جداريات إيران.. حرب دعائية في الشوارع ورسائل تتجاوز الحدود
في شوارع طهران، لم تعد الجدران مجرد مساحات لتجميل المدينة أو تخليد شخصيات من الماضي، بل تحولت إلى ساحة أخرى من ساحات الحرب التي تخوضها إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ملصقات ضخمة، بحجم اللوحات الإعلانية، تنتشر في أكثر شوارع العاصمة ازدحامًا، وتحمل رسائل سياسية مصممة بعناية لترويج الرواية الرسمية الإيرانية، ليس أمام الإيرانيين فقط، وإنما أمام خصوم طهران والجمهور في الخارج أيضًا.
ومن أبرز هذه الملصقات صورة ضخمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يظهر فيها فمه مخيطًا، بينما يغطيه حجاب أزرق على هيئة مضيق هرمز، في إشارة مباشرة إلى أحد أهم أوراق القوة التي تستخدمها إيران في مواجهة واشنطن.

وبجوار صورة ترامب، يظهر شعار باللغة الفارسية، حرص مصممو الملصق على ترجمته إلى الإنجليزية أيضًا، يقول: "على حافة الانهيار".
وُضع الملصق في شارع ولي عصر، أحد أكثر شوارع طهران ازدحامًا، في الثاني من مايو، عندما كانت الحرب في ذروتها، فيما كانت المفاوضات المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز متوقفة.
ويحتل المضيق أهمية استراتيجية هائلة، إذ يمر عبره ما يقارب 25 بالمئة من النفط العالمي، فيما تسعى إيران إلى استخدام سيطرتها عليه كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة، وهو ما تعكسه الصورة التي تقدم المضيق باعتباره سلاحًا قادرًا على "إسكات واشنطن".

حرب بالصور
منذ بداية الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، انتشرت الجداريات والملصقات الملونة في مناطق مختلفة من العاصمة الإيرانية، ولا تصل سوى نسبة محدودة من هذه الصور إلى خارج إيران، في ظل القيود المفروضة على الصحفيين، إلى جانب استمرار القيود الكبيرة على الوصول إلى الإنترنت، خصوصًا خلال الأشهر الأولى من الحرب.
لكن المفارقة أن السلطات الإيرانية تسمح، بل تشجع، وكالات الأنباء ووسائل الإعلام على تصوير الملصقات الرسمية ونشرها، وهو ما ساعد صورًا مثل ملصق ترامب ذي الفم المخيط على الوصول إلى وسائل الإعلام الدولية ومنصات التواصل الاجتماعي حول العالم.

ولا تقتصر الرسائل على ترامب ومضيق هرمز، فمن بين الملصقات المنتشرة جدارية تظهر طائرات إيرانية مسيرة وهي تحطم نجمة داود، إلى جانب متظاهرين يهتفون بشعار "الموت لأمريكا".
وفي ملصق آخر، يظهر عدد من القادة الدينيين الإيرانيين في حقل من الزهور، ويظهر مؤسس الجمهورية الإسلامية، روح الله الخميني، إلى جانب علي خامنئي، الذي تشير الجدارية إلى مقتله في الضربات الأولى للحرب في 28 فبراير، بينما يسلم خامنئي العلم الإيراني إلى خليفته وابنه مجتبى خامنئي.

وهكذا تحولت جدران ومباني طهران إلى لوحات دعائية مفتوحة، لا تستهدف المواطنين الإيرانيين فحسب، وإنما تحمل أيضًا رسائل مباشرة إلى خصوم الجمهورية الإسلامية.
تقليد يعود إلى الثورة الإسلامية
ورغم أن استخدام هذه الملصقات في الحرب الحالية يبدو أكثر حداثة، فإن الدعاية البصرية على جدران المدن الإيرانية ليست ظاهرة جديدة، فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، أصبحت الجدران جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي في إيران، وتحولت إلى ما تصفه عالمة الأنثروبولوجيا والباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، سيبيده بارساباجوه، بأنه "مساحة للتعبير السياسي".
وتشير بارساباجوه إلى أن الجداريات الضخمة لعبت على مدى عقود دورًا في ترسيخ القيم والسرديات التي تتبناها الجمهورية الإسلامية، سواء من خلال تخليد ذكرى قتلى الحرب الإيرانية العراقية بين عامي 1980 و1988، أو عرض الشعارات الثورية، أو التعبير عن العداء للولايات المتحدة وإسرائيل.
وتقول الباحثة إن المدينة تتحول بذلك إلى "فضاء سردي واسع"، تروي من خلاله السلطة قصتها السياسية والتاريخية، لكن هذا التقليد، بحسب بارساباجوه، أقدم من الجمهورية الإسلامية نفسها، فأسلوب سرد القصص من خلال الصور يرتبط بتقليد إيراني قديم يعرف باسم "بارده خاني"، وهي ممارسة كان الراوي خلالها يحكي قصصًا دينية أو ملحمية أمام لوحة قماشية ضخمة تعرض مشاهد مختلفة من الحكاية.

من فن شعبي إلى دعاية مؤسسية
في بدايات الحرب الإيرانية العراقية، لم تكن جميع الجداريات نتاج مؤسسات حكومية مركزية، وتوضح بارساباجوه أن عددًا كبيرًا من اللوحات أنجزه فنانون ملتزمون وطلاب فنون، وأحيانًا هواة يمتلكون موهبة فنية، إلى جانب مبادرات محلية شارك فيها أفراد المجتمع.
وفي بعض الحالات، كانت عائلات القتلى تطلب من الفنانين رسم صور أبنائها الذين قتلوا في الحرب على جدران منازلهم، لتكون تلك الأعمال هدايا لأمهاتهم.
وكان لهذه الجداريات في تلك المرحلة بُعد شخصي وعاطفي عميق، لكن هذا الجانب تغير تدريجيًا، بحسب الباحثة، بعدما أصبحت الجداريات أكثر ارتباطًا بالمؤسسات الحكومية.
وتقول إن الأمر "أصبح مؤسسيًا بسرعة كبيرة"، وتحولت الجداريات إلى مشاريع تنفذ بتكليف مباشر من الدولة، أما اليوم، فأصبحت العملية أكثر مركزية، حيث تحل اللوحات الإعلانية المطبوعة العملاقة محل الجداريات المرسومة يدويًا، وتطلب الجهات الحكومية هذه التصاميم بشكل مباشر.
وتنتج بعض التصاميم "دار مصممي الثورة الإسلامية"، وهي منظمة شبه حكومية تعمل في مجالي الفن والإعلام، بينما تتولى مؤسسات أخرى عملية تركيبها، من بينها منظمة التنمية الإسلامية ومكتب تجميل بلدية طهران.
ولم يقتصر التطور على الجهة التي تنتج هذه الأعمال، بل طال الوسيلة نفسها.
فاللافتات المطبوعة الضخمة يمكن تركيبها أو استبدالها خلال ساعات، وهو ما يمنح السلطات الإيرانية قدرة أكبر على تغيير رسائلها البصرية وتحديثها بسرعة وفق تطورات الأحداث.

الذكاء الاصطناعي يدخل حرب الملصقات
وفي السنوات الأخيرة، دخل الذكاء الاصطناعي أيضًا إلى هذه العملية، ليس فقط لتسريع إنتاج الصور، وإنما للتأثير في شكلها ومحتواها.
وتشير بارساباجوه إلى أن التكوينات البصرية أصبحت أكثر تطورًا، بعدما بدأت تستعير أساليب من الإعلانات التجارية والسينما وملصقات الأفلام الضخمة، ولم تعد بعض الأعمال تكتفي باللغة البصرية التقليدية للجداريات السياسية، بل أصبحت تستعير رموزًا من الثقافة الشعبية الغربية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك لوحة ضخمة عُرضت على واجهة مبنى في ساحة فاطمي بوسط شرق طهران، ولفتت اهتمام وسائل إعلام غربية بسبب التشابه الواضح بينها وبين عالم روايات وأفلام "سيد الخواتم".

وسلط برنامج "Le Dessous des Images"، أو "خلف الصورة"، الذي تبثه قناة "آرتي" الفرنسية الألمانية، الضوء على هذه اللوحة.
وتظهر فيها تماثيل ضخمة تقف على جانبي ممر مائي ضيق يرمز إلى مضيق هرمز، بينما تمتد أذرع التمثالين في وضعية توحي بمنع حاملات الطائرات والسفن الحربية من العبور.
ويعود التمثال الموجود على اليسار إلى علي رضا تنغسيري، القائد العام السابق لبحرية الحرس الثوري، الذي تشير اللوحة إلى مقتله في قصف إسرائيلي في 26 مارس 2026.
أما التمثال الموجود على اليمين فيجسد رئيس علي دلواري، وهو بطل قومي إيراني عُرف بتنظيم المقاومة المحلية ضد القوات البريطانية في منطقة تنغستان عام 1915.
وتشبه الصورة بشكل واضح مشهد أرغوناث، أو "بوابات الملوك"، في سلسلة "سيد الخواتم"، حيث يقف تمثالان عملاقان على جانبي ممر مائي ضيق يمثل رمزيًا مدخل مملكة غوندور، في مواجهة الأعداء الذين يحاولون الدخول.
وترى بارساباجوه أن هذه الطريقة في تصوير الشخصيات السياسية تعمل على تخليدها، من خلال تقديمها في صورة أبطال.

تحويل القتلى إلى أبطال
ولا تقتصر صور الشخصيات المخلدة على القادة السياسيين، فجدران طهران تغطيها صور شخصيات بارزة، من بينها المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، وأفراد في الحرس الثوري تقول السلطات إنهم قتلوا في غارات جوية إسرائيلية وأمريكية.
وتظهر إلى جانبهم شخصيات أخرى مركزية في سردية الجمهورية الإسلامية، مثل الجنرال قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس، الذي قتل في غارة أمريكية في العراق عام 2020.
وتربط بارساباجوه هذه الطريقة في تصوير القتلى بمفهوم أوسع للشهادة والبطولة في الثقافة السياسية والدينية الإيرانية.
وتوضح أن البطل قد يموت، لكن الرواية الرسمية تحافظ على حضوره من خلال تخليد قصته، مشيرة إلى أن استشهاد الإمام الحسين في كربلاء يمثل نموذجًا مركزيًا لهذا النوع من السرد، حيث تتحول التضحية إلى ذكرى تتجدد باستمرار من خلال الرواية.
وبالمنطق نفسه، لا يظهر الجندي أو السياسي أو العالم الذي قتل في هذه الجداريات باعتباره شخصًا فقد حياته فحسب، بل يتحول إلى شهيد وبطل وشخصية في قصة وطنية ودولية تقول السلطة إنها ما زالت تُكتب.

طهران مدينة تروي قصة واحدة
وبهذا المعنى، لا تبدو جدران طهران مجموعة عشوائية من الصور المتفرقة، فبحسب بارساباجوه، تشكل هذه الأعمال مجتمعة ما يشبه نصًا بصريًا متكاملًا، فالشخص الذي يتحرك في شوارع المدينة ينتقل من قصة إلى أخرى، ومن شهيد إلى آخر، ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، لتصبح المدينة نفسها وسيلة لسرد التاريخ الوطني، ولكن من منظور من هم في السلطة.
ولا توضع هذه الصور بشكل عشوائي، إذ يجري اختيار مواقعها بعناية وفق الرسالة التي تحملها، فعلى سبيل المثال، تنتشر الجداريات التي تتبنى خطابًا مناهضًا للإمبريالية بالقرب من مبنى السفارة الأمريكية السابقة، أما الصور الموجودة في ساحة فلسطين، فغالبًا ما توجه رسائلها بشكل مباشر إلى إسرائيل، وبعضها يترجم إلى اللغة العبرية.
وتضم ساحة ولي العصر أكبر الملصقات، في حين تظل ساحة الثورة واحدة من أبرز المواقع التي يستخدمها النظام للتواصل البصري مع المواطنين.
وتنتشر هذه الأعمال في مناطق مختلفة من العاصمة، حيث يشاهدها آلاف الإيرانيين يوميًا.

كثرة الجداريات لا تعني التأييد
لكن وجود هذه الصور في كل مكان لا يعني بالضرورة أنها تحظى بتأييد شعبي واسع، وتشير بارساباجوه إلى أن معظم سكان طهران عاشوا مع هذه الصور لعقود، حتى أصبحت جزءًا طبيعيًا من المشهد الحضري، إلى درجة أن كثيرًا من المارة بالكاد يلتفتون إليها.
وقد يثير بعضها رد فعل عاطفيًا لدى بعض السكان، بينما يتعامل آخرون معها بصورة نقدية، وتؤكد الباحثة أن الصور الموجودة في الأماكن العامة لا يمكن اعتبارها انعكاسًا مباشرًا للرأي العام الإيراني.
ومع ذلك، ترى أن المدينة لا تزال تمثل مساحة للحوار، وأن بعض سكان طهران لا يترددون في محاولة استعادة الجدران وفرض سردياتهم الخاصة أينما وجدوا مساحة يمكن استخدامها.

حرب صامتة على الجدران
فإلى جانب الجداريات والملصقات الضخمة التي تخضع لسيطرة المؤسسات الرسمية، توجد أشكال أخرى وأكثر سرية من التعبير.
وتشمل هذه الأشكال الكتابة على الجدران، والنقوش، وإعادة صياغة الرسائل الرسمية بصورة تخريبية، وحتى إزالة أجزاء من الصور والملصقات.
هذه التعبيرات أقل وضوحًا من الدعاية الرسمية، وغالبًا ما تكون مؤقتة ويتم محوها بسرعة، لكنها تُصوَّر وتُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبينما تمتلك الدولة قدرة هائلة على إنتاج ملصقات ضخمة وتركيبها في ساعات، تمنح هذه التدخلات الصغيرة سكان طهران وسيلة مختلفة للتعبير.
&imwidth=800&imheight=600&format=webp&quality=medium)
وهكذا تستمر المعركة على جدران العاصمة، بين رواية رسمية تُنتج على نطاق واسع وتنتشر بصريًا في كل مكان، ومحاولات فردية أصغر لاستعادة المساحة العامة وكتابة رواية مختلفة عن الحرب والبلاد والحياة اليومية في طهران.
ففي إيران، لم تعد الحرب تُخاض في ميادين القتال وحدها، بل أصبحت أيضًا حربًا على الصورة والرمز والرواية، تمتد من جدران العاصمة إلى شاشات العالم.



