هناك لحظات لا تُقاس بما يصدر فيها من قرارات، بل بما تؤسسه من مبادئ للمستقبل، والقرار الذي أنهى حالة استمرت ستة عشر عامًا داخل الاتحاد العام للمصريين بالخارج لم يكن مجرد تصحيح لإجراء تنظيمي، بل إعلانًا واضحًا بأن زمن إدارة المؤسسات بمنطق الأمر الواقع قد انتهى، وأن الشرعية في الجمهورية الجديدة لا يمنحها طول البقاء، وإنما يمنحها احترام القانون. ومن هنا، لم يعد هذا الملف يخص اتحادًا بعينه، بل أصبح نموذجًا لطريقة إدارة الدولة لملفاتها عندما تتوافر الوقائع والوثائق، وحين تكون حماية المؤسسات مقدمة على حماية الأشخاص.
لم يكن القرار الرسمي بإيقاف وإبطال الجمعية العمومية للاتحاد العام للمصريين بالخارج مجرد إجراء إداري يتعلق بكيان أهلي، بل مثل لحظة فارقة أعادت التأكيد على مبدأ بات يحكم إدارة الدولة المصرية، وهو أن الشرعية لا تُكتسب بمرور الزمن، وإنما تستمد وجودها من الالتزام بالقانون؛ فالقرار أنهى حالة استمرت سنوات طويلة، وأغلق الباب أمام منح شرعية لإجراءات كانت محل مراجعة قانونية، مؤكدًا أن دولة المؤسسات لا تقبل بقاء أي وضع خارج الإطار الذي رسمه القانون.
جاء القرار بعد أيام من نشر موقع "نيوز روم" مقالا لي بعنوان: «الاتحاد العام للمصريين بالخارج... مؤسسة وطنية أم ملكية خاصة؟»، وهو مقال لم يقم على الانطباعات أو الاتهامات، وإنما استند إلى الوثائق واللوائح الرسمية، وطرح أمام الرأي العام والجهات المختصة تساؤلات قانونية وإدارية حول كيفية إدارة الاتحاد واستمرار أوضاعه التنظيمية. ولم يدّع المقال امتلاك الحقيقة المطلقة، بل التزم بالدور الطبيعي للصحافة المهنية؛ عرض الوقائع والمستندات وترك لمؤسسات الدولة مسؤولية الفحص والتحقق واتخاذ القرار، وهو ما يمنح هذه التجربة دلالتها الحقيقية في العلاقة بين الإعلام الوطني والدولة.
فالصحافة الوطنية لا تؤدي دورها عندما تتحول إلى منصة للاتهامات أو الخصومات، وإنما عندما تقدم المعلومات الموثقة وتفتح المجال أمام مؤسسات الدولة لممارسة اختصاصاتها. وهذا ما حدث في هذا الملف؛ إذ تعاملت الجهات المختصة مع ما ورد في المقال بروح قانونية ومؤسسية، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، حتى انتهت مراجعاتها إلى إصدار القرار الرسمي، لتكون الكلمة الأخيرة للدولة وحدها، لا للإعلام ولا لأي طرف آخر.
ولا تتوقف أهمية هذا القرار عند حدود الاتحاد العام للمصريين بالخارج، بل تمتد إلى ما يحمله من رسائل تتعلق بإدارة المؤسسات في الجمهورية الجديدة؛ فالقرار يؤكد أن اللوائح لم تعد قابلة للتفسير بما يفرغها من مضمونها، وأن الإجراءات الشكلية لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة لفرض أمر واقع أو إنتاج شرعية لا تستند إلى صحيح القانون، كما يؤكد أن الحوكمة لم تعد عنوانًا نظريًا، وإنما ممارسة عملية تتجسد في مراجعة الإجراءات وتصويب المسارات كلما اقتضت الضرورة ذلك.
ومنذ تأسيسه، كان الاتحاد العام للمصريين بالخارج فكرة وطنية تستهدف جمع أبناء مصر في مختلف أنحاء العالم داخل إطار مؤسسي واحد يعبر عن مصالحهم ويعزز ارتباطهم بوطنهم. ولم يكن الهدف يومًا أن يصبح هذا الكيان حكرًا على أشخاص أو أن يرتبط بقوة أفراد؛ لأن المؤسسات الوطنية لا تستمد استقرارها من استمرار القيادات، وإنما من احترام قواعد التداول والشفافية وتجديد الدماء وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات للمشاركة في إدارتها.
ولذلك فإن مراجعة أوضاع الاتحاد لا ينبغي النظر إليها باعتبارها خلافًا بين أطراف، وإنما باعتبارها خطوة تستهدف حماية مؤسسة أنشئت لخدمة ملايين المصريين بالخارج. فالدولة عندما تتحرك لمراجعة مؤسسة وطنية لا تنتقص من مكانتها، بل تعززها؛ لأن قوة المؤسسات لا تتحقق باستمرار الأوضاع القائمة، وإنما بقدرتها على تصحيح مسارها كلما ظهرت أسباب موضوعية تستدعي ذلك.
وقد أثبتت هذه التجربة أن بناء الدولة الحديثة لا يقوم فقط على تنفيذ المشروعات الكبرى، وإنما أيضًا على ترسيخ ثقافة المراجعة والمساءلة واحترام القانون. فالدولة القوية ليست هي التي تخلو من الأخطاء، وإنما التي تمتلك الإرادة لتصويبها دون تردد، وتتعامل مع الملفات الحساسة بمنهج مؤسسي يوازن بين حماية الكيانات الوطنية وضمان خضوعها للقواعد القانونية ذاتها التي يخضع لها الجميع.
ولعل أهم ما كشفه هذا الملف أن المشكلة لم تكن في وجود خلاف حول تفسير مادة تنظيمية أو إجراء إداري، وإنما في خطورة تحول الأمر الواقع مع مرور الزمن إلى بديل عن المشروعية القانونية. فالتاريخ الإداري يعلمنا أن كثيرًا من المؤسسات لا تضعف بسبب نقص الإمكانات، وإنما بسبب غياب المراجعة واستمرار الممارسات ذاتها حتى تتحول إلى أعراف يظن البعض أنها أصبحت فوق القانون. وهنا جاءت رسالة الدولة واضحة؛ فلا شرعية إلا لما يستند إلى القانون، ولا يمكن لأي إجراء يثور حوله خلاف قانوني أن يصبح أساسًا لاستمرار أوضاع قائمة أو إنتاج واقع جديد قبل حسم مشروعيته.
لقد كان من السهل أن تستمر الأمور كما كانت طوال سنوات، لكن الدولة اختارت طريقًا مختلفًا يقوم على المراجعة والتصحيح، وهو ما يعكس فلسفة متنامية في إدارة مؤسساتها، قوامها أن هيبة الدولة لا تتحقق بغض الطرف عن الأخطاء، وإنما بامتلاك الشجاعة اللازمة لمعالجتها وفق القانون. وهذه هي الرسالة الأهم التي يتجاوز أثرها الاتحاد العام للمصريين بالخارج لتشمل كل مؤسسة عامة أو أهلية أو مهنية، مفادها أن زمن إدارة المؤسسات بمنطق الأمر الواقع قد انتهى، وأن الحوكمة والشفافية لم تعودا مجرد شعارات، بل أصبحتا التزامًا عمليًا.
إن المنتصر الحقيقي في هذا الملف لم يكن مجلة موقع "نيوز روم" ولا كاتب المقال، وإنما الدولة المصرية التي أكدت مجددًا أن حماية المؤسسات تبدأ من احترام القانون، وأنها لا تتردد في مراجعة أي ملف متى توافرت الأسباب الموضوعية لذلك. كما انتصرت الصحافة الوطنية الجادة التي قدمت نموذجًا مهنيًا يقوم على الوثيقة لا على الشائعة، وعلى الحقائق الموثقة لا على الاتهامات المجردة، وعلى احترام مؤسسات الدولة لا على مصادرة دورها.
واليوم، وبعد صدور القرار، تبدو الفرصة مهيأة لبدء مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء الثقة واستعادة الدور الحقيقي للاتحاد العام للمصريين بالخارج، ليصبح مؤسسة حديثة تعبر عن جميع المصريين في الخارج، وتدار وفق أعلى معايير الشفافية والكفاءة، وتكون شريكًا للدولة في تعزيز ارتباطهم بوطنهم والاستفادة من خبراتهم وإمكاناتهم. فالمؤسسات الوطنية لا تُقاس بطول بقاء قياداتها، وإنما بقدرتها على تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، وبالتزامها الدائم بسيادة القانون، وهي القاعدة التي كرستها الدولة بوضوح في هذا الملف، لتؤكد أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن المؤسسات ستظل ملكًا للدولة والمواطنين، لا مجال فيها للاحتكار أو الالتفاف على القانون.

