الطريقة لمراقبة المارة بشكل استباقي وعشوائي.
واستهل بيكر حكمه بسؤال: «هل يحق للشرطة مراقبة مواطني المدينة باستخدام كاميرات المدينة في الوقت الفعلي، دون أمر قضائي ودون أي تفويض قانوني؟».
واستعاد القاضي تحذير جورج أورويل في رواية «1984» من أن «الأخ الأكبر يراقبك»، لكنه قال إن عام 2026 يأتي بـ«طبعة منقحة» من هذا التحذير، بحيث لا يقتصر الأمر على مراقبة الأخ الأكبر للمواطن، وإنما لا يحتاج أيضًا إلى تفويض قانوني للقيام بذلك.
مراقبة عشوائية للسكان في تل أبيب
بدأت القضية عندما كان ضابط شرطة يراقب كاميرات المراقبة التابعة لبلدية تل أبيب بصورة مباشرة، في منطقة تعتبرها الشرطة بؤرة لتجارة المخدرات.
وخلال المراقبة، رصد الضابط دافيدوف وهو يسلم نقودًا إلى شخص، ثم يسلم شيئًا إلى امرأة، وعلى إثر ذلك، استدعى قوات الشرطة إلى المكان، حيث جرى توقيفه وتفتيش حقيبته.

وكشف التفتيش عن حقيبة تحتوي على 20.65 جرامًا من الهيروين، موزعة على 22 جرعة، و5.34 جرامًا من الكوكايين، موزعة على 10 جرعات، إضافة إلى أدوات يُشتبه في استخدامها لتعاطي المخدرات، ومبالغ مالية، ودفتر حسابات، وأرقام هواتف، وجهازين لحقن المخدرات.
وبحسب لائحة الاتهام، كانت المخدرات مخصصة لغير الاستهلاك الشخصي.
وتضمنت القضية اتهامًا آخر بمخالفة أمر قضائي، بعدما أُطلق سراح دافيدوف بكفالة في إطار إجراءات توقيفه، وكان من المفترض أن يمثل أمام المحكمة في 4 سبتمبر، لكنه لم يحضر، قبل أن تلقي الشرطة القبض عليه بعد يومين.
المحكمة: لا يوجد سند قانوني للمراقبة
دافع الادعاء العام عن تصرفات الشرطة، مؤكدًا أن استخدام كاميرات المراقبة البلدية كان قانونيًا.
وقالت النيابة إن قانون حماية الخصوصية، إلى جانب الصلاحيات والواجبات الممنوحة للشرطة، يسمحان بالوصول إلى كاميرات المراقبة الأمنية البلدية بهدف الحفاظ على النظام العام.
كما جادلت الدولة بأن مراقبة الأماكن العامة بالكاميرات لا تحتاج إلى تفويض تشريعي إضافي، لأن الكاميرات لا تلتقط سوى أفعال يمكن لأي شخص رؤيتها بالعين المجردة في الأماكن العامة.
وأضافت النيابة أنه حتى في حال وجود خلل في طريقة تشغيل الشرطة لنظام المراقبة، فإن ذلك لا يبرر استبعاد أدلة موضوعية ومستقلة، مثل المخدرات التي عُثر عليها بحوزة دافيدوف.
لكن دفاع المتهم دفع بأن المخالفة بدأت منذ اللحظة التي لجأت فيها الشرطة إلى كاميرات البلدية، مؤكدًا أن الشرطة لم تكن تملك صلاحية مسح الأماكن العامة ومراقبة الأشخاص بشكل عشوائي دون وجود شبهة مسبقة.
واعتبر الدفاع أن هذا الأسلوب يمثل انتهاكًا خطيرًا للحق في الخصوصية، وأن البلدية لا تملك صلاحية منح الشرطة سلطات مراقبة غير منصوص عليها في القانون.
وقبل القاضي بيكر حجة الدفاع من حيث المبدأ، وقضى بأن مشاهدة الكاميرات بصورة مباشرة وعشوائية، وكذلك تحميل تسجيلات الفيديو من الكاميرات دون أمر قضائي، يخالف القانون.
اعتراف صريح من ضابط الشرطة
وخلال المحاكمة، أقر ضابط الشرطة بأن مراقبة الكاميرات كانت تتم بصورة استباقية وعشوائية في مناطق تعتبرها الشرطة أوكارًا للمخدرات أو أماكن معرضة للجريمة، استنادًا إلى الخبرات السابقة.
ورفض بيكر موقف النيابة، مؤكدًا أنه لا يوجد في القانون «أي ترخيص صريح، ولا حتى ضمني» يسمح للشرطة بالتصرف كجهة رقابية وإرسال مراقبين بصورة روتينية وعشوائية لمراقبة المارة باستخدام كاميرات المدينة في الوقت الفعلي.
وبذلك، لم يقتصر الحكم على قضية المخدرات نفسها، بل فتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بمدى قدرة الشرطة الإسرائيلية على استخدام شبكة كاميرات المدن لمراقبة السكان دون اشتباه محدد أو إذن قضائي.
الشرطة خالفت القانون.. لكن الأدلة بقيت
ورغم وصول المحكمة إلى أن الشرطة خالفت القانون في طريقة استخدامها لكاميرات المراقبة، فإن ذلك لم يؤد إلى إسقاط القضية أو تبرئة دافيدوف.
ورأى بيكر أن انتهاك الخصوصية في هذه الحالة كان محدودًا نسبيًا، لأن المراقبة جرت في منطقة معروفة بأنها بؤرة لتجارة المخدرات، ولأن المتهم ارتكب أمام الضابط أفعالًا اعتُبرت مشبوهة، كما أخذت المحكمة في الاعتبار حسن نية أفراد الشرطة، إذ كانوا يعتقدون أن الاتفاقيات المبرمة مع البلدية تمنحهم الحق في استخدام الكاميرات بهذه الطريقة.
وأعطت المحكمة وزنًا كبيرًا لكمية المخدرات المضبوطة، إذ بلغت كمية الهيروين 68 ضعف الحد المسموح به للاستهلاك الشخصي.
وبعد الموازنة بين انتهاك حق المتهم في الخصوصية والمصلحة العامة، خلص القاضي إلى عدم وجود مبرر لاستبعاد المخدرات المضبوطة من ملف القضية.
فضيحة أخرى في التحقيق.. متهم مرهق أُجبر على الوقوف
ولم تتوقف انتقادات المحكمة عند استخدام كاميرات المراقبة، إذ وجه بيكر انتقادات شديدة إلى طريقة استجواب دافيدوف بعد توقيفه.
وخلال جلستين من جلسات التحقيق، ظهر المتهم في حالة إرهاق شديدة، وكان يغفو بين الحين والآخر بينما يتدلى رأسه، رغم حالته، منعه المحققون من الجلوس وأجبروه على الوقوف أثناء الاستجواب.
واعتبر القاضي أن المحققين كان ينبغي لهم الانتظار حتى يستعيد المتهم عافيته، ثم إجراء الاستجواب في ظروف تحترم كرامته الإنسانية.
ورغم هذه المخالفات، خلصت المحكمة إلى أن أوجه القصور في إجراءات الشرطة لا تكفي لتبرئة المتهم أو استبعاد الأدلة التي ضُبطت بحوزته.
وقررت المحكمة أن تؤخذ هذه المخالفات في الاعتبار عند تحديد العقوبة وتخفيف الحكم، وفي نهاية الإجراءات، أُدين دافيدوف بجميع التهم التي بقيت قائمة ضده، وهي حيازة مخدرات خطرة لغير الاستخدام الشخصي ومخالفة أمر قضائي.
لكن القضية كشفت، وفق ما أورده الحكم، عن سلسلة من الإخفاقات الشرطية والقانونية الإسرائيلية، بدءًا من استخدام كاميرات البلدية لمراقبة الأشخاص بشكل عشوائي وفي الوقت الفعلي دون تفويض قانوني واضح، مرورًا بتحميل التسجيلات دون أمر قضائي، وصولًا إلى ظروف استجواب المتهم وهو في حالة إرهاق شديد.



