لم أكن أتصور يومًا أنني سأكتب عن الحزن من داخله، فمن السهل أن نتحدث عن الفقد ما دمنا نقف خارجه. نقول إن الأيام تمضي، وإن الإنسان لا بد أن يصبر، وإن الحياة، مهما حدث، ستستمر... نعم، كلها كلمات صحيحة، قلت بعضها من قبل لأناس ثكلى، وسمعت بعضها كثيرًا، لكنني اكتشفت بعد رحيل زوجتي وحبيبتي ورفيقة دربي، هدى، أن للفقد لغة أخرى لا يعرفها حقًا إلا من عاشها وذاق شعور الفقد والغياب.
حين تفقد زوجتك، لا تفقد شخصًا عزيزًا فحسب، بل تفقد تفاصيل كاملة كانت تشكل يومك من دون أن تنتبه إلى قيمتها، صوتًا تأنس لسماعه، ووجهًا تطمئن لحضوره، وحديثًا كان ينتظرك في نهاية يوم عمل شاق، وأشياء كانت تبدو صغيرة جدًا في وقتها، ولم أكن أعرف أنها تحتل كل هذه المساحة من حياتي إلا عندما غابت.
عندما رحلت هدى، فقدت الزوجة والحبيبة ورفيقة الدرب وونس الروح وسكنها، ومنذ رحيلها، صرت أفهم الحزن بطريقة مختلفة.
صرت أفهم كيف يستطيع الإنسان أن يكون مؤمنًا بقضاء الله، مسلمًا بحكمه، وهو في الوقت نفسه ينفطر حزنًا. وصرت أفهم أن الدموع لا تعني ضعف اليقين، وأن الاشتياق لا يناقض الرضا بقضاء الله وقدره، وأن القلب قد يوقن أن لله ما أخذ وله ما أعطى، ثم يتألم لأن من أحبها لم تعد هنا.
تعلمت أن هذه المساحة بين الحزن والتسليم هي أصعب ما يعيشه الإنسان بعد الفقد.
فأنا أوقن أن الموت حق، وأؤمن بأن الأجل إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر، وأعلم أن هدى رحمها الله انتقلت من دار إلى دار، وأن رحمته سبحانه وتعالى أوسع من أحزاننا جميعًا. لكن كل هذا الإيمان لا يلغي حقيقة بشرية بسيطة... أنني أفتقدها... أفتقد وجودها، وليس في هذا الافتقاد اعتراض على قضاء الله، وإنما هو أثر المحبة.
ولعلنا أحيانًا نظلم الحزين حين نطالبه - ولو بحسن نية- بأن يتجاوز حزنه سريعًا، أو حين نضع أمامه كلمات الصبر والرضا وكأن عليه أن يثبت إيمانه بإخفاء ألمه، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أكمل الناس إيمانًا وتسليمًا، عرف الحزن.
حزن على أم المؤمنين سيدتنا خديجة رضي الله عنها، زوجته ورفيقة بدايات الدعوة، التي آمنت به وصدقته وواسته ووقفت إلى جواره في أشد أيامه. ثم فقد عمه أبا طالب، فكان ذلك في العام الذي اشتهر في كتب السيرة بـ "عام الحزن".
ولأن الله سبحانه وتعالى يعلم أثر الفقد على قلب حبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد آنسه برحلة الإسراء والمعراج ليخفف عنه بعض من ألم الفقد والحزن فكان في هذه الرحلة من معاني التكريم والمؤانسة والتثبيت ما يفتح لنا بابًا لفهم رحمة الله بالقلوب حين يثقلها الألم.
وحين مات ابنه إبراهيم بأبي هو وأمي، بكى حبيبنا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقال كلماته التي أصبحت أقرب إلى قلبي اليوم مما كانت عليه من قبل: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
"إن القلب ليحزن" .. توقفت طويلًا أمام هذه الكلمات، فلم يقل لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن المؤمن لا يحزن، ولم يجعل الدمع نقيضًا للصبر، بل أقر للقلب بحقه في أن يتألم، وللعين بحقها في أن تدمع، ثم رسم الحد الفاصل بين الحزن والتسليم: "ولا نقول إلا ما يرضى ربنا".
وربما هنا تكمن المعادلة الصعبة التي أحاول أن أتعلمها كل يوم: أن أحزن دون أن أعترض على قضاء الله، وأن أبكي دون أن أفقد يقيني به سبحانه. أما الاشتياق، فلا أظن أن الإنسان يملك له دفعًا، تشتاق لأنك أحببت، وتفتقد لأن لهذا الإنسان مكانًا في قلبك وحياتك.
لا أكتب هذا تنظيرًا على الحزن، فقد تعلمت في محنتي هذه أن الحزن تحديدًا لا يحتمل كثيرًا من التنظير. فلكل واحد منا حكايته مع الفقد، ولكل قلب طريقته وقدرته على الاحتمال. وما يبدو يسيرًا لمن يقف خارج التجربة قد يكون شديد القسوة على من يعيشها.
هناك أوقات يبدو فيها الإنسان بخير، يتحدث ويعمل ويلتقي الناس وربما يضحك معهم، ثم تعيده تفصيلة صغيرة في لحظة واحدة إلى من فقد... مكان أو صورة أو كلمة أو حتى ذكرى عابرة، وربما موقف كان أول شخص يريد أن يحكيه له هو ذلك الغائب.
وقد اكتشفت أن للحزن أيامه التي لا تشبه بعضها. لا يبدأ في يوم ثم يتناقص بانتظام حتى ينتهي. أحيانًا يهدأ، وأحيانًا يهاجم فجأة بشراسة، وربما تمر أيام تظن أنك أصبحت أكثر قدرة على الاحتمال، ثم تأتي لحظة شوق تعيد إليك وطأة الغياب.
لهذا صرت أكثر حذرًا من الحكم على أحزان الناس. لا تقل لمن فقد حبيبًا: لقد مر وقت كاف.. كفاك حزنًا. ومن منا يملك أصلًا أن يحدد للآخرين وقتًا للحزن؟! وحتى عبارة "حاول أن تنسى وتنشغل بشئ" أصبحت أستغربها، كيف ينسى الإنسان جزءًا من عمره؟! قد يعود إلى عمله وحياته، وقد يضحك ويجلس مع الناس، لكن شيئًا في داخله يعرف أن هناك من كان هنا ولم يعد.
لا أبالغ إن قلت: "إن الحزن ابن المحبة". ولولا أننا أحببنا بهذا القدر، ربما ما أوجعنا الغياب بهذا القدر أيضًا. لكنني أعرف في الوقت نفسه أن الانغماس في الحزن قد يبتلع ما بقي من الحياة.
والموت، على قسوته لا ينهي المحبة، لكنه يغير طريقتنا في التعبير عنها. فلم يعد في وسعي أن أحدث هدى أو أشاركها تفاصيل يومي، لكن بقي لي أن أحادثها في دعائي لها، وأهديها بالتصدق عنها، وأن أغزلها بمدحها وذكرها بالخير بين الناس، وأن أحفظ ما كان بيننا من عشرة ومودة. ربما يكون هذا هو الشكل الذي تأخذه المحبة حين يصبح اللقاء ذكرى.
ولعل أكثر ما تعلمته من هذه التجربة أن أقول: لا تقسوا على الحزانى ولا تختبروا رضاهم بقضاء الله بعدد دموعهم، ولا تطلبوا منهم أن يتعافوا في الوقت الذي ترونه أنتم مناسبًا. فأحيانًا لا يحتاج الحزين إلى موعظة جديدة عن الصبر، فهو يعرفها، وربما يرددها لنفسه كل يوم. ولكن ما يحتاجه حقًا هو شخص يفهم أن قلبه موجوع، ويترك له حقه في أن يحزن.
وأحاول أن أقول لنفسي كلما اشتد الحزن: لا تدعه يأخذ منك ما بقي لأنك فقدت ما مضى. وهي عبارة أكتبها الآن بسهولة، لكنني أعرف أن تطبيقها ليس سهلًا. أحاول فقط أن أبقي نافذة مفتوحة للحياة، وأن أتمسك بالرجاء في الله، وأن أحول ما استطعت من هذا الألم إلى دعاء ووفاء وعمل صالح.
رحم الله هدى، زوجتي وحبيبتي ورفيقة دربي، وونس روحي وسكنها.
أما أنا، فما زلت أتعلم كيف أحمل هذا الفقد، وكيف أمضي به ومعه، مستندًا إلى يقيني بالله ورجائي في رحمته، وليس لي في النهاية إلا أن أقول: "الحمد لله على نعمة لقائي بها، والحمد لله على ما كان بيننا من محبة ومودة وسكن ورحمة، والحمد لله حتى على الفراق الذي لم نختره".