عاجل

يمثل البحر الأحمر نظامًا فرعيًا داخل إقليم الشرق الأوسط وعمقًا استراتيجيًا؛ نظراً لموقعه القريب من مناطق استراتيجية مختلفة تمثل امتدادًا حقيقيًا للأمن القومي العربي على وجه العموم، والأمن القومي المصري الخليجي على وجه الخصوص، حيث يستمد البحر الأحمر أهميته من اشتباك قائم بين أربع دوائر "جيو أمنية" (عربية / إفريقية / أورومتوسطية / عالمية)، فهو الرابط بين أكثر الممرات المائية أهمية للتجارة الدولية والمؤثرة في الاقتصاد العالمي "باب المندب جنوبًا / قناة السويس شمالًا".

فيربط البحر الأحمر بين أكثر المناطق حيوية في العالم؛ إحداهما الخليج العربي وما تمثله من تمركز للثروة البترولية، والأخرى منطقة التحكم في مدخل البحر الأحمر وهي منطقة القرن الإفريقي، حيث يتشارك سواحل البحر الأحمر 8 دول: مصر (بمساحة تقدر بـ 1425 كيلومترًا)، السعودية، اليمن، الأردن، فلسطين، السودان، جيبوتي، وإريتريا.

ويمثل حجم التجارة الدولية التي تصل إلى مختلف القارات من خلال عبورها البحر الأحمر من 12% إلى 13%، ويصل إجمالي عدد الحاويات التي تعبر البحر الأحمر من 20% إلى 30%، كما يشكل متوسط إمداد النفط اليومي 6.2 مليون برميل، وبلغ حجم تدفق الإنترنت العالمي 17%، وعليه فإن كل ما يقع من اضطراب يمس أمن البحر الأحمر يؤثر بشكل مباشر على حركة الملاحة العالمية، ويترتب عليه عدم استقرار وتقلبات في حركة التجارة والشحن الدولي وقطع اتصال الإنترنت حول العالم.

ويصنف البحر الأحمر كأحد أهم مصادر الدخل القومي المصري من العملات الأجنبية؛ سواء من خلال "نتائج الملاحة في قناة السويس"، أو من خلال "إيرادات استخراج البترول في منطقة خليج السويس"، إضافة إلى "سياحة الشواطئ" التي تتميز بها مصر والتي تعد من أبرز مقاصد السياحة العالمية للشواطئ.

ووفق القانون الدولي للبحار، تخضع المساحات البحرية والمحيطية، ومن بينها البحر الأحمر، إلى تنظيم قانوني يطبق من خلال "الدول المشاطئة"، وقد اعتبرت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أن البحر الأحمر بحر "شبه مغلق" وفق ما جاء بنص المادة 122 من تلك الاتفاقية ذاتها، وجاءت المادة 123 لتلزم الدول المشاطئة بالتعاون فيما بينها في ممارسة الحقوق وأداء الواجبات المقررة في نصوص الاتفاقية بشكل مشترك.

وأصبح وجوبيًا على تلك الدول -في ظل عدم الاستقرار السياسي واضطراب السياسات الأمنية المتأرجحة بين "هجومية ودفاعية"- مراجعة عاجلة لتلك السياسات، والتحرك سريعًا حيال وجود خطط بديلة. ففي نظرة عاجلة، أصبح تهديد الحوثي (كأحد وكلاء إيران في المنطقة)، وتوغل الوجود الإسرائيلي في القرن الإفريقي وانفتاحها على دول البحر الأحمر (ومن أبرزها العلاقات الإسرائيلية الإريترية التي امتدت لتصل إلى مجالات متعددة)، إضافة إلى ظهور نموذج للدول الفاشلة وتصاعد وتيرة القرصنة والإرهاب؛ بيئة حاضنة للتجارة غير المشروعة، سواء كانت تجارة سلاح أو أحد محطات تهريب البشر، كنتيجة حتمية لاستمرار الصراعات المسلحة في تلك الدول ودعم أطراف خارجية من "دول محيطة" لها.

فقد أصبح الأمر غاية في الخطورة، وقد ترتبت عليه توابع على اقتصادات الدول المشاطئة، بل وتصاعدت أطماع ومحاولات فرض تواجد وتوغل لنفوذ دول "تؤجج الصراعات" الحدودية مع الدول المجاورة لها، وتدعم "ميليشيات مسلحة داخل دول أخرى" محيطة بها، وتغذي وتدعم تقسيم تلك الدول لصالح وصولها لشواطئ البحر الأحمر من خلال دعم "غير شريف" لتحرك غير شرعي يتعارض مع كافة الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية، من خلال دعمها لعصابات وميليشيات تقتل وتهتك وتسفك دماء تلك الشعوب، ومما جعل الأمر يزداد تعقيدًا منذ أن بدأت الحرب بين إيران وإسرائيل في 13 يونيو 2025 واستخدام إيران الممرات المائية كورقة ضاغطة؛ سواء من خلال تواجد أصيل في مضيق هرمز، أو بتواجد من خلال وكيلها "الحوثي" في مضيق باب المندب وهو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

وقد تبنت الدولة المصرية -في ظل كل تلك التحديات- رؤية استراتيجية متكاملة انطلاقًا من أهمية الممر البحري وتأثيره على مصالح الدولة المصرية الاستراتيجية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أمنها القومي؛ فقد فطنت مصر مبكرًا أن البحر الأحمر أصبح ساحة لإعادة ترسيم التوازنات الإقليمية وإعادة تموضع نفوذ أطراف دولية، مما استوجب ضرورة فرض حوكمة الممر البحري بما يترتب عليه من استقرار حقيقي وفق آليات أكثر فاعلية.

وعلى الرغم من وجود أربع ركائز أساسية لتلك الاستراتيجية، إلا أن البعد الأمني من بينها يشكل الركيزة الأساسية كمكون فاعل في إعادة تشكيل هندسة توازنات إقليمية جديدة، وقد أدركت مصر ذلك مبكرًا عندما أطلقت "قيادة الأسطول الجنوبي" في مدينة سفاجا عام 2017، واستتبعته بافتتاح أكبر قاعدة عسكرية مطلة على البحر الأحمر عام 2020 وهي قاعدة "برنيس"، وتبقى الأضلع الثلاثة الأخرى مكملة للركائز الاستراتيجية المصرية والتي تنهي ما بدأه الضلع الأول وهو "الحماية العسكرية"، ثم يأتي دور التحرك الدبلوماسي، والتعاون الاقتصادي، والتطور التكنولوجي.

لقد آن الأوان للدول المشاطئة لأحد أهم الشرايين المائية في العالم -وهو البحر الأحمر- أن تتخذ خطوات جدية لحماية مصالح شعوبها وحماية مقدرات أوطانها، وأن تقطع بيد من حديد الطريق على تلك الدول "اللصوصية" الساعية للسطو على منافذ بحرية، متعدية بذلك على حقوق الدول المشاطئة ومخالفة لكافة قواعد القوانين الدولية وقانون البحار الذي فرض قواعد صارمة منظمة لذلك.

تم نسخ الرابط