موجة الحر في أمريكا تحصد 69 قتيلا وسط تحذيرات من حصيلة أكبر
لم تكن موجة الحر الشديدة التي اجتاحت الولايات المتحدة مطلع يوليو مجرد ظاهرة مناخية عابرة، إذ كشفت بيانات جديدة عن ارتفاع حصيلة ضحاياها، بينما يحذر خبراء من أن الأعداد الحقيقية قد تكون أكبر بكثير مما تعلنه السلطات.
وأظهر مسح أجرته صحيفة «واشنطن بوست» استنادًا إلى بيانات إدارات الصحة وسجلات الطب الشرعي وتقارير إعلامية محلية، أن ما لا يقل عن 69 شخصًا لقوا حتفهم بسبب موجة الحر، لتصبح من بين أكثر الكوارث الجوية فتكا في الولايات المتحدة خلال القرن الحادي والعشرين.
ويرى مختصون أن العدد المعلن لا يعكس الحجم الحقيقي للخسائر البشرية، بسبب بطء وعدم انتظام آليات توثيق الوفيات المرتبطة بالحرارة، إذ تعتمد معظم الولايات على شهادات الوفاة الرسمية التي يستغرق إصدارها أسابيع، وغالبًا لا تُدرج الحرارة بوصفها عاملًا مساهمًا في الوفاة.
ضحايا موجة الحر في أمريكا
وقالت كريستي إيبي، عالمة الأوبئة في مركز الصحة والبيئة العالمية بجامعة واشنطن، إن موجات الحر تمثل "أحداث وفيات جماعية"، لكن غياب الأرقام الدقيقة يجعل من الصعب إدراك مدى خطورتها.
وفي المقابل، تعتمد عدة دول أوروبية على منهجية "الوفيات الزائدة"، التي تقارن عدد الوفيات خلال فترة زمنية معينة بالعدد المتوقع في الظروف الطبيعية لتقدير الوفيات المرتبطة بالحرارة، وهي المنهجية نفسها التي استُخدمت على نطاق واسع خلال جائحة كورونا.
وبحسب مسؤولين أوروبيين، سُجل أكثر من 10 آلاف وفاة زائدة مرتبطة بموجة الحر القياسية التي ضربت القارة خلال يونيو الماضي.
وقالت جوان كيسي، عالمة الأوبئة البيئية بجامعة واشنطن، إن الولايات المتحدة "تتخلف عن أوروبا في حماية صحة السكان أثناء موجات الحر الشديدة"، مؤكدة أن لديها القدرة على تطبيق أنظمة رصد مماثلة إذا توفرت الإرادة اللازمة.
وتزامنت الوفيات مع تسجيل درجات حرارة قياسية في أكثر من 20 ولاية، حيث تجاوزت الحرارة في مناطق واسعة 100 درجة فهرنهايت لعدة أيام متتالية، ما عرض ملايين الأشخاص لمستويات خطرة من الإجهاد الحراري.
وخلص باحثون في شبكة الإسناد العالمي للطقس إلى أن الظروف الحارة والرطبة التي سادت مطلع يوليو كانت "مستحيلة عمليًا" لولا الاحترار العالمي الناتج عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
ويؤكد خبراء أن الحرارة الشديدة لا تؤدي فقط إلى ضربات الشمس، بل تفرض ضغطًا كبيرًا على القلب والكليتين وأجهزة الجسم المختلفة، ما قد يفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وأمراض الجهاز التنفسي والكلى، وينتهي في بعض الحالات بالوفاة.
وقال جاريفالوس كونستانتينوديس، عالم الأوبئة في إمبريال كوليدج لندن، إن التركيز على ضربات الشمس وحدها "ليس سوى غيض من فيض"، لأن كثيرًا من الوفيات تحدث نتيجة تفاقم الأمراض المزمنة بفعل الحرارة المرتفعة.
وأشار خبراء إلى أن شهادات الوفاة غالبًا ما تسجل السبب المباشر، مثل النوبة القلبية أو الفشل الكلوي، دون الإشارة إلى أن موجة الحر كانت العامل الذي أدى إلى تفاقم الحالة.
وفي ولاية ماريلاند، التي سجلت ما لا يقل عن 19 وفاة مرتبطة بموجة الحر، أوضحت وزارة الصحة أن تصنيف الوفاة على أنها مرتبطة بالحرارة يتطلب تحقيقًا شاملًا يشمل مراجعة التاريخ الطبي، ومعاينة موقع الوفاة، وإجراء فحص ما بعد الوفاة.
ووصف الخبراء موجات الحر بأنها "القاتل الصامت"، لأن كثيرًا من الوفيات المرتبطة بها لا تُسجل رسميًا على هذا الأساس، ما يؤدي إلى التقليل من حجم تأثيرها الحقيقي.
كما أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون في إنجلترا وويلز أن تغير المناخ أسهم في رفع درجات الحرارة القصوى خلال موجة الحر في يونيو بمقدار يتراوح بين 3 و4 درجات مئوية، وكان مسؤولًا عن نحو 38% من الوفيات المسجلة خلال تلك الفترة، بما يزيد على 800 حالة وفاة، في مؤشر جديد على التأثير المتزايد للاحتباس الحراري في الخسائر البشرية.



