قاليباف يعارض رفع أسعار البنزين وسط مخاوف من احتجاجات في إيران
عارض رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الثلاثاء، رفع أسعار البنزين الذي تبحثه حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، محذرا من أن زيادة الأسعار في الظروف الحالية قد تزيد الضغوط على المواطنين وتفاقم التوترات الداخلية، في وقت تواجه فيه إيران أزمة وقود واقتصاداً متضرراً من الحرب والحصار البحري الأمريكي.
وقال قاليباف خلال جلسة للبرلمان عُقدت عبر الإنترنت إن معالجة أزمة البنزين تتطلب «تخطيطاً شاملاً وذكياً للغاية»، داعياً الحكومة إلى اختيار آلية لخفض الاستهلاك تحقق «أكبر قدر من العدالة وأقل قدر من الاستياء» بين السكان.
قاليباف يحذر من استغلال الأزمة
وربط رئيس البرلمان اعتراضه على رفع أسعار البنزين بمخاوف أمنية، قائلاً إن الضغوط الاقتصادية يمكن أن تستغل لإثارة اضطرابات بالتزامن مع العمليات العسكرية.
وأضاف: «استناداً إلى المعلومات الظاهرة والخفية، فإن العدو يترصد إثارة اضطرابات ودمجها مع عمليات عسكرية، مثل الاغتيالات والتحركات الانفصالية».
وحذر من استغلال أي إجراءات حكومية تهدف إلى خفض استهلاك الوقود، داعياً النواب والخبراء ووسائل الإعلام إلى التعاون مع الحكومة أثناء إعداد القرار وتنفيذه.
كما طالب الحكومة بإيلاء اهتمام أكبر لآراء الخبراء والمنتقدين، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تضعف البلاد وتمنح خصومها، على حد تعبيره، أملاً في الخارج.
وقال قاليباف إن الشكاوى الاقتصادية للمواطنين «محقة»، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى الحفاظ على الوحدة وتجنب الخلافات السياسية والاجتماعية خلال المرحلة الحالية.
دعوة إلى حشد الشارع
وطالب قاليباف الشخصيات المؤثرة وأصحاب المنابر بالالتزام بتوجيهات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بشأن الوحدة وتجنب النزاعات السياسية والاجتماعية.
وقال إن «الشارع ليس مكاناً للتجمعات الانتخابية»، وإنما «ميدان للوحدة»، داعياً إلى استيعاب ما وصفه بـ«النواة الصلبة البالغ عددها 90 مليوناً».
وأشار إلى التجمعات التي تنظمها السلطات في طهران ومدن إيرانية كبيرة، قائلاً إن «ليالي الساحات الحماسية» يجب أن تظهر مجدداً أمام خصوم إيران.
أزمة وقود تتسع
جاءت تصريحات قاليباف بعد أن قال بزشكيان، الاثنين، إن الحصار البحري الأمريكي عرقل دخول السلع إلى إيران، وإن الحكومة لا تملك الموارد اللازمة لاستيراد البنزين.
وتشير أحدث البيانات الحكومية إلى إنتاج نحو 115 مليون لتر من البنزين يومياً، مقابل استهلاك يصل إلى 129 مليون لتر، أي بعجز يبلغ نحو 14 مليون لتر يومياً.
وتختلف تقديرات المسؤولين بشأن حجم الفجوة. فقد قدر إسماعيل سقاب أصفهاني، نائب الرئيس ورئيس منظمة تحسين الاستهلاك والإدارة الاستراتيجية للطاقة، العجز بما يتراوح بين 14 و15 مليون لتر يومياً.
وقال النائب رضا سبهوند، عضو لجنة الطاقة البرلمانية، إن الحصار البحري أوقف عملياً واردات البنزين، فيما نقل عن مسؤول في قطاع التكرير أن الإنتاج بلغ نحو 130 مليون لتر يومياً مقابل استهلاك قدره 137 مليوناً.
وكان حميد حسيني، المتحدث باسم اتحاد مصدري المنتجات النفطية والغاز والبتروكيماويات، قد قال في يوليو إن استيراد البنزين أصبح «شبه مستحيل»، وقدر العجز آنذاك بنحو 20 مليون لتر يومياً.
وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بقدرات إنتاج البنزين، وإن استيراد الوقود يحتاج إلى توفير موارد من العملات الأجنبية.
وأضافت أن الهجمات تسببت في خسارة نحو 230 مليون متر مكعب من طاقة إنتاج الغاز، بينما أدى تراجع إنتاج المكثفات الغازية وانخفاض إمدادات المصافي والقيود على الاستيراد عبر بحر قزوين إلى زيادة صعوبة تأمين الوقود.
3 خيارات أمام الحكومة
وتبحث الحكومة الإيرانية ثلاثة خيارات لمعالجة الأزمة، من بينها تقييد ضخ البنزين عند مستوى الإنتاج المحلي، أو توزيع الكميات المتاحة بين السيارات وبيع الاستهلاك الإضافي بالسعر الحر.
أما الخيار الثالث فيتمثل في نقل حصص الوقود من المركبات إلى الأفراد، بما يعادل نحو 30 لتراً شهرياً لكل شخص.
وأكدت مهاجراني أن أياً من هذه الخيارات لم يُعتمد بصورة نهائية، وأن القرار سيعلن بعد انتهاء المشاورات.
وفي غضون ذلك، خفضت السلطات حصص البنزين المدعوم خلال الحرب، إذ تراجعت الحصة المباعة بسعر 3 آلاف تومان من 100 لتر إلى 70 لتراً، ثم إلى 50 لترا، بينما بقيت الحصة الأساسية عند 60 لتراً بسعر 1500 تومان.
التضخم يزيد مخاوف الحكومة
تأتي أزمة البنزين في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وقال مركز الإحصاء الإيراني إن معدل التضخم السنوي بلغ 66% في يوليو، بينما ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 87.9% مقارنة بالعام السابق، وقفز تضخم أسعار الغذاء إلى 128%.
وقال النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف إن ارتفاع الأسعار وصل إلى مستوى «مزعج»، داعياً أجهزة الدولة إلى الاستعداد لـ«أسوأ السيناريوهات»، مع التركيز على كبح التضخم وحماية القدرة الشرائية واستقرار الأسواق.
ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين أن قادة البلاد يخشون من أن يؤدي تصاعد الضغوط الاقتصادية الأمريكية إلى زيادة المصاعب المعيشية وإشعال اضطرابات جديدة.
وقال بزشكيان إن السلع التي كانت تصل إلى إيران بحراً أصبحت تسلك طرقاً أطول وأكثر تكلفة، فيما تراجعت مبيعات النفط والإيرادات الضريبية من الشركات المتضررة أو المتعثرة.
شبح احتجاجات 2019
وتزيد حساسية ملف البنزين في إيران بسبب ارتباط رفع الأسعار باحتجاجات واسعة شهدتها البلاد في السابق، ففي نوفمبر 2019، أدى رفع سعر البنزين من ألف تومان إلى 3 آلاف تومان إلى اندلاع احتجاجات واسعة، تعرضت لقمع أمني شديد.
وحذر نواب في لجنة الطاقة البرلمانية من تكرار السيناريو، إذ قال أحمد مرادي إن قدرة المواطنين على تحمل مزيد من ارتفاع الأسعار محدودة، وإن رفع سعر البنزين قد يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات.
كما دعا رمضان علي سنغدويني الحكومة إلى عدم استخدام رفع الأسعار وسيلة لخفض الاستهلاك، بينما حذر النائب كامران غضنفري من أن زيادة مفاجئة قد تعيد البلاد إلى أجواء احتجاجات 2019.
وتكشف هذه التحذيرات عن حساسية القرار الذي تواجهه حكومة بزشكيان: فخفض الاستهلاك بات ضرورياً في ظل اتساع فجوة الوقود، لكن رفع الأسعار قد يضيف عبئاً جديداً على المواطنين في اقتصاد يعاني بالفعل من تضخم مرتفع وتراجع في قيمة العملة ونقص في الطاقة.
وبحسب مواقع إلكترونية تتابع سعر صرف الريال الإيراني، تراوح سعر الدولار الثلاثاء بين 188 ألفاً و600 تومان و188 ألفاً و700 تومان، في مؤشر إضافي على الضغوط التي تواجه الاقتصاد الإيراني.



