إزالة صورة خامنئي من كربلاء تشعل جدل النفوذ الإيراني في العراق.. ماالقصة
تحولت واقعة إزالة صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي من واجهة أحد المباني في مدينة كربلاء العراقية من إجراء أمني محدود إلى قضية سياسية أثارت جدلًا واسعًا حول حدود النفوذ الإيراني في العراق، وقدرة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي على فرض سلطة الدولة وتطبيق القوانين على مختلف الأطراف دون استثناء.
ماذا حدث؟
بدأت الواقعة عندما قام منتسبان في هيئة الحشد الشعبي بتعليق صورة كبيرة لخامنئي على واجهة مبنى يطل على أحد الشوارع الرئيسية في كربلاء، قبل أن تتدخل قوة حفظ النظام التابعة لوزارة الداخلية بقيادة اللواء أنور النصراوي لإزالتها، بدعوى عدم الحصول على الموافقات الأمنية المطلوبة.
وذكرت وسائل إعلام عراقية أن النصراوي أصدر تعليمات تمنع تعليق أي صور أو لافتات على المبنى دون موافقات رسمية، باعتبار ذلك جزءًا من الإجراءات المنظمة لحركة المواكب والفعاليات في المدينة.
في المقابل، أشارت رواية أخرى إلى أن مالك العقار نفسه طالب بإزالة الصورة من واجهة المبنى، وهو ما دفع الجهات الأمنية إلى تنفيذ الطلب، مع التأكيد على منع تعليق أي صور أخرى على البناية.
لكن القضية سرعان ما تجاوزت الجانب التنظيمي، بعدما شنت منصات مقربة من الفصائل المسلحة حملة انتقادات ضد قائد قوة حفظ النظام، وصلت إلى المطالبة بمحاسبته قانونيًا، بينما دافع سياسيون وإعلاميون عن الضابط، مؤكدين أن ما قام به يندرج ضمن تنفيذ التعليمات الأمنية المعمول بها، وأن الهجوم عليه يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الواقعة نفسها.
ويرى محللون أن الحادثة، التي بدأت كإجراء أمني يتعلق بتنظيم تعليق اللافتات في منطقة تخضع لإجراءات مشددة، تحولت إلى مواجهة سياسية بين أطراف مختلفة، وسط نقاش أوسع حول مستقبل النفوذ الإيراني في العراق، والدعوات المتزايدة لتعزيز سيادة الدولة وتقليص تأثير القوى الخارجية على القرار العراقي.
اختبار لحكومة الزيدي
وتكتسب الواقعة أهمية خاصة بسبب توقيتها، إذ تأتي في مرحلة يضع فيها رئيس الوزراء علي الزيدي ملف استعادة هيبة الدولة وتأكيد احتكار المؤسسات الرسمية لتنفيذ القانون ضمن أولويات حكومته.
ويرى محللون أن الحادثة تمثل اختبارًا عمليًا لقدرة الحكومة على تطبيق توجهاتها بعيدًا عن الضغوط السياسية أو حسابات الفصائل، خاصة في ظل استمرار الجدل حول دور الجماعات المسلحة وتأثيرها في المشهد الأمني والسياسي.
كما أعادت الواقعة إلى الأذهان خطوة اتخذها رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي عام 2021، عندما أزالت السلطات صور خامنئي وقائد فيلق القدس الإيراني الراحل قاسم سليماني من محيط جامع أبي حنيفة النعمان في منطقة الأعظمية ببغداد، وهي الخطوة التي أثارت حينها نقاشًا واسعًا بشأن حدود النفوذ الإيراني داخل العراق.
وقائع سابقة لجدل صور الرموز الإيرانية
ولا تعد حادثة كربلاء الأولى من نوعها في العراق، إذ شهدت البلاد خلال السنوات الماضية وقائع مشابهة عكست حالة الانقسام بشأن حضور الرموز الإيرانية في الفضاء العام.
وخلال احتجاجات عام 2019، أقدم متظاهرون على إحراق القنصلية الإيرانية في النجف، كما أزيلت وأحرقت صور خامنئي وقاسم سليماني في بغداد وعدد من مدن الجنوب، في رسالة احتجاجية ضد النفوذ الإيراني.
كما شهدت محافظات عدة، من بينها بغداد والنجف وكربلاء والناصرية والبصرة، عمليات إزالة أو تمزيق لافتات تحمل صور قادة إيرانيين أو شخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة، خاصة خلال فترات الاحتجاجات والأزمات السياسية.
وبعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس مطلع عام 2020، انتشرت جداريات وصور ضخمة لهما في عدد من المدن العراقية، قبل أن تتم إزالة بعضها لاحقًا، ما عكس استمرار الجدل حول حضور هذه الرموز.
صراع النفوذ والسيادة
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه العراق نقاشًا متزايدًا حول مستقبل علاقاته الإقليمية، بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى طهران بعد أيام من لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، وسط استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
واعتبر محللون أن هذا التزامن منح الواقعة بعدًا سياسيًا إضافيًا، باعتبارها اختبارًا لمدى قدرة الحكومة على تنفيذ مشروعها القائم على تعزيز سلطة الدولة وإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والأمنية المختلفة.



