عاجل

هناك كلمات تُقال فتُعجب السامعين، وهناك كلمات تكتسب قيمتها لأنها خرجت من صاحبها وهو أول من عمل بها. ومن هذا القبيل قول الإمام علي بن الحسين "زين العابدين" عليه السلام:

 «عليكم بأداء الأمانة، فوالذي بعث محمدًا بالحق نبيًّا، لو أن قاتل أبي الحسين بن علي عليه السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته إليه».

إنها ليست عبارة عن التسامح، ولا دعوة إلى نسيان المظالم، وإنما إعلان عن مبدأ إسلامي راسخ: أن الأمانة حق لله قبل أن تكون حقًا للناس، فلا تسقط بالعداوة، ولا تتغير بتغير الأشخاص.

ولكي ندرك عمق هذه الكلمات، يكفي أن نتذكر من قائلها. فالإمام زين العابدين هو ابن الإمام الحسين عليه السلام، الناجي من مأساة كربلاء، والذي رأى أباه وأهل بيته يُقتلون أمام عينيه، وعاش بقية عمره يحمل جراح تلك الفاجعة.

ومع ذلك، لم يسمح للألم أن يبدل ميزان الأخلاق، ولم يجعل الخصومة مبررًا للخيانة، بل أقسم بالله أن قاتل أبيه نفسه، لو ائتمنه على السيف الذي سفك به دم الحسين، لرده إليه كما استلمه.

إنها قمة الانتصار على هوى النفس، وقمة الالتزام بقوله تعالى:

 ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.

فالقرآن لم يربط أداء الأمانة بالمحبة، ولم يقل: أدوا الأمانات إلى من تحبون، وإنما إلى أهلها، لأن قيمة الإنسان تظهر حين يؤدي الحق لمن يختلف معه، لا لمن يوافقه.

ولعل من أخطر أمراض عصرنا أن البعض يظن أن الخصومة تبيح الكذب، أو الغش، أو أكل الحقوق، أو إفشاء الأسرار، وكأن الأخلاق تتبدل بتبدل الأشخاص. أما مدرسة أهل البيت عليهم السلام فقد قررت أن الأخلاق ليست ردود أفعال، وإنما مبادئ ثابتة لا تخضع للمزاج ولا للمصلحة.

وما أسهل الوعظ والكلمات الرنانة، وما أصعب ترجمة ذلك إلى مواقف حقيقية ...
والإمام زين العابدين لم يكن ليكتفي بالوعظ دون الفِعال، بل ترجم هذه القيم إلى مواقف خالدة.

ومن أبرز ذلك ما حصل في وقعة الحرة سنة 63هـ، حين اضطربت المدينة المنورة وحاصرها جيش الشام، خشي مروان بن الحكم على نسائه وأهله لخلاف وقتئذ بينه وبين يزيد بن معاوية، ولم يجد من يأتمنه عليهم إلا الإمام زين العابدين، رغم ما كان بين البيتين من خصومة سياسية، ورغم مواقف مروان المخزية من أهل البيت.

فقال للإمام: «يا أبا محمد، إن لي رحمًا، وحرمي تكون مع حرمك.» فلم يتردد الإمام في قبول طلبه، وأرسل في طلب نساء مروان، ثم خرج بهن مع نسائه حتى أوصلهن إلى ينبع؛ صيانةً لهن وحفظًا لحرمة المستجير، حتى انقضت الفتنة، فكان مروان شاكرًا لهذا الصنيع.

ذلك الموقف لم يكن مجاملة، بل كان التطبيق العملي لكلمته الخالدة. فالرجل الذي قال: «لو أن قاتل أبي ائتمنني على سيفه لأديته إليه»، هو نفسه الذي حفظ أهل خصمه، لأن الأمانة عنده ليست شعورًا، وإنما عبادة، وليست موقفًا سياسيًا، وإنما خلق يتقرب به إلى الله.

وهكذا يعلّمنا الإمام زين العابدين عليه السلام أن عظمة الأخلاق لا تظهر حين يسهل الالتزام بها، وإنما حين يكون التفريط فيها مبررًا في نظر الناس، ثم يرفض المؤمن ذلك ابتغاء مرضاة الله. فالمبادئ التي تتغير مع الخصومات ليست مبادئ، أما أخلاق الأنبياء وأهل بيتهم، فتبقى ثابتة، لأنها مستمدة من أمر الله، لا من هوى النفوس.
فسلامٌ على الطيبين من أهل الأمانة في كل زمانٍ ومكان، الذين إذا اختلفوا لم يظلموا، وإذا قدِروا لم يخونوا، وإذا اؤتُمنوا أدَّوا، فكانت أخلاقهم عنوان إيمانهم.

تم نسخ الرابط