عاجل

خبير تربوي: التعليم التكنولوجي يحتاج مصنعًا لاختبار نجاحه|خاص

الدكتور محمد عبد
الدكتور محمد عبد العزيز، الخبير التربوي

أكد الدكتور محمد عبد العزيز، الخبير التربوي، أن التوسع في التعليم التكنولوجي بنظامي الثلاث والخمس سنوات يمثل خطوة مهمة لتطوير منظومة التعليم الفني، لكنه شدد على أن نجاح التجربة يتطلب ربطها بخطة صناعية وطنية واضحة، حتى تتمكن من إعداد كوادر فنية مؤهلة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وزيادة الإنتاج.

وقال عبد العزيز، في تصريحات خاصة، إن الدول التي تحقق نهضة اقتصادية حقيقية تعتمد بشكل أساسي على الصناعة باعتبارها أحد أهم مصادر توفير فرص العمل وجذب العملة الأجنبية، وهو ما يجعل تطوير التعليم الفني والتكنولوجي ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.

تجربة الستينيات نموذج لربط التعليم بسوق العمل

وأضاف أن التجربة المصرية في ستينيات القرن الماضي تقدم نموذجًا مهمًا في ربط التعليم الفني بالإنتاج، حيث شهدت تلك الفترة توسعًا في إنشاء مصانع القطاع العام، وكان الطالب يحصل على تدريبه داخل المصنع نفسه، بما يضمن اكتسابه الخبرة العملية قبل التخرج، ثم ينتقل للعمل مباشرة عقب انتهاء الدراسة.

وأوضح أن هذا النموذج ساهم في ترسيخ ثقافة العمل والإنتاج، وأوجد قاعدة واسعة من العمالة الفنية الماهرة، مؤكدًا أن التدريب العملي داخل مواقع الإنتاج يمثل أحد أهم عوامل نجاح أي منظومة للتعليم الفني.

وأشار إلى أن تطوير المدارس التكنولوجية بالتعاون مع خبرات أجنبية، سواء إيطالية أو يابانية أو صينية أو غيرها، يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الخريجين للعمل داخل مصر أو في الدول المشاركة في تنفيذ هذه التجارب، بما يسهم في زيادة تحويلات العاملين بالخارج من النقد الأجنبي.

الصناعة شرط أساسي لنجاح التعليم التكنولوجي

وأكد الخبير التربوي أن إنشاء المدارس التكنولوجية وحده لا يكفي لتحقيق النجاح، مشددًا على ضرورة وجود صناعة وطنية قوية تستوعب الخريجين وتوفر لهم فرص عمل حقيقية بعد انتهاء الدراسة.

وأوضح أن الدولة تحتاج إلى وضع خطة صناعية تحدد القطاعات والصناعات المستهدفة خلال السنوات المقبلة، بحيث يتم إعداد الطلاب وفقًا لاحتياجات هذه الصناعات، وليس تخريج دفعات في تخصصات لا تجد فرص عمل مناسبة.

الأولوية لتطوير المدارس الفنية قبل الجامعات التكنولوجية

وفيما يتعلق بالجامعات التكنولوجية، أبدى عبد العزيز تحفظه على التوسع فيها، مؤكدًا أن الأولوية يجب أن تكون لتطوير المدارس الفنية والتكنولوجية في مرحلة التعليم قبل الجامعي، باعتبارها الأساس الحقيقي لإعداد العمالة الفنية.

وشدد على أن فلسفة التعليم التكنولوجي يجب أن تقوم على تخريج فنيين مهرة يمتلكون خبرات عملية، وليس فقط منح درجات جامعية، مشيرًا إلى أن تجربة المعاهد الصناعية لمدة عامين بعد الدبلوم كانت نموذجًا ناجحًا أسهم في رفع كفاءة الخريجين دون تحويل جميع الطلاب إلى حملة مؤهلات جامعية.

وأضاف أن تحويل المعاهد الصناعية إلى جامعات خلال العقود الماضية أثر سلبًا على منظومة التعليم الفني، مؤكدًا أن سوق العمل يحتاج إلى العامل الفني الماهر بنفس قدر احتياجه إلى المهندس، وأن غياب هذه الفئة يسبب خللًا داخل المنظومة الإنتاجية.

التعليم الفني استثمار في بناء الإنسان

ولفت عبد العزيز إلى أن التعليم يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثمارًا في بناء الإنسان، وليس مجرد وسيلة لتحقيق عائد مالي، موضحًا أن ارتفاع الرسوم في بعض الجامعات التكنولوجية قد يمثل عائقًا أمام عدد من الطلاب الراغبين في الالتحاق بها.

وشدد على أن الاهتمام الحقيقي يجب أن يبدأ من مرحلة التعليم الفني بعد الإعدادية، مع إمكانية استكمال الدراسة من خلال معاهد صناعية متخصصة لمدة عامين ترتبط بخطة الدولة الصناعية واحتياجات سوق العمل.

وأكد أن الدولة مطالبة بوضع خطة واضحة لإنتاج سلع وصناعات تحمل شعار "صنع في مصر"، بحيث تصبح المدارس التكنولوجية جزءًا من منظومة إنتاج متكاملة تبدأ من إعداد الطالب وتنتهي بتوفير فرصة عمل داخل المصنع.

تحديات التعليم الفني التقليدي

وحول مصير الدبلومات الفنية التقليدية، أوضح عبد العزيز أن خريجي هذا النظام يواجهون تحديات كبيرة في سوق العمل، بسبب ضعف اكتساب المهارات الفنية المطلوبة، وهو ما يقلل من قدرتهم على المنافسة.

وأشار إلى أن منظومة التعليم الفني الحالية تنقسم إلى مسارين؛ الأول هو التعليم التكنولوجي التطبيقي الذي يتم بالشراكة مع القطاع الخاص، والثاني هو التعليم الفني التقليدي الذي يضم أعدادًا كبيرة من الطلاب لكنه يعاني من ضعف الإمكانات وقلة التدريب العملي.

وأضاف أن بعض الشركات المشاركة في التعليم التكنولوجي تركز على تجميع المنتجات أكثر من تصنيع مكوناتها، مؤكدًا أن الهدف يجب أن يكون إعداد كوادر قادرة على التصنيع والإنتاج المحلي، وليس فقط العمل في مراحل التجميع.

وأوضح أن المدارس الفنية التقليدية تحتاج إلى تطوير شامل يشمل تجهيز الورش، ورفع كفاءة المعلمين، وتحسين مستوى التدريب العملي، حتى تتحول إلى مسار تعليمي جاذب وليس مجرد اختيار للطلاب الذين لم يلتحقوا بالثانوية العامة.

إعادة بناء منظومة التعليم الفني

واستعرض الخبير التربوي تجربة التعليم الفني في ستينيات القرن الماضي، موضحًا أن الطلاب كانوا يُوجهون إلى مسارات مختلفة وفقًا لقدراتهم، حيث يلتحق أصحاب المستويات الدراسية الأقل ببرامج التأهيل المهني للعمل كمساعدين داخل الورش، بينما يتجه الطلاب الأعلى مستوى إلى التعليم الفني الصناعي المرتبط بالمصانع.

وأكد أن هذا النموذج كان يحقق التوازن بين قدرات الطلاب واحتياجات سوق العمل، مشيرًا إلى أن تراجع القطاع الصناعي خلال العقود الماضية انعكس بشكل مباشر على منظومة التعليم الفني، وأن استعادة قوة الصناعة المصرية تمثل المفتاح الأساسي لإعادة بناء هذه المنظومة.

تم نسخ الرابط