عاجل

الحر يخنق أكبر سجن في أوروبا.. اكتظاظ خانق وحرارة تتجاوز 40 درجة

سجن فلوري ميروجيس
سجن فلوري ميروجيس

لم تقتصر تداعيات موجة الحر الشديدة التي تضرب فرنسا على الشوارع والمنازل، بل امتدت إلى السجون، حيث كشفت درجات الحرارة القياسية عن أزمة هيكلية مزمنة داخل المؤسسات العقابية، في ظل اكتظاظ غير مسبوق وبنية تحتية متهالكة، ما دفع مسؤولين وخبراء إلى التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل أماكن الاحتجاز.

وتواجه ملايين الفرنسيين موجة حر قاسية، وسط تحذيرات من تجاوز درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية في عدد من المناطق، فيما رفعت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية مستوى الإنذار إلى الدرجة الحمراء في 35 مقاطعة، مع وضع 45 مقاطعة أخرى تحت الإنذار البرتقالي، في ظل توقعات باستمرار الارتفاع الكبير في درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة.

Fleury-Mérogis: سجن أوروبا الكبير سيسافر لمدة 50 عامًا - لو باريزيان
سجن فلوري ميروجيس

موجة حر تاريخية تكشف أزمة السجون الفرنسية

وتشير التوقعات إلى أن الموجة الحالية قد تكون من بين الأعنف التي تشهدها فرنسا خلال السنوات الأخيرة، مع تسجيل درجات حرارة تتراوح بين 39 و40 درجة مئوية في مناطق واسعة من جنوب غربي البلاد ومنطقة باريس وبورغوندي، مع احتمال وصولها إلى 41 درجة مئوية في بعض المناطق. 

ويشمل نطاق التحذيرين الأحمر والبرتقالي نحو 53 مليون شخص، مع تركز أعلى مستويات التنبيه في وسط وغرب البلاد وصولًا إلى الجنوب الغربي.

وفي قلب الأزمة، برزت معاناة السجناء داخل سجن فلوري ميروجيس، أكبر السجون الفرنسية، حيث يقيم أربعة سجناء داخل زنزانة لا تتجاوز مساحتها 11 مترًا مربعًا، وهو ما يزيد من وطأة الحرارة الخانقة داخل المنشأة.

وأكد أندريه فيراني، الأمين العام للمفتش العام الفرنسي لأماكن الحرمان من الحرية، أن تصميم السجون الفرنسية يجعلها غير ملائمة إطلاقًا لمواجهة موجات الحر المتكررة، موضحًا أن معظم المباني قديمة، وسيئة الصيانة والعزل، ولا توفر حماية كافية من الحرارة أو حتى من البرودة.

يظهر في الصورة أحد المحتجزين في زنزانته بمركز الاحتجاز الاحتياطي في هوت دو سين.

وقال إن الخرسانة تحتفظ بحرارة النهار لساعات طويلة، بينما تتحول الزنازين إلى أماكن خانقة بسبب ضعف التهوية وضيق المساحات، مشيرًا إلى أن النوافذ المقواة تمنع تجدد الهواء، فيما تحتوي كثير من الزنازين على مراحيض مفتوحة جزئيًا داخل مساحة المعيشة، ما يزيد من صعوبة الظروف الصحية.

وأضاف أن الاكتظاظ يجعل الوضع أكثر سوءًا، إذ تنتهي الحال بوجود شخصين أو ثلاثة داخل زنزانة صُممت في الأساس لاستيعاب سجين واحد، بينما تُوضع مراتب إضافية على الأرض بسبب نقص الأسرّة، الأمر الذي يحدّ من الحركة بشكل كامل.

ولا تقتصر المعاناة على السجناء، إذ أكد ويلفريد فونك، الأمين العام لنقابة عمال السجون UFAP-UNSa Justice، أن موظفي السجون يواجهون الظروف نفسها، مشيرًا إلى أن الحراس يعملون لساعات طويلة وهم يرتدون سترات واقية من الطعن، وسط درجات حرارة مرتفعة للغاية.

وأوضح فونك أن بعض مراكز الاحتجاز، خصوصًا في شرق فرنسا، سجلت 37 درجة مئوية داخل الزنازين، مضيفًا أن أحد زملائه وصف ظروف العمل بأنها "العمل داخل غلاية"، في إشارة إلى شدة الحرارة.

وحذر من أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من مستويات التوتر داخل السجون، ما يرفع احتمالات وقوع أعمال عنف بين السجناء أو ضد موظفي السجون، خاصة في ظل وجود ثلاثة أو أربعة محتجزين داخل زنزانة واحدة.

وتُعد السجون الفرنسية من بين الأكثر اكتظاظًا في أوروبا، ولا تتجاوزها في معدلات الاكتظاظ سوى سجون قبرص وسلوفينيا. ووفق الإحصاءات الرسمية، بلغ عدد المحتجزين في فرنسا حتى الأول من مايو 88 ألفًا و654 سجينًا، بزيادة تقارب 5 آلاف سجين خلال عام واحد، بينما لم تتم إضافة سوى 750 مكانًا جديدًا داخل المؤسسات العقابية خلال الفترة نفسها.

في فرنسا التي تعاني من موجة حر شديدة، يسود "الجنون" والفوضى بين متسوقي مكيفات الهواء | صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست

وتبلغ نسبة الاكتظاظ العامة في السجون الفرنسية نحو 140%، بينما ترتفع إلى أكثر من 172% في مراكز الاحتجاز الاحتياطي، التي تضم الموقوفين بانتظار المحاكمة والمحكوم عليهم بعقوبات تقل عن عامين.

وتكشف البيانات الرسمية أن نحو 7693 سجينًا اضطروا إلى النوم على مراتب موضوعة على أرضيات الزنازين بسبب نقص الأسرّة، فيما يقضي بعض المحتجزين ما يصل إلى 22 ساعة يوميًا داخل الزنزانة، ولا يُسمح لهم إلا بفترتي خروج قصيرتين إلى ساحات التريض.

وأشار فيراني إلى أن المعايير تنص على تخصيص 9 أمتار مربعة لكل سجين، مع إضافة 3 أمتار مربعة لكل شخص إضافي، إلا أن الواقع مختلف تمامًا بسبب الاكتظاظ، حيث يتشارك عدة سجناء مساحة صغيرة للغاية.

كما أوضح أن السجون الفرنسية لا تضم قاعات طعام مشتركة، إذ يتناول النزلاء وجباتهم داخل الزنازين، ويضطرون في كثير من الأحيان إلى إعادة تسخين الطعام بأنفسهم داخل أماكن الاحتجاز.

يظهر المحتجزون في صور داخل زنزانتهم في مركز الاحتجاز الاحتياطي في هوت دو سين.

وأثارت أوضاع السجون الفرنسية انتقادات دولية متكررة، إذ اعتبرت اللجنة الفرعية للأمم المتحدة المعنية بمنع التعذيب، عقب زيارة شملت 18 مركز احتجاز، أن الاكتظاظ يمثل أحد أخطر التحديات التي تقوض الحقوق الأساسية للسجناء، مؤكدة أن بعض الظروف التي رُصدت قد ترقى إلى مستوى المعاملة اللاإنسانية أو المهينة بموجب القانون الدولي.

كما حذر وفد تابع لمجلس أوروبا من أن السجون المكتظة قد تتحول إلى "مستودعات بشرية"، في ظل استمرار تدهور أوضاع الاحتجاز.

وتشير تقديرات مسؤولي قطاع السجون إلى أن عدد السجناء قد يصل إلى 100 ألف سجين بحلول نهاية العام الجاري أو مطلع عام 2027، في وقت لا تزال الطاقة الاستيعابية للمؤسسات العقابية دون تغيير يُذكر.

ويرى مسؤولو السجون أن معالجة الأزمة لا تقتصر على بناء منشآت جديدة، بل تتطلب التوسع في بدائل العقوبات السالبة للحرية، مثل الخدمة المجتمعية والغرامات اليومية والإفراج المشروط، إلى جانب تعديل الأحكام بما يسمح بالإفراج عن بعض السجناء في ظروف أكثر أمانًا.

تعاني السجون في فرنسا أيضاً من الحرارة الشديدة

ورغم أن فرنسا أقرت تشريعات تتيح بدائل للسجن، فإن فيراني أكد أن تلك الإجراءات لم تنجح في خفض أعداد المحتجزين، بل أدت إلى توسيع نطاق منظومة العدالة الجنائية بالتوازي مع استمرار ارتفاع معدلات السجن.

وشدد على أن البنية التحتية الحالية تحتاج إلى عمليات تحديث واسعة لتصبح قادرة على مواجهة موجات الحر المتزايدة بفعل التغير المناخي، مؤكدًا أن الحرارة لا تخلق الأزمة، بل تكشف هشاشة أوضاع الاحتجاز القائمة طوال العام.

وتعيد موجة الحر الحالية إلى الأذهان صيف عام 2003، عندما تسببت موجة حر استثنائية في وفاة نحو 15 ألف شخص في فرنسا، وهو ما دفع السلطات إلى إنشاء نظام وطني للإنذار من موجات الحر عام 2004.

سجن فرنسي مكتظ يعاني من حرارة "لا تُطاق" | كمبوديا

وبحسب وكالة الصحة العامة الفرنسية، أسفرت موجات الحر خلال عام 2025 عن وفاة نحو 5700 شخص، مقارنة بنحو 3700 وفاة في العام السابق، وكان كبار السن، ولا سيما من تجاوزوا 75 عامًا، الفئة الأكثر تضررًا.

وتواصل السلطات الفرنسية دعوة السكان إلى تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، والإكثار من شرب المياه، والالتزام بالإرشادات الوقائية، مع التركيز على حماية كبار السن والأطفال والفئات الأكثر عرضة لمضاعفات ارتفاع درجات الحرارة.

تم نسخ الرابط