هاربًا من العدالة.. «بي بي سي» تكشف مكان رئيس مخابرات الأسد
بعد أشهر من سقوط النظام السوري السابق، بقي مصير أحد أبرز رجالاته الأمنيين غامضًا، قبل أن تتمكن هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» من تتبع خيوط قادتها إلى العاصمة الروسية موسكو.
وهو حسام لوقا، الرئيس السابق لإدارة المخابرات العامة وأحد أبرز المسؤولين الأمنيين في النظام المخلوع، الذي تلاحقه السلطات السورية الجديدة باتهامات تشمل القتل العمد والتعذيب والوفاة الناتجة عن التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان.
وقالت «بي بي سي» إنها أجرت تحقيقًا استمر عدة أشهر، بدأ من شقة فاخرة مهجورة في دمشق، وانتهى بتحديد وجود لوقا في ضواحي موسكو، والتحدث إليه هاتفيًا.

شقة مهجورة تكشف أول الخيوط
في ديسمبر 2024، دخل صحفيو «بي بي سي» شقة فاخرة في العاصمة دمشق كان لوقا يقيم فيها، بالتزامن مع تفتيش مسلحين للمكان بحثًا عن أدلة يمكن أن تكشف وجهته بعد سقوط النظام.
داخل الشقة، عثر الصحفيون على ملابس ووثائق وعشرات الصور الشخصية، بينها نسخ متعددة لصورة يظهر فيها لوقا وهو يصافح بشار الأسد، إضافة إلى ميداليات ذهبية وشهادات تحمل اسمه، لكن أكثر ما لفت انتباه فريق التحقيق كان دفتر أرقام صغيرًا يضم عشرات الأسماء وأرقام الهواتف.
وضمت القائمة أصحاب متاجر وأطباء ومسؤولين عسكريين وأشخاصًا يحملون اسم عائلة لوقا، وتحول الدفتر إلى نقطة البداية في رحلة بحث امتدت من دمشق إلى حلب وحمص، ثم لبنان، وصولًا إلى روسيا.

من هو حسام لوقا؟
شغل حسام لوقا مناصب أمنية بارزة خلال حكم النظام السابق، قبل أن يصل في السنوات الأخيرة إلى رئاسة إدارة المخابرات العامة، إحدى أبرز المؤسسات الأمنية التي اعتمد عليها النظام.
وفرضت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي عقوبات عليه، على خلفية اتهامات تتعلق بانتهاكات جسيمة وتعذيب ممنهج وقمع السوريين.
وفي حمص، أطلق عليه بعض السكان لقب «العنكبوت»، في إشارة، وفق أشخاص تحدثت إليهم «بي بي سي»، إلى شبكة واسعة من المتعاونين والمخبرين التي تمكن من بنائها خلال عمله الأمني.
ووصف معتز الزيدي، وهو مقاتل سابق في المعارضة، لوقا بأنه «عبقري شرير» و«رجل ماكر»، قائلًا إن نفوذه امتد إلى شبكات من المخبرين، وبعض الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى مجموعات المعارضة.

رقم هاتف على جدران حمص
برز اسم لوقا بصورة خاصة في حمص خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، عندما كان يشغل منصبًا محليًا في إدارة الأمن السياسي، أحد الأجهزة الأمنية الرئيسية التابعة للنظام السابق.
وفي تلك الفترة، كانت أحياء تسيطر عليها المعارضة في حمص تعاني حصارًا شديدًا فرضته قوات النظام، ما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والدواء.
وقال معتز الزيدي وأشخاص آخرون لـ«بي بي سي» إن بعض السكان اضطروا إلى أكل الجرذان بسبب نقص المواد الغذائية، وفي خضم ذلك، انتشر اسم لوقا ورقم هاتفه على جدران بعض أحياء المدينة، وتداول السكان معلومات تفيد بأن الأشخاص الراغبين في مغادرة مناطق القتال يمكنهم الاتصال بهذا الرقم للحصول على ممر آمن.
وقال أشخاص تحدثوا إلى الهيئة البريطانية إن بعض من اتصلوا بالرقم حصلوا بالفعل على إذن للخروج، بينما اختفى آخرون بعد الاتصال، ولم تسمع عائلاتهم عنهم مجددًا.
اتهامات مرتبطة بمجزرة حي الوعر
ارتبط اسم لوقا كذلك بمجزرة وقعت في حي الوعر بمدينة حمص خلال عيد الأضحى في سبتمبر 2015، واستعاد محمد طوقاتلي، والد الطفل وائل، تفاصيل اليوم الذي فقد فيه ابنه البالغ من العمر سبعة أعوام.
وقال إن وائل كان يلعب داخل حديقة صغيرة في ساحة أُعدت للأطفال في الحي، عندما وقع القصف في نحو الساعة الخامسة وعشر دقائق مساء، وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أسفر الهجوم عن مقتل 28 شخصًا، بينهم 17 طفلًا وأربع نساء.
وعاد طوقاتلي بعد سنوات إلى المكان برفقة فريق «بي بي سي»، مستعيدًا أسماء الأطفال الذين قتلوا والألعاب التي كانوا يمارسونها، ومشيرًا إلى المواقع التي عُثر فيها على جثثهم، ومن بينها جثة ابنه وائل.
وقال: «كانوا أطفالًا صغارًا جدًا. كانت الأرض هنا مصبوغة باللون الأحمر من الدم».
ونقلت «بي بي سي» عن مجموعة ناشطين سوريين وصحيفة معارضة نشرتا معلومات في ذلك الوقت أن لوقا كان مسؤولًا عن اختيار أهداف النظام في المنطقة يوم الهجوم، كما أشارت إلى أن الولايات المتحدة أدرجت هذه الواقعة ضمن الأسباب التي استندت إليها عند فرض عقوبات عليه.
صعود إلى قمة الأجهزة الأمنية
واصل لوقا صعوده داخل الأجهزة الأمنية بعد عمله في حمص، حتى وصل قبل سقوط النظام إلى رئاسة إدارة المخابرات العامة، ليصبح واحدًا من أكثر الشخصيات الأمنية نفوذًا في البلاد.
وخلال سنوات الثورة، استهدفت الأجهزة الأمنية التابعة للنظام معارضين وصحفيين وأطباء وناشطين حقوقيين وغيرهم ممن اشتبهت السلطات في معارضتهم للنظام.
كما احتجزت تلك الأجهزة أعدادًا كبيرة في السجون والمعتقلات السياسية، ومن بينها سجن صيدنايا قرب دمشق، الذي ارتبط على مدى سنوات بتقارير وشهادات عن التعذيب والإعدامات والاختفاء القسري.
وقالت «بي بي سي» إن لوقا، بصفته رئيسًا لإدارة المخابرات العامة، كان يمتلك سلطة استراتيجية مرتبطة بسياسات الاعتقال، وإن عناصر الجهاز كانوا يراقبون الاتصالات من سجن صيدنايا وإليه.
القضاء السوري يبدأ ملاحقته
وفي تطور قضائي، أعلن النائب العام السوري حسن التربة لـ«بي بي سي» أن السلطات بدأت إجراءات قضائية بحق حسام لوقا.
وقال التربة إن الدعوى تتهم لوقا بـ«القتل العمد والتعذيب والوفاة الناتجة عن التعذيب»، وأضاف أن السلطات عممت مذكرة توقيف بحقه داخل سوريا، وتعمل على تعميمها دوليًا أيضًا.
وأوضح أن الجهات السورية تسعى إلى تحديد أماكن لوقا ومسؤولين بارزين آخرين في النظام السابق، والعمل على إعادتهم إلى سوريا لملاحقتهم قضائيًا، أما محمد طوقاتلي، الذي فقد ابنه وائل في قصف حي الوعر، فقال إنه يريد إعادة لوقا وغيره من كبار مسؤولي النظام السابق إلى سوريا ومحاسبتهم.
وأضاف: «يبدون مثل البشر، لكن لا توجد فيهم أي إنسانية».

دفتر الهاتف يفتح باب المطاردة
التقط فريق «بي بي سي» صورًا لجميع صفحات دفتر الهاتف الذي عثر عليه في منزل لوقا، ثم بدأ بعد عودته إلى لندن بفحص 155 رقمًا مدونًا فيه، وتبين أن 51 رقمًا منها لا يزال يعمل.
وبدأ الصحفيون الاتصال بالأرقام وفق تقديرهم لأهمية أصحابها بالنسبة إلى لوقا، وركزوا في البداية على مسؤولين عسكريين وأفراد من عائلته، لكن المحاولات الأولى لم تؤد إلى نتيجة، فبعض الأشخاص أغلقوا هواتفهم بمجرد معرفة هوية المتصلين وسبب الاتصال، بينما أنكر آخرون معرفتهم بلوقا أو أفراد عائلته، ونفى بعضهم حتى وجود أسمائهم في دفتر الأرقام.
عندها قررت «بي بي سي» نقل البحث إلى داخل سوريا، وأرسلت صحفيًا كان اسمه مدرجًا في وقت سابق على إحدى قوائم المطلوبين لدى إدارة المخابرات العامة خلال الفترة التي كان لوقا يدير فيها الجهاز.
أطباء يقودون إلى خيط جديد
كان من بين الأسماء الموجودة في دفتر لوقا عدد من الأطباء، ولذلك بدأ مراسل «بي بي سي» بحجز مواعيد طبية مع بعضهم، في محاولة للوصول إليهم مباشرة.
وفي حلب، أقر طبيب على مضض بأنه عالج لوقا في السابق، لكنه طلب من الصحفي مغادرة عيادته، وأعاد إليه قيمة المعاينة، بعد ذلك، وصل المراسل إلى طبيب آخر في دمشق كان اسمه مدونًا في الدفتر.
وكشف الطبيب أنه رافق والدة لوقا خلال رحلة علاجية إلى روسيا، لكنه رفض تقديم معلومات إضافية، واكتفى بالإشارة بصورة عامة إلى صيدلية تعود إلى إحدى بنات لوقا.
وقال سكان محليون إن ابنة لوقا لم تظهر في المنطقة منذ ديسمبر 2024.

حارس المبنى يقود إلى حارسه الشخصي
استمر التحقيق لعدة أشهر من دون الوصول إلى نتيجة حاسمة، قبل أن يرد أحد الأشخاص المدرجة أسماؤهم في دفتر الهاتف على اتصال جديد، وقال الرجل إنه كان يعمل حارسًا للمبنى الذي توجد فيه شقة لوقا.
ووافق لاحقًا على إعطاء الصحفيين رقم شخص قال إنه كان يعمل حارسًا شخصيًا للمسؤول الأمني السابق، وأطلقت «بي بي سي» عليه اسمًا مستعارًا هو «محمود»، واحتاج الفريق إلى أسابيع قبل أن يتمكن من مقابلته.
حدد محمود عدة مواعيد ثم لم يحضر، كما طلب عقد اللقاءات في أماكن مغلقة، مثل سيارة أو شقة، لكن الصحفي رفض بسبب المخاطر الأمنية، وفي النهاية، التقى الطرفان داخل فندق، قبل منتصف الليل بقليل.
وقال محمود إنه كان غاضبًا من لوقا لأنه تركه خلفه عند سقوط النظام، وأوضح أنه مع اقتراب قوات المعارضة من دمشق في ديسمبر/كانون الأول 2024، أخبر لوقا المحيطين به أنه سيبقى ويدافع عن العاصمة، لكن محمود قال إن لوقا اختفى خلال الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، وأخذ معه مبلغًا كبيرًا من خزنة المكتب.
ولم يقدم محمود وسيلة اتصال مباشرة بلوقا أو عائلته، لكنه سلم «بي بي سي» رقم سائقه، قائلًا إنه يعتقد أن السائق نقل المسؤول الأمني السابق خارج دمشق ليلة انهيار النظام.
السائق يرفض الحديث
واجه فريق التحقيق صعوبة أكبر في الوصول إلى السائق، وبدا صوت الرجل متوترًا عندما أجاب على الهاتف، وكرر أنه مجرد سائق ولا يعرف شيئًا عن أنشطة لوقا.
وحدد السائق عدة مواعيد للقاء الصحفيين، لكنه لم يحضر أيًا منها، ثم توقف لاحقًا عن الرد على الاتصالات.
ودفع ذلك فريق التحقيق إلى تتبع طرق الهروب المحتملة التي ربما استخدمها لوقا، ومن بينها لبنان، الذي حافظ حزب الله فيه على علاقات وثيقة مع النظام السابق.
من لبنان إلى روسيا بجواز مختلف
قال مصدر رفيع في الحكومة اللبنانية لـ«بي بي سي» إن المعلومات المتوافرة لديه تشير إلى أن لوقا مر عبر لبنان مستخدمًا جواز سفر روسيًا باسم مختلف، قبل أن يغادر إلى روسيا، كما تمكن فريق التحقيق من الوصول إلى رجل يقيم حاليًا في لبنان، وكان اسمه مدرجًا في دفتر اتصالات لوقا، رغم أن الرقم الموجود بجوار اسمه لم يعد يعمل.
وقالت «بي بي سي» إن السلطات السورية الجديدة تطلب هذا الرجل بسبب ارتباطه الوثيق بالنظام السابق، ولذلك امتنعت عن الكشف عن هويته، وأبلغ الرجل الصحفيين بأنه يمتلك رقمًا لحسام لوقا.
وعندما اطلع فريق التحقيق على الرقم، تبين أنه يحمل رمز الاتصال الدولي الخاص بروسيا.
روابط قديمة مع موسكو
دعمت روسيا نظام بشار الأسد عسكريًا وسياسيًا لسنوات، قبل أن يلجأ الأسد إليها بعد سقوط نظامه في ديسمبر 2024.
واعتقدت «بي بي سي» أن عددًا من أفراد الدائرة المقربة منه توجهوا أيضًا إلى روسيا.
وعثر الصحفيون داخل شقة لوقا في دمشق على مؤشرات إضافية إلى علاقاته بموسكو، بينها جوائز قالت الهيئة إنها قدمت إليه من الاستخبارات الخارجية الروسية، إضافة إلى بطاقة تهنئة بمناسبة العام الجديد موجهة إليه من مسؤول روسي رفيع، وعزز رقم الهاتف الروسي الذي حصل عليه فريق التحقيق فرضية وجود لوقا في روسيا.
مكالمة هاتفية تكشف صاحب الرقم
احتاجت «بي بي سي» إلى التأكد من أن الرقم يعود فعلًا إلى حسام لوقا، وافق الرجل الذي زودها بالرقم على الاتصال بصاحبه ووضع المكالمة على مكبر الصوت.
وخلال الاتصال، طرح عليه أسئلة قال فريق التحقيق إنها تستند إلى معلومات لا يعرف إجاباتها سوى لوقا أو أشخاص مقربين منه، وأجاب الرجل على الطرف الآخر عن الأسئلة بسرعة وبصورة صحيحة، لكنه رفض التحدث مباشرة إلى الصحفيين.
لاحقًا، وافق المصدر على إجراء مكالمة ثانية وإتاحة الفرصة لفريق «بي بي سي» للتحدث إليه.
وعندما أجاب الرجل، عرّف صحفيو الهيئة بأنفسهم، وأخبروه بأنهم يريدون سؤاله عن اتهامات خطيرة تتعلق بمجازر وأعمال تعذيب خلال فترة عمله في النظام السابق.
وقال لوقا، بحسب التسجيل الذي نقلته الهيئة: «لا يمكنني المخاطرة بالتحدث عبر الهاتف في الوضع الذي أنا فيه»، وعندما سأله الصحفيون عما إذا كانت روسيا تمنعه من الحديث، أجاب: «لا أستطيع التحدث. لا أستطيع أن أشرح. عليكم أن تفهموا».
وعندما سُئل عن إمكانية مقابلتهم خارج روسيا، أجاب: «الأمر صعب»، ثم أنهى المكالمة.
«بي بي سي» تحدد موقعه في ضواحي موسكو
حصل فريق التحقيق لاحقًا على رقم ثانٍ قالت مصادره إنه يعود أيضًا إلى لوقا، وكان الرقم مسجلًا في سوريا ومرتبطًا بحسابات على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات للمراسلة، قالت الهيئة إن لوقا بدا مستمرًا في استخدامها.
وقالت «بي بي سي» إنها تمكنت خلال يوم واحد من تحديد موقعه في منطقتين تقعان في ضواحي العاصمة الروسية موسكو.
وبحسب الهيئة، بدت المواقع التي حددتها بعيدة عن نمط الحياة الفاخرة الذي قالت تقارير إن بشار الأسد يعيشه في منفاه الروسي، كما اختلفت عن نمط الحياة الذي كان لوقا يعيشه في سوريا.
ولم يتمكن الصحفيون من محاولة مقابلته داخل روسيا بسبب المخاطر المرتبطة بملاحقة مسؤولين سابقين في النظام هناك.
وقرر الفريق إجراء محاولة جديدة للاتصال به هاتفيًا، وأجاب الرجل بالصوت نفسه الذي سمعه الصحفيون في المكالمة السابقة، ثم سأل عن هوية المتصل، وعندما علم أن الاتصال من «بي بي سي»، أغلق الخط مباشرة.
وأرسل الفريق بعد ذلك رسالة عبر «واتساب» طلب فيها رده على الاتهامات الموجهة إليه، لكنه لم يجب.
موسكو تلتزم الصمت
لم ترد الحكومة الروسية على أسئلة «بي بي سي» بشأن وجود لوقا على أراضيها، كما لم تجب عن سؤال يتعلق بإمكانية الموافقة مستقبلًا على طلب لتسليمه.
وفي حمص، لا يزال محمد طوقاتلي ينتظر محاسبة المسؤولين الذين يحملهم مسؤولية مقتل ابنه وائل.
وقال طوقاتلي إنه لن يتخلى عن أمله في أن يمثل لوقا وغيره من كبار مسؤولي النظام السابق أمام العدالة يومًا ما، وأضاف: «أنا غاضب من جميع الذين كانوا مع النظام وأجهزته الأمنية. كانوا جميعًا ضدنا»، ثم عاد للحديث عن ابنه وائل، الطفل الذي لم يتجاوز السابعة من عمره، قائلًا: «كان وائل طفلًا في السابعة فقط. كل ما كان يهتم به هو اللعب والاستمتاع».



